٦٣) الذراع «٣» . وهى ذراع الأسد المقبوضة. وللاسد ذراعان:
مقبوضة ومبسوطة. والمبسوطة تلى اليمن والمقبوضة تلى «٤» الشأم. والقمر ينزل بالمقبوضة وهما كوكبان، بينهما قيد سوط. وكذلك المبسوطة
[ ٤٨ ]
مثلها فى الصورة، إلّا أنها أرفع فى السماء. وسمّيت مبسوطة لأنها أمدّ منها. وبين الذراعين كواكب، يقال لها «١» «الأظفار»، تقرب من «المقبوضة» وربما عدل القمر، فنزل بالذراع المبسوطة. فأحد كوكبى الذرع المبسوطة النيّر هو «الشعرى الغميصاء» . والكوكب الآخر الأحمر الصغير يسمّى «المرزم» يقال له مرزم الذراع وفى الجوزاء/ كوكب مع الشعرى، يقال له «مرزم العبور» . فالشعريان تتحاذيان.
والمرزمان معهما يتحاذيان، إلّا أن «مرزم الذراع» قد ينزل به القمر.
و«مرزم العبور» ليس من منازل القمر. قال الشاعر:
وأخلف نوء المرزم الأرض قوّة لها شيم فيه شقيف وجالد «٢»
يعنى «مرزم الذراع» . يقول ساجع العرب: «إذا طلعت الذراع، حسرت الشمس القناع، وأشعلت فى الافق الشعاع، وترقرق السراب بكل قاع «٣»» - ن.
٦٤) فطلوع الذراع لأربع ليال تخلو من تمّوز. وسقوطها لأربع ليال تخلو من كانون الآخر. ونوءها خمس ليال، ويقال ثلث ليال. وهو أول أنواء الأسد. وهو نوء محمود قلّ ما يخلف. وتزعم
[ ٤٩ ]
العرب أنه إذا لم يكن فى السنة مطر، لم يخلف الذراع، وإن لم يكن، إلا بغشة. قال ذو الرّمة:
وأردفت الذراع لها بنوء سجوم الماء فانسجل انسجالا «١»
وربما نسبوا النوء إلى الشعرى، يعنون الغميصاء. وهى أحد كوكبى الذراع المبسوطة. لأن القمر ربما عدل عن الذراع/ المقبوضة، فنزل بها. قال بشر بن أبى خازم:
جادت له الدلو والشعرى ونوءهما بكل أسحم دانى الودق مؤتجف
وليس يجوز أن يكون أراد بالشعرى ها هنا العبور، لأن العبور ليست من منازل القمر، ولا من ذوات الأنواء. ولكنهم ربما جمعوهما فنسبوا النوء إليهما. يقولون «مطرنا بالشعريين، وبنوء الشعريين» .
والعرب تفعل ذلك كثيرا. ومثله فى القرآن. يذكر الله ﷿ «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ»
«٢» . ثم قال: «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ»
«٣» وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الماء الملح، لا من الماء العذب. وقال:
«وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ»
«٤» .
ثم قال: «وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها»
«٥»
[ ٥٠ ]
والحلية تستخرج من أحدهما. وهذا كما يقال «١» فى الكلام «هذه تمرة نخلنا»، وهى تمرة نخلة منها، «وهذا الرخل «٢» من شأئنا»، وإنما هو لواحدة منها. وكذلك قوله: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
«٣» .
والرسل من الانس دون الجنّ. نسب النوء إلى الشعريين معا.
٦٥) قال أبو وجزة السعدى «٤»:
زئير ابى شبلين فى الغيل أثجمت عليه نجاء الشعريين والحما
«أثجمت»، دامت. و«ألحم»، أقام. و«النجا»، السحاب. وقال «٥»:
حنت «٦» بها الجوزاء فى عدّانها والشعريان بها وحىّ المرزم
«عدّانها»، وقتها. وذكر المرزم مع الشعرى، وهما كوكبا الذراع. وربما فعلوا مثل هذا فى الذراعين، فنسبوا النوء إليهما، لاتفاق الاسمين وتقارب المعنيين، وإنما النوء للمقبوضة منهما. قال ذو الرمة:
جدا قضّة الآساد وارتجست له بنوء الذراعين الغيوث الروائح «٧»
وقال الراعى:
بأسحم من هيج الذراعين أتأمت «٨» مسايله حتى بلغن المناجيا
[ ٥١ ]
وقد يفعلون مثل هذا فى السماكين، فيضيفون «١» النوء إليهما، وإنما النوء للأعزل، ولا نوء للرامح. وسأذكر ذلك إذا صرت إلى السماك إن شاء الله- ن.
٦٦) وإذا رأيتهم يذكرون الشعرى بالحمرة وبالضوء، ويشبّهونها بالنار، فانما يريدون الشعرى العبور. لأنها أشعر «٢» عندهم من الغميصاء وأبين لعين الناظر/ فأما قولهم «إذا طلعت الشعرى، نشف الثرى، وأجن الصّرى، وجعل صاحب النخل يرى» «٣» فيحتمل أن يكونوا أرادوا العبور. ويحتمل أن يريدوا الغميصاء «أجن الصرى» يريدون تغيّر الماء المجتمع فى الغدران والمناقع لشدّة الحرّ وانقطاع المرار عنه. وتبيّن لصاحب النخل تمرّ «٤» فخله، لأنه حينئذ يكبر. وكذلك قولهم: «إذا طلعت الشعرى سفرا، ولم تر مطرا، فلا تغذونّ إمّرة ولا إمّرا، وأرسل العراضات أثرا، يبغينك فى الأرض معمرا» «٥»، يحتمل أن يكون أراد
[ ٥٢ ]
العبور، ويحتمل أن يكون أراد الغميصاء «١» . وقولهم «سفرا»، يريدون إذا رأيتها صبحا؛ وهى ترى صبحا فى شدّة الحرّ. و«إلامّر» الخروف و«العراضات» أثر إلابل. و«المعمر» المنزل، الابل عريضات الآثار، لأنها تطأ بمياسم «٢» وآثارها عراض.
٦٧) وبين الذراعين مدة فى الطلوع والسقوط لامتداد إحديهما وانقباض الأخرى. وما بين الشعريين متقارب فى الطلوع والسقوط.
والغميصاء تطلع لأربع ليال تخلو من تموز. والعبور تطلع لسبع عشرة ليلة تمضى منه، لتقارب الوقتين، احتمل/ أن يكون قول الساجع فى كل واحدة منهما. وكانوا يقولون: «إذا رأيت الشعريين يحوزهما الليل، فهناك لا يجد القرّ مزيدا. وإذا رأيتهما يحوزهما النهار، فهناك لا يجد الحرّ مزيدا» . وكانوا يقولون: «إذا طلعت الشعرى والعبور «٣»،
[ ٥٣ ]
نقعت الأجواف، ونسئت الأظماء، وأدّت الأرض بعد «١» الندى» .
هذا من قولهم يدل على أن الحرّ فى هذا الوقت قد همّ بالانكسار، وأذن بالادبار. و«نقوع الأجواف» بردها وريّها. و«نسؤهم الأظماء»، هو أن يؤخّروا سقى إلابل عن الربع إلى الخمس، أوعن الخمس إلى السدس، أوغن الورد إلى الغبّ، هذا «وما أشبهه، لأنها فى وقت طلوع الشعرى العبور أقوى على العطش وأصبر عن الماء.
وقولهم «وأدّت الأرض بعد «٢» الندى»، يريدون أن الرجل يصبّ الماء على الأرض من أول الليل ويصبح فى الارض بقية منه ولم تنشفه كله كما كانت تنشفه قبل ذلك- ن.