١٤٤) . والشمس تقطع السماء فى سنة، وتقيم فى كل برج شهرا. وفى كل منزل من المنازل التى ذكرت، ثلاثة عشر يوما- ن.
١٤٥) والقمر يقطع السماء فى كل شهر، ويقيم فى كل برج ليلتين وثلثا. وفى كل منزل ليلة. ويستسرّ اذا كان الشهر ثلاثين يوما ليلة تسع وعشرين. ويستسر إذا كان الشهر تسعة وعشرين [يوما] ليلة ثمان وعشرين
[ ١٢٨ ]
ويقطع المنازل فى استسراره كما يقطعها فى ظهوره. والعرب تسمّى آخر ليلة فى الشهر «البرّاء» «١» لتبرّء القمر فيه من الشمس. قال الشاعر:
يا عين فابكى عامرا وعبسا يوما إذا كان البراء نحسا «٢»
يريد إذا لم يكن فيه مطر. والمطر يستحب فى سرار الشهر.
١٤٦) وقال رسول الله ﷺ فى هلال شهر رمضان:
«إذا غمّ عليكم فاقدروا له» «٣»، رواية ابن عمر. وقال فى حديث آخر: «إذا غمّ عليكم فاكملوا العدّة» «٤»، رواية ابن عباس. وهذا الحديث ناسخ لحديث ابن عمر. ومعنى «اقدروا له» [المسير] «٥»، أى قدّروا له المسير والمنازل «٦» . يقال قدرت الشىء وقدرّته، بمعنى واحد.
والتقدير له أن يكون إذا غمّ على الناس ليلة ثلثين، فى آخر شعبان، بأن تعرف مستهلّه فى شعبان لليلته. ويعلم أنه يمكث فيها ستة أسباع ساعة من أولها. ثم يغيب. وذلك فى أدنى مفارقته للشمس.
ولا يزال فى كل/ ليلة «٧» يزيد على مكثه فى الليلة التى قبلها ستة أسباع
[ ١٢٩ ]
ساعة. فاذا كان فى الليلة السابعة غاب فى نصف الليل. وإذا كان فى ليلة أربع عشر [ة]، طلع مع غروب الشمس، وغرب مع طلوعها ثم يتأخر طلوعه عن أول ليلة خمس عشر [ة] ستة أسباع ساعة.
ولا يزال فى كل ليلة يتأخر طلوعه عن الوقت الذى طلع فيه فى الليلة التى قبلها ستة أسباع ساعة إلى أن يكون طلوعه ليلة ثمان وعشرين.
مع الغداة. فان لم ير صبح ثمان وعشرين علم أن الشهر ناقص. وعدّته تسعة وعشرون يوما. وإن رئى. علم أن الشهر تامّ. وعدّته ثلثون- ن.
١٤٧) وقد يتعرّف أيضا بمكث الهلال فى ليالى النصف الأول من الشهر. ومغيبه من الليل. وأوقات طلوعه ليالى النصف الآخر من الشهر وتأخّره عن أول الليل. ويتعرف من المنازل بأن الهلال إذا طلع فى أول ليلة من شعبان فى الشرطين، وكان شعبان تامّا، طلع فى أول ليلة من شهر رمضان فى الثريا. وإن كان شعبان ناقصا، طلع فى البطين. وهذا أمر يضيق ويصعب على الناس: ويكثر فيه التنازع والاختلاف. فنسخه رسول الله ﷺ بقوله: «إذا غمّ عليكم فاكملوا العدّة ثلثين» . وقد ذكرت مثل هذا «١» فى الكتاب الذى ألّفته فى الصيام «٢» . ولا يمكن «٣» أن يرى الهلال بالغداة فى المشرق بين يدى الشمس، وبالعشىّ فى المغرب خلف الشمس فى يوم واحد.
ولكن يمكن ذلك فى يومين، وفى ثلثة. فاذا كان ذلك فى يومين،
[ ١٣٠ ]
فهو حين يستسرّ ليلة واحدة [واذا كان فى ثلاثة فهو حين يستسر ليلتين] «١» - ن.
١٤٨) وللعرب أسجاع «٢» فى مقدار طلوع القمر من أول الشهر إلى عشر ليال تخلو منه. قالوا فى الهلال: «إذا كان ابن ليله، عتمة سخيله، حداها «٣» أهلها برميله» و«السخلة» الصغيرة من ولد المعز قبل أن تفطم، و«عتمته» رضاعه من أول الليل. يريدون أن مكثه من حين يطلع الى حين يغيب مقدار رضاع سخيلة من أول الليل.
١٤٩) وقالوا فى الهلال «إذا كان ابن ليلتين، حديث أمتين، بكذب ومين» . يريدون أن مكثه من حين يطلع إلى حين يغيب مقدار حديث أمتين بكذب ومين والأمتان إذا تلاقتا، استسرعتا الكلام والحديث، للتعجّل إلى أهلهما وخوف الاستبطاء منهما ولكثرة ما قد جمعتا فى صدورهما من حديث الكذب- ن.
١٥٠) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن ثلث، حديث فتيات، غير جدّ مؤتلفات» . وقيل أيضا: «قليل اللباث «٤»» والأول رواية أبى زيد. يريدون أن مكثه مقدار حديث فتيات غير مؤتلفات، لأن المؤتلفات يطلن الحديث حتى ربما مضى أكثر الليل./ وربما ظهر شطره.
[ ١٣١ ]
وغير المؤتلفات لا يطول حديثهن- ن.
١٥١) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن اربع، عتمة «١» ربع، غير جائع ولا مرضع» . و«الربع» من أولاد الابل ما نتج فى أول اوقات النتاج. و«عتمته» عشاؤه. وإذا لم يكن عشاؤه، تعلل فى الأكل، ولم يحدّ.
١٥٢) وقالوا فى الهلال: إذا كان ابن خمس، عشاء خلفات قعس» وهذه رواية أبى زيد. وقال غيره «حديث انس» «٢» و«الخلفات» الحوامل. و«القعس» جمع قعساء، وهى التى قد مال عنقها نحو ظهرها.
١٥٣) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن ست، سر وبت» «٣» يراد أنه يصلح أن يسار فيه إلى أن يغيب، ثم يبات إلى الصبح. أى فيه اتساع للمبيت والمسير.
١٥٤) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن سبع، دلجة الضبع» «٤» و«الدلجة»، المسير بالليل. يقال: أدجلنا، إذا سرنا ليلا. وإذا كان المسير قبل الصبح، قيل: ادّلجنا، بتشديد الدال. وإذا كان ابن سبع، غاب نصف الليل. ويقال إن الضبع تدور إلى نصف الليل- ن.
١٥٥) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن ثمان، قمر إضحيان» «٥» و«الاضحيان» الشديد الضو. يقال: قمر إضحيان وليلة إضحيان، إذا كانت
[ ١٣٢ ]
مضيئة بالقمر. وإضحيانة وضحياء.
١٥٦) وقالوا فى الهلال: «إذا كان ابن تسع، يلتقط فيه الجزع» «١» يقال إنه لشدة ضوئه يلتقط الجزع فيه. وخصّوا الجزع، لأنه أخفى شىء فى القمر. وفى قول القائل طرف من هذا المعنى:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه «٢»
[ ١٣٣ ]
١٥٧) وقالوا فى الهلال «إذا كان ابن عشر، يؤدّيك إلى الفجر» «١» ١٥٨) وهو هلال أول ليلة، والثانية والثالثة. ثم هو قمر بعد ذلك.
قال الشاعر:
وقمير بدا ابن «٢» خمس وعشري ن فقالت له الفتاتان قوما «٣»
فصغّره لصغره فى ذلك الوقت، وهو يطلع لخمس وعشرين آخر الليل، وكنّ يتحدّثن. فلما طلع، آذن بالصبح، فقالت الفتاتان للرجل الذى كان يتحدّث إليهما: «قوما»؛ أراد «قومن»، بالنون الخفيفة، ثم أبدل منها ألفا. كما قال الله ﷿: «لنسفعا بالناصية» «٤» وليلة السواء ليلة ثلث عشرة، لاستواء القمر فيها. وليلة البدر ليلة أربع عشرة. وسمّى بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع. فكان الناس يتبايعون على طلوع الشمس وغروب القمر صبح ثلث عشرة ليلة تخلو من الشهر، [أ] تطلع الشمس قبل غروب القمر، او يغرب القمر قبل طلوع الشمس. وفيه جرى المثل: «إن يبغ عليك قومك، لا يبغ عليك القمر» . ويقال سمّى بدرا لتمامه؛ وكل شىء تمّ فهو بدر. يقال عين بدرة، إذا كانت عظيمة. ومنه يقال لعشرة آلاف درهم «بدرة» لأنها تمام العدد.
١٥٩) والعرب تسمى كل ثلاث فى الشهر باسم على حسب
[ ١٣٤ ]
عمل القمر» وعلى محلها من العدد. فتقول «١»: «ثلاث غرر» . وغره/ كل شىء اوله. «وثلث نفل «٢» . وثلث تسع»، لأن آخرها اليوم التاسع. «وثلث عشر» لأن أولها العاشرة «وثلث بيض» لأنها تبيضّ بالقمراء من اولها إلى آخرها. «وثلث درع» . والقياس درع الا انهم أتبعوا «٣» ذلك ما قبله فأخرجوه مخرجه. والواحدة درعاء.
سميّت بذلك لأسوداد اوائلها، وابيضاض سائرها بالقمر. ويقال شاة درعاء، إذا اسودّ رأسها وابيضّ سائرها «وثلث دآدئ» وثلث ظلم لاظلامها.
«وثلث حنادس» لشدة سوادها. «وثلث دآدئ» لأنها بقايا. والدأدأ، البقية. وثلث محق»، لانمحاق القمر فيها- ن.
١٦٠) والساهور يقال انه كالغلاف للقمر، يدخل فيه إذا كسف. وهو الغاسق اذا وقب، إذا دخل فى ساهوره فكسف.
قال امية بن أبى الصلت:
قمر وساهور يسلّ ويغمد «٤»
وقال النبى ﷺ لعائشة، وأشار الى القمر: «تعوّذى بالله من هذا فانه الغاسق اذا وقب» «٥» يريد انه يسودّ اذا كسف.
[ ١٣٥ ]
وكل شئ اسودّ، فقد غسق. قال الشاعر يصف المرأة:
كأنها عرق سام عند ضاربه او شقّة خرجت من جوف ساهور «١»
و«السام»، الذهب. و«الشقة شقة» القمر.
١٦١) والزبرقان، القمر. وبه سمّى الزبرقان بن بدر.
والدارة حوله يقال لها الهالة./ والفخت، ضوءه- ن.
١٦٢) والشمس يقال لها «ذكاء» . سمّيت بذلك لأنها تذكو كما تذكو النار. ويقال للصبح ابن ذكاء، لأنه من ضوئها. قال الراجز:
فوردت قبل انبلاج الفجر وابن ذكاء كامن فى كفر «٢»
أى مستتر بسواد الليل. و«الكفر»، الغطاء. والليل كافر، لأنه يغطّى بظلمته كل شىء. ويقال للشمس «الجونة»، لبياضها. ويقال للاسود جون، وللابيض جون. وهذا من الأضداد. و«الغزالة»، الشمس. وأياة «٣» الشمس، ضوءها. وقرن الشمس، أول ما يبدو منها فى الطلوع. وحواجبها، نواحيها. والسراب ما تراه نصف النهار كأنه ماء. والآل ما تراه بالغداة يرفع الشخوص. سمّى آلا لأن
[ ١٣٦ ]
الشخص يقال له «١» الآل. فلما رفع الشخص الذى هو الآل سمى آلا.
ولعاب الشمس ما تراه فى الحرّ كأنه ينحدر فى الجوّ. قال الراجز:
وذاب للشمس لعاب فنزل وقام ميزان النهار فاعتدل «٢»
و«ميزان النهار» وقت الزوال. وقال ذوالرمة يصف ثورا:
إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها بأفنان مربوع الصريمة معبل «٣»
«صقرات الشمس» شدة وقعها. يقال صقرته الشمس/ و«الأفنان» أغصان الشجر. و«الصريمة» قطعة من الرمل، منفردة «معبل» خرج عبله، أى ورقه.
١٦٣) وللشمس أحوال فى الطلوع والغروب والزوال. وقد ذكرتها الشعراء. منها أنك ربما رأيتها عند طلوعها تطرف «٤» وذلك لقربها من الافق؛ وكذلك الكوكب تراه كأنه يطرف «٥» . وقال بعض الرّجاز يصفها حين طلعت:
والشمس كالمرآة فى كفّ الأشل
يقول حين طلعت فهى ترتعد ارتعاد المرآة فى كفّ الأشلّ،
[ ١٣٧ ]
لأن يده ضعيفة. ومنها أنها أحسن ما تكون وأشدّ إمكانا للناظر إليها إذا طلعت. قال أبو النجم يصف امرأة:
كالشمس لم تعد سوى ذرورها
يريد أنها مثل الشمس حين طلعت. فاذا ارتفعت، حال الشعاع بينها وبين الناظر. قال المرّار:
وبيضاء تنفّل «١» عنها العيون تطالعنا من وراء الخباء
يعنى الشمس تنكسر العيون عن النظر إليها. وقال الآخر:
ومولى كأن الشمس بينى وبينه إذا ما التقينا ليس ممن اعاتبه «٢»
يقول لا أقدر أنظر إليه بغضا له، فكأن الشمس بينى وبينه. ومثله:
إذا أبصرتنى أعرضت عنّى كأن الشمس من قبلى تدور «٣»
ومنها أن للشمس عند الزوال وقعة «٤» وإبطاء. قال ذوالرمّة:
/ والشمس حيرى لها بالجوّ تدويم «٥»
و«التدويم» الاستدارة. وقال؛
إذا حرّم القيلولة الخمس وارتقت على رأسها شمس طويل ركودها «٦»
[ ١٣٨ ]
يريد أنه لا يقدر أن يقيل من العجلة فى سير الخمس.
١٦٤) ومنها أن لها عند المغيب شعاعا يحول بينها وبين الناظر والنظر إليها حتى يستشرف. والاستشراف أن يضع يده فوق حاجبه وكذلك الاستكفاف. قال ابو خراش:
فلما رأين الشمس صارت كأنها فويق البضيع فى الشعاع خميل «١»
«البضيع»، جزيرة من جزائر البحر. يقول: لما همّت بالمغيب رأين لشعاعها مثل الخميل. و«الخميل»، القطيفة. وقال الآخر:
هذا مقام قدمى رباح غدوة حتى دلكت براح «٢»
[ ١٣٩ ]
يريد حتى غابت. و«الدلوك» الغروب. وقوله «براح» يريد أنه وضع كفّه على حاجبه ليتمكن من النظر. قال العجاج:
والشمس قد كادت تكون دنفا أدفعها بالراح كى تزحلفا «١»
أى هى كالدنف الذى قد قارب الموت، لأنها قد همّت بالغروب قال ابن مقبل:
لحقنا بحىّ أوّبوا السير بعد ما دفعنا شعاع الشمس والطرف مجنح
«التأويب» سير النهار إلى الليل «دفعنا شعاع الشمس» بالراح لنستمكن/ من النظر إليها و«الطرف مجنح» أى ممال إليها ينظر متى تغيب. والشمس عندهم تغيب فى البحر. قال الشاعر «٢»:
المطعمون الشحم كلّ «٣» عشية حتى تغيب الشمس فى الرّجاف
يريد البحر. والله ﷿ يقول «وجدها تغرب فى عين
[ ١٤٠ ]
حمئة» «١» أى ذات حمأة. ويقرأ أيضا «حامية» أى حارّة. وقد يجوز أن تكون هذه العين من البحر «٢» . ويجوز أن تكون الشمس أن تغيب وراءها أو معها أو عندها. فيقام حرف الصفة مقام صاحبه. والله أعلم.