١١٧) والعرب «٣» لا تذهب فى تحديد أوقات الأزمنة الى مثل هذا
[ ١٠٣ ]
ولا تجعل أول عدد السنة، الربيع. ولكنها تذهب فى تحديد أوقاتها الى ما تعرف فى أوطانها من إقبال الحرّ والبرد، وادبارهما؛ وطلوع النبات واكتهاله، وهيج الكلأ ويبسه. وتذهب فى عدد الأزمنة إلى الابتداء بفصل الخريف، وتسميه الربيع. لأن اول الربيع، وهو المطر، يكون فيه. ثم يكون بعده فصل الشتاء. ثم يكون بعد الشتاء فصل الصيف؛ وهو الذى يسمّيه الناس الربيع، وتأتى فيه الأنوار.
وانما سمّوه صيفا لأن المياه عندهم تقلّ فيه، والكلأ يهيج، وقد يسميه بعضهم الربيع الثانى. ثم يكون/ بعد «١» فصل الصيف، فصل القيظ؛ وهو الذى يسمّيه الناس الصيف. وبعض العرب يقسم السنة نصفين: شتاء وصيفا. ويبدأ بالشتاء لأنه ذكر؛ والصيف انثى، لأن النبات يكون فيه. ثم يقسم الشتاء نصفين، فيكون الشتاء أوله، والربيع آخره. ويقسم الصيف نصفين، فيجعل الصيف أوله والقيظ آخره- ن.
١١٨) فأول «٢» وقت الربيع الأول عندهم، وهو الخريف، ثلثة ايام تخلو من أيلول. وأول الشتاء عندهم ثلثة ايام تخلو من كانون الأول. وأول الصيف عندهم، وهو الربيع الثانى، خمسة ايام تخلو من أذار. واول وقت القيظ عندهم اربعة ايام تخلو من حزيران.
والخريف عندهم المطر الذى يأتى فى آخر القيظ. ولا يكادون يجعلونه اسما للزمان. وقد قال عدى بن زيد:
[ ١٠٤ ]
فى خريف سقاه نوء من الدا وتدلّى ولم يوار العراقى «١» فجعله اسما للزمان. وسماه خريفا لاختراف الثمار فيه. وممن جعله المطر الحطيئة قال وذكر امرأة:
تصيّف ذروة مكنونة وتبدو مصاب الخريف الحبالا «٢»
يريد أنها تبدو لمصاب هذا المطر. فهذه حدود الأزمنة عند العرب وأسماؤها.
١١٩) ثم يجعلون صميما يخلص فيه طبعه/ فيذكرون منه شهرين ويدعون شهرا لأن نصف الشهر من أوله مقارب لطبع الزمان الذى قبله.
ونصف الشهر من آخره مقارب لطبع الزمان الذى بعده. فالخالص منه شهران. فيسمّون شهرى الشتاء الخالص شهرى قماح. قال الهذلى «٣» .
فتى ما ابن الأغرّ إذا شتونا وحبّ الزاد فى شهرى قماح
وسمّيا بذلك لأن الابل ترفع فيهما رؤوسها عند الماء لشدة برده والابل القماح، التى ترفع رؤوسها. قال بشر بن ابى خازم يذكر سفينة [وركبانها]:
[ ١٠٥ ]
ونحن على جوانبها قعود نغضّ الطّرف كالابل القماح «١»
والابل إذا رفعت رؤوسها عن الماء، غضّت أبصارها. ويدعون هذين الشهرين ملحان، وشيبان، لبياض الأرض بالجليد والصقيع.
قال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جوبها لملحان أو شيبان واليوم اشهب «٢»
فهذان شهرا الشتاء.
١٢٠) ويسمّون شهرى القيظ اللذين يخلص فيهما حرّه، شهرى ناجر. وسميّا بذلك لأن الابل تشرب، فلا تكاد تروى لشدة الحرّ.
والنّجر «٣» والبغر متقاربان، وهو أن تشرب فلا تروى. يقال نجر من الماء/ إذا امتلأ منه فكظّه، وهو مع ذلك يشتهيه. قال ذوالرمة يصف ماء:
صرى آجن يزوى له المرء وجهه ولو ذاقه ظمآن فى شهر ناجر «٤»
[ ١٠٦ ]
وقال الأخطل يذكر عيرا:
رعين بصحراوين حتى تقيّظت وأقبل شهرا وقدة وعكان «١»
وهذان الشهران هما بيضة القيظ. قال الشمّاخ:
طوى ظمأها فى بيضة القيظ بعدما جرى فى عنان الشعريين الأماعز «٢»
فهذان شهرا القيظ- ن.
١٢١) ولا أعلم أنهم سمّوا شهرى الربيع الثانى باسم، إلا أنهم يقولون: حللنا بلد كذا وكذا فى حد الربيع. وبطنان الربيع، يريدون شهريه. وقد ذكروهما من غير تسمية. قال أبو ذؤيب يصف ظبية رعت مكانا:
به أبلت شهرى ربيع كليهما فقد مار فيها نسؤها واقترارها «٣»
[ ١٠٧ ]
«أبلت» جزأت بالرطب. و«النسؤ» بدوّ السمن. و«الاقترار» «١» أن يخثر بولها، وهو من علامات السمن. قال رؤبة يصف حميرا وأتنا:
شهرين «٢» مرعاها بقيعان السّلق مرعى أنيق النبت مجّاج الغدق «٣»
وقال ابن مقبل «٤»:
أقامت به حدّ الربيع وجارها أخو سلوة مسّى به الليل املح
/ يريد بأخى السلوة، الندى لأنهم فى سلوة ورخاء وطمأنينة ما كان الندى عندهم. و«مسّى به الليل» أى جاء الندى عند مجىء الليل و«أملح» فى لونه، أى هو أبيض. وربما ذكروا استيفاءها شهور الربيع الثانى كله. قال حميد بن ثور «٥»:
[ ١٠٨ ]
رعين المرار الجون من كل مذنب شهور جمادى كلّها والمحرّما «١»
«الجون» الأسود من شدة خضرته. و«المحرّم» رجب. وقال «شهور جمادى» وهما شهران. كما قال الله جلّ ثناؤه «فان كان له إخوة فلامّه السّدس» «٢» يريد أخوين فصاعدا. ولم يفعلوا مثل هذا فى زمن الخريف فيذكروا منه شهرين فيما علمت. ولا أحسب ذلك، إلا أنه لم يدعهم إلى ذكره شىء كما دعا اليه شدة البرد فى الشتاء، وشدة الحرّ فى القيظ، ووقت الجزّ فى الربيع- ن.