١٩٦) إذا كان السحاب ناشئا من العين، وثقوا بالمطر. والعين ناحية القبلة. وقال ابن كناسة: «هى عن يمينك اذا انت استقبلت القبلة قليلا» . تقول العرب: مطرنا «بالعين»، و«من العين» إذا نشأ السحاب من ناحيتها قال العجاج:
سار سرى من قبل العين فجرّ عيط السحاب والمرابيع الكبر «٢»
و«العيط»، الطوال الأعناق من السحاب. و«المرابيع»، التى يجىء مطرها فى أول الربيع. وقال الأخطل:
ومظلم تعلق الشكوى حوامله مستفرغ لسجال العين منشطب «٣»
«مظلم»، سحاب أسود. و«الشكوى»، صوت الرعد. «حوامله» ما حمل منه الماء. و«العين»، ناحية المغرب. والعين مطر أيام لا تقلع. وفى الحديث عن رسول الله ﷺ، قال:
[ ١٦٩ ]
«إذا نشأت [السحابة] بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة «١»» يريد إذا ابتدأت من ناحية البحر، ثم أخذت نحو الشأم، فتلك عين [غديقة]، أى مطرجود. و«الغديق» الكثير الماء. قال الله جلّ وعزّ: «لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا»
«٢» وإذا كان السحاب أسود، فذلك من علامات الغيث. وفى الحديث الذى سأل [فيه] رسول الله ﷺ عن السحاب، فقال:
أجون أم غير ذلك؟ فقالوا: جون فقال: جاءكم الحياء «٣» .
[ ١٧٠ ]
١٩٧) قال أبو النجم، وذكر السحاب:
جون تلوذ الطير من حدائه
و«حداؤه» صوت رعده. والطير يفزعها صوت الرعد.
فتستخفى. وقال آخر:
وكلّ سماكىّ كأن ربابه متالى مهيب من بنى السيد أوردا «١»
/ «سماكى» مطر بنوء السماك و«ربابه» سحابه و«المتالى» الابل التى تتلوها أولادها. و«المهيب» الراعى. ونعم «بنى السيد» سود؛ فشبّه العيم بها. قال أبو ذؤيب:
سقى امّ عمرو كلّ آخر ليلة حناتم سود ماؤهنّ ثجيج «٢»
و«الحناتم» السود؛ واصله الخضر وكل أخضر عندهم أسود.
وقيل للعراق سواد، لخضرة النخل بها. وقوله «كل آخر ليلة»، يريد آخر الليالى أى أبدا؛ كما تقول: لا اكلّم فلانا آخر الليالى، أى ما بقيت من الزمان ليلة. وقال أيضا يذكر برقا:
يضىء ربابا كدهم المخا ض جلّلن فوق الولايا الوليحا «٣»
[ ١٧١ ]
و«الوليّة» البرذعة و«الوليحة مسح يجعل فوق البرذعة. فشبّه السحاب فى شدة سواده بسواد الابل وقد عليّت بالمسوح و«الرباب» سحاب متدلّ دون سحاب فوقه. وقال الشاعر:
كأن الرّباب دوين السحاب نعام تعلّق بالارجل «١»
١٩٨) وإذا كان السحاب أبيض يبرق بضوء. فذلك دليل على مائه. يقولون: «إذا رأيت السماء كأنها بطن أتان قمراء فذلك الجود» قال الشاعر يصف مطرا:
وأضحى تحط المعصمات خريره وأصبح رجّاف اليمامة أقمرا
و«الرجاف»، ما رجف/ من السحاب. وقال الهذلى، وذكر مطرا:
تمدّ له حوالى «٢» مشعلات يجلّلهن أقمر ذو انعطاط
١٩٩) وإذا كانت السحابة تبرق كأنها حولاء ناقة، وهو
[ ١٧٢ ]
ما يخرج من الولد، فذلك من علامات المطر. وقال المعقّر البارقى «١» بعد ما كفّ، لابنته، وسمع صوت رعد: «أىّ شىء ترين؟» .
قالت: «أرى سحماء عقّاقة، كأنها حولاء ناقة، ذات هيدب دان، وسير وان» . فقال: «يا بنيّة، ميلى وائلى بى إلى جنب قفلة»؛ فانها لا تنبت إلا ممنجاة من «السيل» . «القفل»، ضرب من الشجر لا ينبت إلا مرتفعا عن السيل- ن.
٢٠٠) وإذا كانت السحابة نمرة، فهى مخيلة للمطر. يقول قائلهم: «أرنيها نمرة، أرتكها «٢» مطرة» . و«النمره»، التى ترى سحابها صغارا ينأى «٣» بعضه من بعض. ونحوها الكرفىء، ويكون كلون النمر.
٢٠١) وإذا كان السحاب بطيّا فى سيره، فذلك دليل على كثرة مائه. قال الهذلى:
[ ١٧٣ ]
فأقبل منه طوال الذّرى كأنّ عليهن بيعا جزيفا «١»
وأقبل ينزو إلى مجدل سياق المقيّد يمشى رسيفا
وقال عدى بن زيد:
وحبّىّ بعد الهدوّ تزّجيه شمال كما يزجى الكسير «٢»
أى تسوقه الشمأل وهو بطىء كالكسير إذا سيق.
٢٠٢) وإذا كان شبيها بالهدب وبالخمل، متدليا، فذلك من علامات المطر./ قال الهذلى «٣»:
له هيدب يعلو الشّراج وهيدب مسفّ بأذناب التلاع خلوج
و«الشراج»، مسايل الحرار؛ الواحد شرج. «مسف»، دان من الأرض. «خلوج»، حدور للماء. قال عبيد بن [الأبرص أو] أوس «٤» [بن حجر]:
[ ١٧٤ ]
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالراح
فمن بنجوته كمن بعقوبته والمستكنّ كمن يمشى بقرواح
يريد أنه طبق الارض. فمن كان فى الارتفاع، ومن كان فى الاستواء سواء. ومن استكنّ منه فهو كمن ظهر فى الصحراء. يريد أنه لم يسلم من مطره أحد. وهذا مثل قول الهذلى:
أسدف منشقّ عراه فذو ال أدماث ما كان كذى الموئل
«الأسدف»، الأسود. «منشّق عراه» بالماء. و«الأدماث» جمع دمث. وهو المكان السهل اللين. و«الموئل»، المكان المرتفع الذى يئل الناس فيه من السيل. يقول: فقد استوى فى سيله من كان عاليا ومن كان منحطّا- ن.
٢٠٣) وإذا كان السحاب أصهب إلى البياض، فذلك دليل على أنه لا ماء فيه، ودليل على الجدب. قال النابغة:
صهبا ظماء أتين التين عن عرض يزجين غيما قليلا ماؤه شبما «١»
/والتين» جبل بالشام «٢» . وهو الذى أقسم الله ﷿ [به]، فقال
[ ١٧٥ ]
«والتين والزيتون» «١» وهو جبل مستطيل: وإذا ساقت الشّمال السحاب أتته من «عرض شبم» بارد. وقال امية بن ابى الصلت يذكر شدة الزمان وبرده فى الشتاء:
وشوّذت شمسهم إذا طلعت بالخلب هفّا كأنه كتم «٢»
«شوّذت»، عمّمت. والمشوذ، العمامة. و«لخلّب»، سحاب لا ماء فيه. و«الهفّ»، الرقيق. شبّهه بالكتم فى حمرته.
وذلك من علامات الجدب. وقد تعترض فى الأفق حمرة بالغداة والعشى من غير سحاب فى الشتاء، فيكون ذلك علامة للجدب.
قال النابغة:
لا يبرمون إذا ما الافق جلله صرّ الشتاء من الامحال كالأدم «٣»
يريد لا يبخلون فى هذا الوقت. وقال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جنوبها لشيبان او ملحان فاليوم اشهب «٤»
[ ١٧٦ ]
وقال الفرزدق يذكر مسافرين:
يغضّون أطراف العصىّ تلفّهم «١» من الشام حمراء الضحى والأصائل
وإنما «يغضون أطراف العصى» للخصر فى ايديهم فيغض أحدهم على عصاه ويدخل يده فى ثيابه لشدة البرد. وقوله «تلفهمّ «٢» من الشام» يريد ريحا من الشام. وهى الشّمال. «حمراء الضحى والأصائل» .
أى حمراء الآفاق أول النهار وآخره.
الاستدلال بالبرق
٢٠٤) وكانوا يشيمون البرق، فاذا لمعت سبعون برقة، انتقلوا ولم يبعثوا رائدا. لثقتهم بالمطر. وإذا كان البرق عندهم وليفا وثقوا بالمطر. والوليف الذى يلمع لمعتين لمعتين. قال الهذلى «٣»:
لشمّاء بعد شتات النوى وقد بتّ أخيلت برقا وليفا
وإذا تتابع لمعانه. كان مخيلا للمطر. يقال: ارتعج البرق، إذا كثر وتتابع.
[ ١٧٧ ]
قال الراجز:
سحّا أهاضيب وبرقا مرعجا «١»
وإذا تتابع بلمعتين لمعتين، شبّه بلمع يدين. قال امرؤ القيس:
أصاح ترى برقا اريك وميضه كلمع اليدين فى حبىّ مكلل «٢»
و«الحسبىّ»، سحاب مشرف: «مكلّل» بعضه على بعض. ويقال مكلّل بالبرق.
٢٠٥) وإذا كان خفوا، كان دليلا على الغيث. قال حميد ابن ثور يذكر البرق:
خفا «٣» كاقتذاء الطير وهنا كأنه سراج إذا ما يكشف الليل أظلما
و«اقتذاء الطير» تغميضها أعينها وفتحها إياها كأنها تلقى القذى منها.
[ ١٧٨ ]
٢٠٦) وكلهم يجعل البرق يمانيا، ولا يجعله أحد منهم شاميا، / لأن الشامى أكثره خلّب عندهم. وهذا يدل على أن المطر للجنوب لأنها يمانية «١» قال عمرو بن معدى كرب «٢»:
ألم تأرق لذا البرق اليمانى يلوح كأنه مصباح بانى
أى رجل قد «٣» بنى باهله، فمصباحه لا يطفى. قال الراجز:
أرّقنى الليلة برق يلمح برق يمان ما يكاد يبرح
وقال آخر:
ألا حبّذا البرق اليمانى وحبذا جنوب أتانا بالعشى نسيمها