٩٩) وهم ينسبون البوارح- وهى الشمأل الحارّة فى الصيف الشديدة المرّ. ذات العجاج- إلى طلوع نجوم معلومة. وربما نسبوا ذلك الى/ غروبها. وسميت الشمال بارحا فيما روى، لأنها تبرح، أى تأتى من شمال الكعبة كما «يبرح» الظبى إذا أتاك من يسارك: ويسنح إذا أتاك من يمينك. فأما الأمطار، فلا ينسبون شاميها إلى النجم الساقط.
قال النابغة:
سرت عليه من الجوزاء سارية تزجى الشمال عليه جامد البرد
أراد بالسارية سحابة تسرى ليلا. «من الجوزاء» . يريد عند سقوطها.
وهى تسقط فى شدة البرد. فنسب المطر والبرد الى سقوط الجوزاء. «١»
وقال آخر فى مثله:
أو مثل نشر اسود الطل اليفها يوم رذاذ من الجوزاء مشمول «٢»
يريد عند سقوطها. «مشمول»، ذو شمال. فنسب المطر الى السقوط.
١٠٠. فاذا ذكروا الحرّ، نسبوه إلى الطلوع. قال علقمة بن عبدة:
[ ٨٨ ]
وقد علوت قتود الرحل يسفعنى يوم تجىء به الجوزاء مسموم «١»
فنسب الحرّ الى الطلوع. وقال أبو النجم:
فى «٢» يوم قيظ ركدت جوزاؤه
يريد ركد بارحها فلم تهبّ، وأراد وقت الطلوع. وقال المرّار:
ويوم من النجم مستوقد يسوق إلى الموت نور الظباء «٣»
تراها تدور بغير انها ويهجمها بارح ذوعماء «٤»
/ «ويوم من النجم»، يريد من الثريا حين طلعت. «يسوق إلى الموت»، يريد يسوق الظباء إلى كنسها، فشبّه الكنس بالقبور لها، وجعلها كالموتى. و«النور»، النفار «٥» واحدها نوار. و«ذوعماء» أى ذو غبار. وأصل العماء السحاب؛ شبّه ما يثيره البارح من العجاج بالسحاب، فنسب البارح والحرّ إلى الطلوع. وقال ذو الرمة يصف مطرا:
أصاب الناس منقمس الثريا بساحية وأتبعها طلالا «٦»
يريد أنه أصاب الناس حين سقطت الثريا. فنسب المطر إلى
[ ٨٩ ]
السقوط.
١٠١) فأما أوقات هبوب البوارح المنسوبة إلى الطلوع، فأولها طلوع الثريا، وذلك فى أيّار. وحينئذ يبدأ النبات يهيج. قال الأخطل:
شرّقن إذ عصر العيدان بارحها وأيبست غير مجرى السنّة الخضر «١»
ويروى «مجرى السكّة» . و«أيبست»، يبست. يقول جفّ الخضر الا «مجرى السنّة، وهى سكّة الحرّاث. يريد لم يبق منها إلا ما زرع بالسكة، فهو يسقى. وقال ذو الرمة:
ألفن اللّوى حتى اذا البروق ارتمى به بارح راح من الصيف شامس «٢»
«البروق»، نيت خفيف، فالرياح تترامى به. والعرب تقول:
/ فلان» أشكر من البروق،» «٣» لأنه ينبت بالغيم. و«الراح»، الشديد الريح. يريد أنهن أقمن الربيع حتى هبّت بوارح الصيف، فأيبست النبت وأطارته. وقال يذكر الحمير:
يصك السرايا من عناجيج شفّها هبوب الثريا والتزام التنائف «٤»
أراد هبوب بوارح الثريا. ثم يذكرون بعد ذلك بارح الجوزاء
[ ٩٠ ]
يريدون طلوعها. قال ذو الرمة:
حدا بارح الجوزاء أعراض موره بها وعجاج العقرب المتناوح «١»
ويروى «اعراف موره» . و«المور»، الغبار. وأعراضه» «٢»، أوائله. و«المتناوح»، المتقابل. وقال آخر «٣»:
أيا بارح الجوزاء مالك لا ترى عيالك قد أمسوا مراميل جوّعا «٤»
وهذا كان لصّا، وكان يخرج إذا هبّت البارح لأنها تعفى الآثار بشدة مرّها، فيأمن أن يقتفوا أثره ويقال بل كانت تنثرلهم «٥» الثمرة فيأكلونها «٦» . فلما سكنت، استبطأها.
١٠٢) ثم يذكرون بعد ذلك بارح الشعرى، يريدون ذراع الأسد.
قال الراعى:
يمانية هو جاء أو قطرية لها من هباء الشعريين نسيج
يريد من هباء بارح الشعريين. فهذا ما ينسبون البوارح إلى طلوعه.
١٠٣) فأما ما ينسبون البوارح إلى سقوطه، فزبانى العقرب/ وهى تسقط فى آخر نيسان مع طلوع «البطين» وهذا الوقت يتقدم
[ ٩١ ]
طلوع الثريا بثلثة عشر يوما. فكان البارح الذى ينسب إلى الغروب قبل البارح الذى ينسب إلى الطلوع بقدر هذه المنازل والمدة قال ذو الرمة:
ورقرقت «١» للزبانى من بوارحها هيف أنشّت بها الأصناع والخبرا
«أنشت»، أيبست. و«الأصناع»، مصانع الماء. و«الخبر» جمع خبرة، وهى كالهوة فى الأرض يكون فيها ماء وسدر. وقال:
فلما رأين القنع «٢» أسفى وأخلفت من العقربيات الهيوج الأواخر
«أسفى»، كثر سفاه. والسفا، شوك البهمى.
١٠٤) قال:
فلما مضى نوء الثريا واخلفت هواد من الجوزاء وانغمس الغفر
رمى أمهات القرد لذع من السفا وأحصد من قريانه الزهر النضر «٣»
و«مضى نوء الثريا» لثلث عشرة ليلة تخلو من تشرين الآخر.
[ ٩٢ ]
وذلك. إذا سقطت يقول: فلما مضى هذا الوقت وسقطت، أيضا أوائل الجوزاء ثم «انغمس الغفر» أى سقط، وسقوطه لست عشرة ليلة تخلو من نيسان. فجعل بين أول تحديده وبين آخره ستة أشهر. وهذا عندى يقبح. وإنما هو بمنزلة رجل قال: أفعل كذا وكذا. قال: فلما مضى المحرم وتبعه صفر، ودخل رجب/ فعلنا كذا وكذا. وسقوط الغفر قبل سقوط الزبانى بثلثة عشر يوما. وأراد ذو الرمة لما مضت هذه الأوقات وسقط الغفر فى نصف نيسان، «رمى امهات القرد لذع من السفا» يريد أن السفا، وشوك البهمى، جفّ وسقط فطارت به الريح حتى ضربت به مآخر فراسن «١» الإبل، فأصابها لذع منه. و«امهات القرد» جمع امّ «٢» القردان، وهى النّقرة التى تكون فى مؤخر فرسن «٣» البعير. ويسمّى من البراذين الاسكرّجة وسمّيت ام القردان لاجتماع القردان فيها. فان كان أراد بهذه الريح التى فعلت هذا: البارح، فقد قدّم وقتها قبل بارح الزبانى بنوء واحد، وذلك ثلثة عشر يوما وهذا يدلّ على أن الحرّ عندهم يشتدّ فى نيسان حتى يهيج به النبت.
١٠٥) وقال الكميت:
ولم يك نشؤك لى إذ نشأت كنوء الزبانى عجاجا ومورا
ولكن بنجمك سعد السعود طبّقت أرضى غيثا درورا «٤»
[ ٩٣ ]
قدّم الكميت، كما ترى، نوء الزبانى، وجعله لا مطر فيه ولا خير وإنما يكون فيه البوارح والتراب. وهو، مع هذا، يصف نوء العقرب بالغزارة. قال:
تذكّرن بالميث الأداحى مقصرا وهاج لهن العقربى المغرّب
لغبية صيف لا يؤتىّ نطافها ليبلغها ما أخطأته المضبّب «١»
و«الغيبة»، المطرة الشديدة. يريد أن «المضبّب»، وهو صائد الضباب، لا يحتاج إلى أن يطرق الماء إلى جحر الضبّ حتى يدخل عليه فيخرجه، لأن السيل كبير قد طبّق الأرض وبلغ مواضع الضباب فكفاه المؤونة، وأسقط عنه التعب والعناء، وكأنه قال «لا يؤتى نطافها، المضبب ليبلغ الغيبة ما أخطأته. فقدّم وأخّر. وهذا خلاف قول الأول فى الزبانى، وهى من العقرب. قال ذو الرّمة وذكر الريح:
حدتها زبانى الصيب حتى كأنما تمدّ باعناق الجمال الهوارم «٢»:
«حدتها»، ساقت هذه الريح. والابل «الهوارم»، التى تأكل الهرم، وهو ضرب من الحمض. وإذا أكلته، غلظ وبرها وانتشر.
أراد أن الريح تجرّ من الغبار مثل أعناق هذه الابل- ن.