قال المسعودى فى مروج الذهب (ج ٣، ص ٤٤٢ طبع اوربا):
«فأما قبلة أهل المشرق والمغرب والتيمن والجدى، فقد ذكرنا جملا من ذلك فى كتابنا أخبار الزمان. وقد جرّد ذلك فى كتابه أبو حنيفة الدينورى. وقد سلب ذلك ابن قتيبة، فنقله إلى كتبه وجعله من نفسه.
فقد فعل ذلك فى كثير من كتب أبى حنيفة الدينورى هذا. وكان أبو حنيفة ذا محل من العلم كبير» - هـ.
مع الأسف لم يصل إلينا إلا القليل النزر من كتب الدينورى (الأخبار الطوال، وقطعة من كتاب النبات، فحسب) لنحكم فى النزاع بيقين. وقال المستشرق الروسى الكبير إغناطيوس كراتشكوفسكى فى مقدمة فهارسه للاخبار الطوال ما يأتى ترجمة:
« إن ابن قتيبة كان معاصرا لأبى حنيفة الذى عاش طويلا فى دينور، حيث سكن أيضا ابن قتيبة مدّة كقاضى تلك البلدة. ولكن من الصعب أن يقال إن بينهما صلة السارق العلمى والمسروق منه فى أمر الكتب التأريخية. وكان وستنفلد قد ظنّ (فى طبقات المؤرخين العرب.
Geschichts chreiber der Araber
ص ٢٧، رقم ٢٩/٢) أن هذا يكاد يتعلق بعيون الأخبار. ولكن منذ ما طبع عيون الأخبار [لابن قتيبة] والأخبار الطوال [للدينورى] وجب إسقاط هذا الظن السوء. نعم هناك كتب اخرى تأريخية للدينورى لم تصل إلينا، مثل كتاب البلدان وتكاد أن تكون هى موضوع هذه السرقة. ولكن الأحسن فى رأينا أن تترك
[ ٢٤ ]
هذا الاحتمال تماما فى شأن الكتب التأريخية، لأنه كان مبنيّا على سهو من حاجى خليفة، واعتمد عليه أهل اوربا زائدا عن اللازم. والعبارة من كشف الظنون التى أولدت هذا الوهم هى هذه:
تاريخ أبى حنيفة الخ. قال المسعودى: هو كبير. أخذ ابن قتيبة ما ذكره، وجعله عن نفسه (٢/١٠٥، رقم ٢١١٧) .
ولكن بيان المسعودى، الذى اعتمد عليه حاجى خليفة، معروف موجود فى مروج الذهب (٣/٤٤٢) إلا أنه لم يعين كتابا خاصا، ولم يسمه أبدا. وكل هذا من اختلاق صاحب كشف الظنون. ويظهر على كل حال أن المسعودى لم يرد الكتب التأريخية لهذين المؤلفين فى هذا الصدد، لأن كلام المسعودى هذا فى باب المسائل الفلكية الذى فى «ذكر القول فى تأثير النيرين فى هذا العالم، وجمل مما قيل فى ذلك مما لحق بهذا الباب» .
ونحن نعرف أن العرب اهتموا بالأنواء بصورة خاصة، وأن كتاب أبى حنيفة يعد من امهات الكتب فى هذا الفن. فلا يستبعد أن يقال إن كتابا من هذا الموضوع [لأبى حنيفة] هو الذى عزى إلى ابن قتيبة. إن أبا حنيفة الدينورى لم يشتهر أبدا كمؤرخ، إذ ليس فى الألقاب التى يدعى بها لقب المؤرخ؛ فكثيرا ما يسمى نباتيا أو لغويا، وأحيانا أيضا فلكيا ولم بك يسمى مؤرخا قط. إنا نعرف أسماء كتب ابن قتيبة فى علم النجوم.
ولعلى سبب خمولها هو الذى ذكره المسعودى فقد ظهرت هذه السرقة قبل أن تمضى على وفاتهما خمسون عاما-[أى عند تأليف مروج الذهب]-
[ ٢٥ ]
ونعلم أن لابن قتيبة فى علم النجوم كتاب الأنواء «١» (ذكره بروكلمان فى تاريخ الآداب العربية ج ١، ص ١٢٢، رقم ٨؛ وزوتر فى طبقات الرياضيين والفلكيين العرب suter،Die Mathematiker u.،
Astronomen der Araber
طبع ليبسك سنة ١٩٠٠، ص ٣١، رقم ٥٧)، وكتاب فى علم الفلك «٢» [ذكره زوتر أيضا] . نعم لن يقال بكل ثقة أن المسعودى أراد هذين التألفين [لابن قتيبة] ولكن بيانه يتعلق بالكتب التأريخية لابن قتيبة بثقة أقل من هذا» هـ-.
هذا ما قال كراتشكوفسكى ولم يكن قد رأى نسخة كتاب الأنواء لابن قتيبة ولا للدينورى. مع الأسف لم يصل إلينا كتاب أبى حنيفة الدينورى بتمامه فنقضى فيه بالجزم. ولكن نقل عنه ابن سيده، والمرزوقى، وابن منظور، وصاحب تاج العروس، وعبد القادر البغدادى وغيرهم. وهذه الملتقطات قد جمعت لدينا فى مجلد على حجم كتاب الأنواء لابن قتيبة إن الدينورى توفى بعد ابن قتيبة بست سنوات ولكن لا نعرف تأريخ ولادته فنعلم هل كان أكبر من ابن قتيبة سنّا أم أصغر منه. وكذلك نجهل تأريخ تاليف كتاب الأنواء لابن قتيبة كما للدينورى.
نعم إن أبا حنيفة الدينورى كان معنيا بعلم الفلك ومشاهدة الكواكب، فقد ذكر عبد الرحمن الصوفى (فى صور الكواكب، ص ٧- ٩):
«ووجدنا فى الأنواء كتبا كثيرة أتمّها وأكملها فى فنّه كتاب
[ ٢٦ ]
أبى حنيفة الدينورى وقد كنت أظنّ بأبى حنيفة أن له رياضة بعلم الهيئة والرصد. فقد كنت بالدينور فى سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة من سنى الهجرة فى صحبة الاستاذ الرئيس أبى الفضل محمد بن الحسين ﵀، وكان نازلا فى حجرته [أى حجرة الدينورى] . وحكى لى جماعة من المشايخ أنه كان يرصد الكواكب على سطح هذه الحجرة سنين كثيرة.
فلما ظهر تأليفه، وتأملت ما أودعه كتابه، علمت أن الذى كان يراعيه إنما كان طلب الظاهر المشهور من الكواكب، وما كان يجده فى كتب الأنواء من ذكر المنازل وما أشبهها» هـ-.
مهما كان الأمر، فلم يذكر عن ابن قتيبة انه اشتغل بالرصد وبالنجوم ولو بظواهرها. وكذلك سافر الدينورى فى القفار والبرارى، كما فى البلاد والعمارات من العرب والعجم، طلبا للعلم فجمع مواد لدائرة معارفه النباتية الشهيرة؛ وكانت قسمين: قسم القاموس الأبجدى لأسماء النبات وأوصافه، وقسم الأبواب المختصة بشتى احوال النبات من نموه إلى هلاكه مع ما يتعلق بالسحائب والأمطار، والسيول والأنهار، والرياح والفصول وأصناف الأرضين مقدمة لتجنيس النبات. وكان الكتاب فى ست مجلدات ضخمة (توجد الآن الخامسة منها فى ٤٦٥ صفحة) .
وكان قد بحث فيه عن الأنواء أيضا، كما يظهر من اقتباسات البصرى فى التنبيهات على أغلاط الرواة. وكان من مواد كتاب النبات التى هذّبها ونشرها على حدة مع زيادات بأسم كتاب الأنواء فيما يظهر.
إذا كانت الصلة بين سلف وخلف صلة الغارة العلمية. لسهل تعيين
[ ٢٧ ]
السارق والمسروق منه. وليس كذلك بين معاصرين حيث يحتمل أن يكون كل واحد منهما على سبيل البدل أغار على صاحبه بدون أن نقدر على تعيينه؛ ويمكن كذلك أن يكونا قد اقتبسا المواد عن عين المصدر وهو كتب من تقدمهما مثل مؤرج والأصمعى وابن كناسة.
ومما يؤيد بيان المسعودى أن عبارات عديدة من أنواء ابن قتيبة توافق حرفا حرفا ما زوى عن أبى حنيفة الدينورى. وفى كثير من الأحيان بيان الدينورى أكمل وأكثر إطنابا، وبيان ابن قتيبة أوجز وأقصر.
والذى يدعونا خاصة إلى قبول بيان المسعودى أن الأخطاء أيضا مشتركة بينهما. ولا يقال إن الدينورى نقل خطأ ابن قتيبة بدون أن ينتبه إليه، لأنه توجد منها أمثلة تدل على أن بيان الدينورى أطول، فلا يمكن أن يكون ابن قتيبة سرقه، بل عكس ذلك، مثلا فى رواية حديث نبوى عن أصناف السحاب وأمارات الغيث (فقرة «١٩٦» ص ١٦٩)، أو فى تفسير كلمة إمّرة» (فقرة «٦٦» ص ٥٢) إلى غير ذلك مما يطول ذكره ههنا.