٢٩) ثم الثريّا. ويقال إنها ألية الحمل. وهى أشهر هذه المنازل وذكرهم لها أكثر من ذكرهم غيرها. وجاءت مصغرة لاجتماعها.
ولم يتكلم بها إلا كذلك، كما قيل حميّا الكأس، وسكيّت الخيل. وأصلها من/ الثروة «٤»، وهى كثرة العدد. وهى ستة أنجم ظاهرة، فى خللها نجوم كثيرة خفية. ويسمونها نجما. كما قال الراعى وذكر امرأة أضافها:
فباتت تعدّ النجم فى مستحيرة سريع بأبدى الآكلين جمودها «٥»
[ ٢٣ ]
فقوله «تعد النجم» دليل على الجمع، لأن العدد لا يقع إلّا على ذلك.
و«مستحيرة»، جفنة قد تحير فيها الدسم، فهى ترى نجوم السماء فيها.
لأن الثريا فى الشتاء تصير فى كبد السماء وإذا كبّدت السماء صارت على قمّة الرأس فرأيتها فى الماء وفى المرآة وفى كل شىء صفا.
٣٠) قال ذو الرمة يشبه بيض النعام بالنجوم:
تعاليه فى الأدحىّ بيضا بقفرة كنجم الثريا لاح بين السحائب «١»
وقال المرّار:
ويوم من النجم مستوقد يسوق إلى الموت نور الظباء «٢»
يريد يوما من أيام الثريا. فسماها كلها نجما. فاذا سمعتهم يذكرون «النجم» من غير أن ينسبوه إلى شىء، فاعلم أنهم يريدون الثريا.
وهم يكثرون تشبيهها. فمن أحسن ما قيل فى ذلك، قول امرئ القيس:
إذا ما الثريا فى السماء تعرّضت تعرّض أثناء الوشاح المفصّل «٣»
أراد وقت مغيب الثريا، وعند ذلك تتعرض. وهى إذا طلعت تستقبل
[ ٢٤ ]
الناظر إليها بأنفها. فاذا غربت تعرّضت، أى تحرّفت كأنها جانحة كتحرف ثى الوشاح إذا القى. والوشاح خيط فيه خرز منظوم قد جمع طرفاه فأسفله أوسع من أعلاه. وكذلك الثريا.
٣١) وقال ذو الرمة:
قطعت اعتسافا والثريا كأنها على قمّة الرأس ابن ماء محلّق «١»
شبهها بطائر ماء. وقال ابن الزبير الأسدى «٢»:
وقد خرّم الغدر الثريا كأنها له راية بيضاء تخفض «٣» للطعن
شبهها حين تدلت للمغيب براية خفضت «٤» بيضاء. وهذا نحو قول الآخر:
وتدلّت كأنها عنقود
وقال عقبة بن رؤبة فى بعض كلامه: «والنجم قد تصوّب كأنه عنقود ملاحىّ» بتخفيف اللام وتشديد الياء. وقال آخر:
سرى بعدما غار الثريا وبعد ما كأن الثريا حلّه الغور منخل
«حلّه الغور» أى قصده. قال الأصمعى: لم يحسن فى التشبيه.
٣٢) /وللعرب فيها أسجاع. قولهم: إذا طلع النجم، فالحرّ «٥» فى حدم والعشب فى حطم» يريد أنه حينئذ يهيج وينكسر «والعانات فى
[ ٢٥ ]
كدم» «١»، أى تتعاضّ.
٣٣) وطلوعها لثلث عشرة ليلة تخلو من أيار. وسقوطها لثلث عشرة تخلو من تشرين الأخر. وأما الاستسرار من الثريا فتظهر «٢» من أول الليل فى المشرق عند ابتداء البرد. ثم ترتفع فى كل ليلة حتى تتوسط السماء مع غروب الشمس. وذاك الوقت أشد ما يكون البرد. ثم تنحدر عن وسط السماء فتكون كل ليلة أقرب من افق المغرب وأبعد من وسط السماء إلى أن يهلّ معها الهلال لأول ليلة. ثم تمكث شيئا يسيرا، ثم تغيب فلا تظهر نيفا وخمسين ليلة. وهذا المغرب هو استسرا [ر] ها. ثم تبدو بالغداة من المشرق فى قوة الحرّ. وفى جميع هذه الأحوال قد قالت الشعراء. قال حاتم يذكر ظهورها من أول الليل فى أشد البرد، ويدلّ بذلك على شدة الزمان:
إذا النجم أمسى مغرب الشمس رابيا ولم يك برق فى السماء ينيرها «٣»
يقول: إذا ارتفعت الثريا مع غروب الشمس فى المغرب و«٤» لم يكن فى ذلك الوقت برق، يريد لم يكن فيه مطر. وفى هذا الوقت يقول
[ ٢٦ ]
الساجع: «طلع النجم عشاء، ابتغى الراعى كساء» «١» /. وقال الأعشى:
يراقبن من جوع جلاء مخافة نجوم الثريا الطالعات الشواخصا «٢»
يريد أنهن يعلمن أن الضيق وظلف العيش دائم ما دامت الثريا طالعة عشاء. فهن يراقبنها ويقدّرن لهن «٣» وينتظرن لين الزمان.
٣٤) وفى توسلطها للسماء مع غروب الشمس فى شدة البرد يقول ساجع العرب «اذا أمست الثريا قمّ رأس، ففى الدّثار فاخنس، وعظماهنّ فاحدس، وإن سئلت فاعبس ثم اعبس» «٤» «قمّ رأس»، يريد إذا صارت الثريا عند المساء حذاء رأس القائم، «فاخنس فى الدثار»، يريد استتر من البرد ولا تظهر ولا تسافر. وقوله «وعظماهن» فاحدس يريد عظمى الإبل فاصرع للنحر. قال مؤرّج «عند ذلك تقول الماعزة» الاست جهرى- أى عارية- والنبت ألوى، والشّعر دقاق، والجلد رقاق. ثم ثغت فرقا منه اى من هذا الوقت، وقوله «وإن سئلت فاعبس»، يريد. أظهر العبوس لمن سألك، أمره بالمنع إبقاء على نفسه من كلب الزمان. وقال الكميت:
[ ٢٧ ]
وأنت ابن زاد الركب «١» فى كل شتوة أميره «٢» والساقى إذا النجم أفغرا
يريد. إذا صارت الثريا فى وسط السماء، فمن نظر إليه فغرفاه أى فتح فاه. وذلك من شدة البرد/ وصفه بالإحسان فى هذا الوقت.
٣٥) وقال القطامىّ فى مثل ذلك:
إذا كبّد النجم السماء بشتوة على حين هرّ الكلب والثلج خاشف «٣»
قوله «على حين هرّ الكلب» يريد أنه لا يقدر على النباح من شدة الجهد، فهو يهرّ ونحوه قال الاعشى يصف المرأة:
وتسخن ليلة لا يستطيع نباحا بها «٤» الكلب إلا هريرا»
وقال الكميت فى مثل ذلك يصف سنة جدب:
كأن الثريا أطلعت فى اغتشائها «٦» بوجه فتاة الحى ذات المجاسد «٧»
[ ٢٨ ]
«اطلعت»، طلعت والحمرة محيطة بها فشبّه بياض الثريا فى الحمرة ببياض وجه الفتاة فى «المجاسد»، وهى الثياب الحمر. فهذا من أمارات الجدب. وكذلك قول خداش بن زهير «١»:
إذا ما الثريا أظلمت فى اجتماعها فويق رؤوس الناس كالرفقة السّفر
«أظلمت»، دخلت فى شدة الظلام، يريد نصف الليل حين صارت على قصد رؤوسهم. وفى مقارنة الهلال لها ليلة مهله، وذلك «٢» قبل استسرارها بأيام، يقول كثيّر عزّة»:
/ فدع عنك سعدى إنما تسعف «٣» النّوى قران «٤» الثريا مرّة ثم تأفل «٥» يقول إنما تلاقيها مرة واحدة فى السنة، ثم تفترقان كما يفارق «٦» الثريا الهلال لأول ليلة مرة واحدة فى السنة، ثم تغيب.
٣٦) وظهورها بالغداة عندهم بعد الاستسرار وذلك عند قوة الحرّ يقول الساجع «إذا طلع النجم غديّه، ابتغى الراعى شكيّه «٧»» «وشكيه» تصغير شكوة، وهى قريبة صغيرة. يريد أنه لا يستغنى عن الماء لشدة
[ ٢٩ ]
الحرّ إذا خرج للرعى. وقال ذو الرمة:
أقامت به حتى ذوى العود والتوى وساق الثريا فى ملاءته الفجر «١»
ويقال ذوى العود يذوى، [و] وذى يذى، اذا بدى «٢» يجف.
وقال أيضا:
فلما رأى الرائى الثريا بسدفة ونشّت نطاف المبقيات الوقائع «٣»
قوله «بسدفة» يريد طلعت وقد بقى من سواد الليل شىء قبيل الفجر. و«نشت النطاف» يعنى نضبت المياه و«المبقيات» الحافظات للماء من جلد الأرض. وإذا نضب «٤» ماء المبقيات، فغيره أنضب. وهم يرجعون عن البوادى إلى محاضرهم إذا استقلّت الثريا بالغداة، وإذا تقدمت للفجر قليلا ببقية من السواد. ويبتدئون فى الرجوع من طلوع الشرطين/ إلى هذا الوقت. وسأذكر ذلك فى باب تبدّيهم ان شاء الله.
٣٧) و[أوبى «٥»] أوقات السنة عندهم ما بين مغيب الثريا إلى طلوعها. وقال طبيب العرب: اضمنوا لى ما بين سقوط «٦» الثريا وطلوعها، أضمن لكم سائر السنة» . وسئل «٧» يهود خيبر: «بم «٨» صححتم بخير؟»
[ ٣٠ ]
فقالوا: «بشرب الخمر وأكل الثوم وسكون اليفاع وتجنّب بطون الأودية والخروج من خيبر عند طلوع النجم وسقوطه «١» .
٣٨) ويقال ما طلعت ولا ناءت إلّا بعاهة فى الناس والإبل.
وغربها أعيه من شرقها. وأما قول رسول الله ﷺ:
«إذا طلع النجم، لم يبق فى الأرض [من «٢»] العاهة شئ إلّا رفع «٣»» فانه أراد بذلك عاهة الثمار. لأنها تطلع بالحجاز وقد أزهى السر وأمنت عليه العاهة، وحلّ ينع النخل. وقال طبيبهم: «إذا طلع النجم، اتّقى اللحم، وخيف السّقم، وجرى السراب على الأكم «٤»» .
أمرهم بالحمية، وأخبرهم «٥» أن السراب يجرى عند طلوعها، ولا يجرى قبل ذلك- ن.
٣٩) فأما نوءها فنوء محمود غزير مذكور. يقال إنه خمس ليال، ويقال سبع ليال. فهو خير نجوم الوسمىّ، لأن مطره فى زمن تريد الارض فيه الماء. فهو يمسك ثرى سنته. وفى الثريا إذا جادتهم خلف مما قبلها ولا خلف منها، يقولون: إنه ما اجتمع مطر الثريا/ فى الوسمىّ ومطر الجبهة فى الربيع إلّا كان ذلك العام تامّ الخصب
[ ٣١ ]
كثير الكلاء. قال ذو الرمة:
مجلجل الرعد عرّاصا إذا ارتجست نوء الثريا به أو نثرة الاسد «١»
وقال أيضا:
ولا زال من نوء السماك عليكما ونوء الثريا مثجم متبطّح «٢»
٤٠) الكواكب المنسوبة إلى الثريا:
للثريا كفان. يقال لإحديهما «الكفّ الحذماء»، وهى أسفل من الشرطين. وعن يمينها «البقر» «٣» وهى كواكب متفرقة تتصل بالثريا «وعناق الارض» أسفل من البطين، فيما بينه وبين «مرفق الكف الخضيب»؛ وهو كوكب مضىء فى رقعة ليس بها إلّا كوكبان إذا وصلته بهما أشبه ذلك «النسر الواقع» . فكان كأنه أثافىّ. ويقال للأخرى «الكف الخضيب» . وهو كف الثريا المتوسطة، خمسة كواكب بيض فى المجرّة «حيال الحوت» . وقد ذكرها رجل من أهل الشأم كان حسن المعرفة بمناظر «٤» النجوم، يعرف بالحصنى «٥»، فى شعر له فقال:
[ ٣٢ ]
/
حتى إذا ما الحوت فى حوض من الدلو كرع
ووازن الكفّ التى فيها خضاب قد نضع «١»
قال الدليل عرّسوا فليس فى صبح طمع
وهذه الكف الخضيب من الثريا تجعل «سنام الناقة» فهى لمن شاء كفّ للثريا، ولمن شاء سنام للناقة. ورأس الحوت فى «لبّة الناقة» و«الناقة» على خلقة النجيب الضامر، الدقيق العنق الصغير الرأس.
و«عنق الناقة» كواكب ابتدأن من السنام، ثم هبطن حيال «السمكة» الصغرى، ثم ارتفعن ارتفاع «العيوق»، ثم صرن كهيئة الرأس فوق «السمكة الصغرى» .
٤١) وعلى إثر الكف الخضيب «المعصم» . وهو للكفّ معصم. ويسمى «وشم المعصم» . وهو لطخة كلطخة السحاب.
وقد يجعل وشما فى «فخذ الناقة» . وعلى إثر المعصم، «الذراع»؛ ثلثة كواكب خفية. وعلى إثر الذراع، المأبض»، وهما كوكبان متقاربان بينهما فى رأى العين نحو ذراع. وعلى إثر المأبض، «المرفق»،
[ ٣٣ ]
وهو كوكب أبيض. وتحته كوكب أصغر منه يقال له «إبرة المرفق» .
والشرطان عن يمين المرفق. و«عضد الثريا» كواكب مستطيلة، خفية ككواكب الذراع بين المرفق والثريا. ثم «المنكب» / وهما كوكبان يشبهان «المأبض» . «والبطين» عن يمين المنكب. ثم «العاتق»، وهو كوكب ليس. بالنيّر. ثم «الثريا» . ويقال هى الرأس. قال ذو الرمة يذكر لمية «١» أيدى الثريا:
ألا طرقت مىّ هيوما بذكرها وأيدى الثريا جنّح فى المغارب «٢»
يريد آخر الليل حين عرّسوا. والثريا تغرب فى كل أوقات الليل إلّا أن الشاعر أراد وقتا يكون غروبها فيه آخر الليل. وقد يجوز أن يكون أراد بأيدى الثريا هاتين الكفين، وأن يكون أراد أوائلها، يعنى الشرطين.
٤٢) العيوق. ومن الكواكب التى تنسب إلى الثريا، «العيّوق»، وليس منها، ولا من ذوات الأنواء، ولكن يطلع إذا طلعت. قال حاتم طىء:
وعاذلة هبّت بليل تلومنى وقد غاب عيّوق الثريا فعرّدا «٣»
قوله «عردا» أى غاب. وقد يكون التعريد، العدول والميل.
[ ٣٤ ]
يقال عرّد الرجل، إذا عدل ليفرّ. قال ذو الرمة يذكر أصحابه:
نبّهتهم من مهجع مردود «١» والنجم بين القمّ والتعريد «٢»
يريد بالنجم، الثريا. «والقم»، جمع قمة، الرأس. يريد أنها بين أن تكون فى وسط وبين أن تعدل عن الوسط. ويجوز أن يكون حاتم/ أراد: وقد عرد عيوق الثريا فغاب أى مال فغاب؛ فقلب. والقلب يأتى كثيرا فى كلام العرب والشعر والقرآن قال الله جلّ ثناؤه: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى «٣»)
أى تدلى فدنا.
٤٣) وموضع العيّوق وراء الثريا فى جانب المجرّة الأيمن.
وهو كوكب أبيض ازهر منير. وهو إلى القطب اقرب من الثريا كثيرا. قال أبو ذؤيب يذكر حميرا:
فوزدن والعيّوق مقعد رابئ الضّرباء خلف النجم لا يتتلّع «٤»
«رابئ الضّرباء»، هو الأمين على أصحاب القداح. وهو يقعد وراءهم
[ ٣٥ ]
ويشرف عليهم. فان أحسّ من أحد منهم باحتيال، أخبر به، فاستأنفوا الافاضة. والرابئ، المشرف. يقال ربأت على القوم، أى أشرفت عليهم شبه العيّوق وراء «١» الثريا بالرقيب وراء الضاربين بالقداح. «لا يتتلع» أراد لا يتقدم.
٤٤) ومما يدلّ على أنهما يطلعان معا، قول الأخطل، وذكر الابل:
إذا طلع العيّوق والنجم أولجت سوالفها بين السماكين والقلب «٢»
يريد أن الثريا والعيوق يطلعان صبحا عند اشتداد الحر، فاذا طلعا، كان قلب العقرب والسماكان حينئذ طالعين «٣» /ليلا فجعل مسيره ليلا، وأخبر مع هذا بسمته فى وجهه وانه مستقبل القبلة. قال بشر ابن أبى خازم «٤»:
وعاندت الثريا بعد هدى معاندة لها العيّوق جار «٥»
«عاندت»، عدلت عن الطريق. «بعد هدئ»، بعد ليل. «معاندة لها العيوق جار»، أى معاندة من أجلها جاور العيوق، [والعيّوق «٦»] الثريا. ولم يرد أنهما اجتمعا أو تقاربا قربانا لأنه [] عن تجاورهما أو زال به «٧» احدهما. ولكن الكواكب إذا كبّدت السماء، تقارب ما بينهما «٨»
[ ٣٦ ]
فى رأى العين.
٤٥) وعلى إثر العيوق ثلثة كواكب زهر، يقال لها «الأعلام» وهى «توابع العيوق» وأسفل العيوق نجم يقال له «رجل العيّوق» - «١» ن.