١٢٢) فصل الربيع قد أعلمتك «٣» أن نجوم هذا الفصل سبعة أنجم أولها الشرطان، وآخرها الذراع. ورقائبها سبعة، أولها الغفر، وآخرها البلدة. والرقيب هو الذى يغرب بالغداة فى المغرب إذا طلع هذا بالغداة
[ ١٠٩ ]
فى المشرق. وسمّى رقيبا، لأنه/ كأنه يرقبه: فاذا طلع، غرب هو.
قال بشر بن أبى خازم:
قدورهم تغلى أمام بيوتهم إذا ما الثريا غاب قصرا رقيبها «١»
«غاب قصرا» أى عشيا. ورقيب الثريا إكليل العقرب. وإذا طلعت الثريا عشاء، سقط إكليل العقرب عشاء، وإذا طلعت بالغداة، سقط إكليل العقرب بالغداة. وإنما أراد أنهم يقرون الضيف فى البرد.
ولا فرق بين «الثريا غاب قصرا رقيبها» وبين قوله «إذا طلعت الثريا» لأن فى غروب كل واحد منهما طلوع الآخر. قال جميل:
أحقّا، عباد الله، ان لست لاقيا بثينة أو يلقى الثريا رقيبها
يقول: لست لاقيها أبدا، لأن رقيب الكوكب يغرب إذا طلع هذا بالمشرق والآخر بالمغرب.
١٢٣) وقال آخر:
حتى رأيت عراقى الدلو ساقطة وذا السلاح مصوح الدلو قد طلعا «٢»
فأخبرك أن السماك الرامح، وهو «ذو السلاح»، رقيب الدلو.
«مصح الدلو»، أى سقط لما طلع السماك. فاذا آثرت «٣» أن تعرف رقيب كل كوكب، عددته وما بعده من كواكب المنازل على تواليها فجعلته الخامس عشر فصار أول نجوم/ الربيع الشرطين، وآخرها الذراع. وصار أول رقائبها الغفر، وآخرها البلدة. وصارت نجوم
[ ١١٠ ]
أنواء هذا الفصل العوّاء، والسماك. والغفر، والزبانى، والاكليل، والقلب، والشولة. وإنما صارت أنواؤه. غير رقائب نجومه لأن الشمس إذا حلّت بالمنزل، سترته وسترت منزلا آخر قبله. كأنها «١» إذا حلّت بالشرطين، سترتهما وسترت الحوت قبله. فظهر للناظر بالغداة الفرغ المؤخر ورقيب الفرغ المؤخر العوّاء. فلذلك صارت أول نجوم أنوائه العوّاء- ن.
وأمطار هذا الفصل كلها صيّف، لأن العرب تدعوه الصّيف لاقبال الحرّ فيه ويبس النبات، وهبوب البوارح فى النجم الثالث من نجوم أنوائه، وهو الغفر. قال النمر بن تولب، وذكر وعلا:
سقته الرواعد من صيّف وإن من خريف فلن يعدما
١٢٤) فاذا كان المطر بأول نجوم أنوائه، كالعوّاء والسماك، جاز أن يجعلوه ربيعا لقربه من آخر الشتاء ومن أمطاره. قال الطرماح:
محاهنّ صيّب نوء الربيع من الأنجم العزل والرامحه «٢»
فسمّى مطر السماك ربيعا لما أعلمتك. وقد جعله غيره صيفا وإن كان قريبا من الشتاء، ولم يعدم الاسم الذى يجب أن يسمّى به قال الجعدى:
تجرّى عليه رباب السما ك شهرين من صيّف مخضب «٣»
[ ١١١ ]
وكان ابوعبيدة يروى بيت زهير:
وغيث من الوسمىّ حوّ تلاعه وجادته من نوء السماك هواطله «١»
أراد أن النبت جاد عليه الوسمى فى الخريف، وتتابعت عليه الأمطار فى الشتاء إلى أن سقاه «٢» نوء السماك فى الربيع. ولا يجوز أن يكون الوسمى فى نوء السماك لأن الوسمى أول أمطار الخريف. وسأذكره فى فصل الخريف إن شاء الله- ن.
ومن أنواء هذا الفصل نو لعقرب. وهو مذكور بالغزارة [ونوء السيل] «٣» . قال الكميت، وجعل مطره صيفا والزمان صيفا، وذكر النّعام:
تذكّرن بالميث الأداحى مقصّرا وهاج لهن العقربىّ المغرّب
بغبية صيف لا يؤتّى نطافها ليبلغها ما أخطأته المضّبب «٤»
وقد فسّرت البيت فيما تقدم من الكتاب:
١٢٥) وأما قول الأسود بن يعفر:
جاد السماكان بقريانه للنجم والنثرة والعقرب
فمن الناس من يقضى عليه بالغلط، لأن السماك من أنواء فصل
[ ١١٢ ]
الربيع. والثريا من أنواء فصل الخريف، والنثرة من أنواء فصل الشتاء ثم رجع إلى العقرب. وهى من أنواء/ فصل الربيع. والذى عندى أنه أراد جاد السماكان بقريان هذا الموضع، أى امطره جودا فى الربيع بنوئه. ثم نسب قريان هذا الموضع إلى النجم، وهى الثريا لأنها أيضا قد جادته فى الخريف؛ وإلى النثرة لأنها جادته فى الشتاء؛ وإلى العقرب لأنها جادته بعد السماك فى الربيع. فجمع له الأزمنة النافعة المطر. كما قال آخر:
فلا زال نوء الدلو يسكب ودقه بكنّ ومن نوء السماك غمام
فجمع لها أول الأنواء وآخرها. واحد القريان: قرىّ؛ والقريان مجارى الماء إلى الروضة. قال بعض الرجاز:
بشّر بنى عجل بنوء العقرب إذ أخلفت. أنواء كل كوكب
على الأخاديد بماء زغرب «١»
يريد أن النجوم أخلفت كلها. فلم يمطروا، ثم أتاهم المطر فى آخر الربيع بنوء العقرب وما جاء من المطر فى آخر هذا الفصل عند إقبال القيظ فهو دفئّ «٢» ودثئّ «٣» وكذلك الميرة إذا كانت فى قبل الحرّ والنتاج، فهو دفئّ «٤» قال الشاعر:
[ ١١٣ ]
بل البرق يبدو فى ذرى دفئيّة تضىء نشاصا مشمخر الغوارب