بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقى.
١) هذا كتاب أخبرت فيه بمذاهب العرب فى علم النجوم: مطالعها، ومساقطها، وصفاتها، وصورها، وأسماء منازل القمر منها، وأنوائها، وفرق ما بين يمانيها وشاميها، والأزمنة وفصولها، والأمطار وأوقاتها، وأختلاف أسمائها فى الفصول، وأوقات التبدّى لتتبع مساقط الغيث وارتياد الكلاء وأوقات حضور المياه، وما أودعته العرب أسجاعها فى طلوع كل نجم من الدلالات على الحوادث عند طلوعه، وعن الرياح وأفعالها، وتحديد مهابّها، وأوقات بوارحها، وعن الفلك والقطب والمجرّة والبروج والنجوم الخنّس «١» والشمس والقمر، ودرارى الكواكب ومشاهيرها «٢» والاهتداء بها، وعن السحاب ومخايله ما طره ومخلفه، والبروق خلّبها وصادقها، وأمارات خصب الزمان وجدوبته، إلى غير ذلك- ن.
٢) وكان غرضى فى جميع ما أنبأت به الاقتصار على ما تعرف
[ ١ ]
٢/الف العرب فى ذلك وتستعمله؛ دون ما يدّعيه المنسوبون إلى الفلسفة/ من الأعاجم، ودون ما يدّعيه أصحاب الحساب. فانى رأيت علم العرب بها هو العلم الظاهر للعيان، الصادق عند الامتحان، النافع لنازل البرّ وراكب البحر وابن السبيل. يقول الله جلّ وعزّ: «وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البرّ والبحر» «١» . فكم من قوم حاد بهم الليل عن سواء السبيل فى لجج البحار، وفى المهامه القفار، حتى أشرفوا على الهلاك، ثم أحياهم الله بنجم أمّوه أو بريح استنشوها. قال ابن أحمر «٢» وذكر فلاة:
يهلّ بالفرقد ركبانها كما يهلّ الراكب المعتمر «٣» وهؤلاء قوم ضلّوا الطريق وتمادت بهم الحيرة حتى خشوا الهلكة، ثم لاح لهم الفرقد فعرفوا به سمت وجهتهم، فرفعوا أصواتهم بالتكبير كما يرفع المعتمر صوته بالتلبية- ن.
٣) ويقال إن أعلم العرب بالنجوم كاب وبنوشيبان وإن العلم من كلب فى بنى ماوية: ومن شيبان فى مرّة. وصحبنى رجل من الأعراب فى فلاة ليلا/ فأقبلت أسئله عن محالّ قوم من العرب ومياههم؛ وجعل
[ ٢ ]
يدلّنى على كل محلّة بنجم، وعلى كل ضياء «١» بنجم. فربما أشار إلى النجم وسمّاه، وربما قال لى: تراه، وربما قال لى: ولّ وجهك نجم كذا، أى اجعل مسيرك بين «٢» نجم كذا حتى تأتيهم. فرأيت النجوم تقودهم إلى موضع حاجاتهم، كما تقود مهايع الطريق سالك العمارات.
ولحاجتهم إلى التقلب فى البلاد والتصرف إلى المعاش وعلمهم، أن لا تقلّب ولا تصرّف فى الفلوات إلا بالنجوم، عنوا بمعرفة مناظرها. ولحاجاتهم إلى الانتقال عن محاضرهم إلى المياه وعلمهم، أن لا «٣» نقلة إلا لوقت صحيح يوثق فيه بالغيث والكلاء، عنوا بمطالعها ومساقطها. هذا مع الحاجة إلى معرفة وقت الطرق ووقت النتاج ووقت الفصال، ووقت غور مياه الأرض وزيادتها [و] تأبير النخل، ووقت ينع الثمر ووقت جداده، ووقت الحصاد، ووقت وباء السنة فى الناس وفى الإبل وغيرها من النعم بالطلوع والغروب.
٤) وقد يحتاج نازل المدن «٤» وسالك العمارات، وإن كان مستغنيا/ فى بعض الأحوال عن هذا الشأن إلى معرفته، مستظهرا به النوائب فى الأسفار والنكبات ومعرفة ما يعرفون من علامات الخصب والجدب، وعلامات السحاب الماطر والسحاب المخلف، والبروق الصادقة «٥» والكاذبة، والرياح اللاقحة «٦» والحائلة، ومعرفة المغارب والمشارق
[ ٣ ]
والزوال والفجرين والشفقين ومعرفة سمت القبلة. وقد كان هذا الشأن عزيزا، والمعنيوّن به قليلا والأدب غضّ والزمان زمان، فكيف به اليوم مع دثور العلم وموت الخواطر وإعراض الناس- ن.
٥) وقد قيّدت بهذا الكتات أطرافا من هذا الفن أدركت بعضها بالتوقيف، وبعضها بالاعتبار، واستخرجت بعضها من الأشعار ونبّهت على إغفال من أغفل من الشعراء وخالف ما عليه أكثرهم لشبهة دخلت عليه. وما أبرأ إليك بعد من العثرة والزلّة. وما أستغنى منك «١» إن وقفت على شىء من التنبيه والدلالة ولا إستنكف من الرجوع إلى الصواب عن الغلط. فان هذا الفن لطيف خفىّ، وابن آدم إلى العجز والضعف والعجلة «وفوق كل ذى علم عليم» «٢» . ونحن نسأل الله أن ينفعنا/ وإياك بالعلم، ويعرفنا قدره، ويجعل شغلنا بالعمل المقرّب منه، ويؤتينا بفضله أفضل ما آتاه من أمّله بخير نية عليه، وأرشد هدى إليه. إنه واسع كريم.