١٩) وقد تدّبرت ما جاء فى الشعر من نسبة العرب المطر إلى نوء النجم، فوجدته نوعين: أحدهما أن يجعلوا نوء النجم علما للمطر ووقتا [له]، كما يجعلون الشتاء للبرد وقتا، والقيظ للحرّ وقتا/ وكما يقولون لمطر الشتاء «الشتىّ»، فينسبونه إليه لأنه وقت له. ومن ذهب منهم إلى هذا المذهب، ونوى فى النوء هذه النيّة، فقال: «مطرنا بنوء الثريا» يريد حين تبيّن «٥» ناءت، لم يكن بذلك بأس، ولا عليه فيه إن شاء الله جناح، وإليه ذهب ابن عباس فى قوله للمرأة التى جعل زوجها أمرها
[ ١٣ ]
فى يدها؛ فطلقته. «خطّأ الله نوءها ألا طلّقت نفسها»، يريد: أخلى الله نوءها من المطر. والمعنى حرمها الله الخير كما حرم من لم يمطر وقت المطر، وكذلك قول عمر للعباس حين استسقى به: «يا عمّ رسول الله، كم بقى من نوء الثريا» فان العلماء بها يزعمون أنها تعترض فى الافق سبعا كأنه علم أن نوء الثريا وقت يرجا فيه المطر ويؤمّل فسأله عنه: «أخرج، ام بقيت منه بقيّة؟» - ن.
٢٠) والنوع الآخر هو أن يجعل الفعل للكوكب فيكون عنده هو الذى أنشأ السحاب، وأتى بالمطر وهذا من امور الجاهلية. وإياه أراد رسول الله ﷺ: «ثلث من امور الجاهلية: الطعن فى الأنساب، والنياحة، والأنواء» «١» وقال: «إن الله ﷿ يقول ما انعمت على عبادى نعمة إلّا اصبحت طائفة منهم بها كافرين، يقولون:
مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فأما من آمن بى/ وحمدنى على سقياى، فذلك الذى آمن بى وكفر بالكواكب «٢»» وقال «لو أن الله حبس القطر عن
[ ١٤ ]
الناس سبع سنين، ثم أرسله، أصبحت به طائفة كافرين؛ يقولون: مطرنا بنوء المجدح «١» وقال ابن عباس فى قول الله جلّ وعزّ «وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ»
«٢»
أراد الأنواء والرزق ها هنا بمعنى الشكر أى تجعلون شكركم لله على ما رزقكم أن تنسبوا ذلك الرزق إلى الكواكب. فمن ذلك قول رؤبة:
وجفّ أنواء السحاب المرتزق «٣»
أى جفّ البقل الذى كان بالنوء المرتزق. وقول الآخر:
مقابلة فى الأكرمين وبعلها أبو الأنجم المستمطرات نوالها
٢١) ولولا أن رسول الله ﷺ ذمّ مذاهب العرب فى الأنواء، فدلّ ذلك على أنه لا عمل للنوء فى السحاب والرياح والمطر، لساغ للظانّ باكثار العرب فى هذا أن يظنّ أن للنوء عملا فى المطر كعمل الريح فى إنشاء السحاب واستنزال المطر وإلقاح الشجره، وكعمل القمر فى المدّ والجزر وهذه اشياء سخّرها الله ﷿ ووصف الخلق بها، فلم تعد ما سخّرت له، والأفعال مضافة إليها، والفعل/ لله ﷿ بها. وكل هذه الثمانية والعشرين لها نوء، غير أن بعضها عندهم أحمد وأغزر، وهم بذكره ألهج؛ كنوء الثريا، وأنواء نجوم الأسد.
[ ١٥ ]
ويجعلونها إناثا، وذوات. نتاج. ويجعلون ما لا نوء له ذكرا و«١» منحوسا قال ذو الرمة:
تربّع من حنبى قبا «٢» فعوارض نتاج الثريا نوءها غير مجدح «٣»
وقال آخر:
سقتها من الجوزاء والدلو خلفة مباكير لم يندب بهن صرار
«والمباكير» اللواتى يبكرن بالحمل. «والصرار» أعواد تصرّ بها الضروع فتندبها، أى تبقى فيها آثارا. وهى الندوب. واحدها ندب. فأعلمك أنها حوامل، ولا كحمل الابل التى تندب اخلافها الأصرّة. وقال الآخر فى تذكير ما لا نوء له:
فانك قد بعثت عليك نحسا شقيت به كواكبه ذكور «٤»
وربما نسبوا إلى بعض هذه المنازل المنحوسة «٥» إذا لم يكن نوؤها محموذا كالدبران، وقلب العقرب. وسترى هذا كله عند ذكرنا أسماء المنازل وصفاتها.