وبينت مَا كَانَ مُسْتَقِيمًا وَاضحا وألغيت مَا كَانَ أضغاثًا مختلطًا وتأملت ذَلِك بِتَوْفِيق الله تَعَالَى. (وَاعْلَم) أَن صدق الرُّؤْيَا إِن نمت على جَنْبك الْأَيْمن لقَوْل ابْن سِيرِين: من نَام على جنبه الْأَيْمن فَرَأى رُؤْيا فَهِيَ من الله تَعَالَى وَمن نَام على جنبه الْأَيْسَر أَو على ظَهره وَرَأى رُؤْيا فَإِنَّهَا من قبل الْأَرْوَاح وَرُبمَا يَصح بعض وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي مَنَامه على بَطْنه فَهُوَ أضغاث أَحْلَام وأصدق مَا تكون الرُّؤْيَا فِي الرّبيع والصيف لما تقدم من الحَدِيث الشريف وَقد ذهب بَعضهم بِأَن تَفْسِير ذَلِك على هَذَا الْوَجْه وأضعف مَا تكون فِي الخريف والشتاء وَقد قَالَ ابْن سِيرِين وَغَيره: أقوى مَا تكون الرُّؤْيَا عِنْد إِدْرَاك الثِّمَار واجتماع أمرهَا وأضعف مَا تكون عِنْد سُقُوط وَرقهَا وَذَهَاب ثَمَرهَا وَقيل إِن الله تَعَالَى وكل على كل مدر وَشَجر ملكا لحفظه من الْجِنّ لِئَلَّا يفسدونه فَإِذا انْقَضى أوانها وَارْتَفَعت الْمَلَائِكَة والموكلون بهَا بَعدت النُّفُوس وتغيرت الأمزجة فتظهر الأحلام السوء والاضغاث. فصل وَأقرب مَا تخرج الرُّؤْيَا أَي تظهر الرُّؤْيَا إِذا رئيت آخر اللَّيْل فَإِنَّهُ ينْتَظر بهَا وروى أَن ابْن سِيرِين قَالَ: من رأى رُؤْيا أول اللَّيْل فَإِنَّهُ ينْتَظر بهَا إِلَى عشْرين سنة فمادون ذَلِك وَيُقَاس على اللَّيْل وعَلى السنين وَيعرف مَا مضى من اللَّيْل وَينْقص من السنين بِقَدرِهِ مِثَاله إِذا مضى من اللَّيْل نصفه ينْتَظر الرُّؤْيَا إِلَى عشر سِنِين فَمَا دون ذَلِك وَيُقَاس على ذَلِك وَمن رأى رُؤْيا بعد الصُّبْح فَإِنَّهُ ينْتَظر لَهَا مُدَّة شهر وَمَا دون ذَلِك وَكَذَلِكَ رُؤْيَة النَّهَار وَقد ظَهرت رُؤْيَة يُوسُف ﵇ بعد عشْرين سنة فَلَا حل ذَلِك حد آخر انْتِظَار الرُّؤْيَا عشْرين وَقَالَ الْكرْمَانِي: أصح مَا تكون الرُّؤْيَا عِنْد استغراق النّوم لقَوْل عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه: مَا زَالَ الْإِنْسَان يرى الشَّيْء فَيكون وَيرى الشَّيْء فَلَا يكون وَالْجَوَاب عَن ذَلِك فِي قَول عمر بن الْخطاب ﵁. فصل وَقد يبطل تَأْوِيل الرُّؤْيَا إِذا كَانَ الْإِنْسَان قد عمل فِيمَا يرَاهُ فِي مَنَامه وشغل بِهِ فِي الْيَقَظَة سره وَفِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ: إِن الرُّؤْيَا ثَلَاثَة فالرؤيا الصَّالِحَة بشرى من الله تَعَالَى والرؤيا من تخويف الشَّيْطَان والرؤيا مِمَّا يحدث بِهِ الرجل نَفسه وَقَالَ بعض المعبرين: الرُّؤْيَا الصَّالِحَة على قسمَيْنِ: قسم بشرى وَقسم تحذير وَقد تخرج الرُّؤْيَا على مآرب كَثِيرَة وَقد رأى كسْرَى فِي الْمَنَام زَوَال ملكه وَظُهُور مُحَمَّد ﷺ وَكَانَ كَذَلِك وَقد رأى النمرود حِين رمى الْخَلِيل إِبْرَاهِيم ﵇ بمنجنيق أَن الْخَلِيل فِي رَوْضَة خضراء وفيهَا عين جَارِيَة فَكَانَ كَذَلِك وَرَأى فِرْعَوْن أَنه دخل الْبَحْر وَجُنُوده فَغَرقُوا فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وَإِن لم تخرج الرُّؤْيَا لصَاحِبهَا خرجت لِبَنِيهِ أَو لنظيره أَو لأحد من عشيرته وَقد رأى النَّبِي ﷺ فِي مَنَامه أَن ابْن أبي الْعيص فِي الْجنَّة بعد مَوته وَكَانَ مُشْركًا فأولها النَّبِي ﷺ عتاب بن أسيد لِأَنَّهُ كَانَ نَظِيره وَإِن عبرت الرُّؤْيَا فِي الْمَنَام فَإِنَّهَا تخرج على نَحْو مَا عبرت بِهِ إِذا كَانَ الْمعبر مِمَّن يركن إِلَيْهِ وسيمته الْخَيْر وَإِن
[ ٦٠٤ ]
رأى الْإِنْسَان رُؤْيا مِمَّا تدل على خير أَو غَيره ثمَّ انتظرها فرآها على صفة مَا رأى أَولا فَتكون قد عبرت وَلَا يكون ذَلِك تَكْرَارا عِنْد بعض المعبرين وَلَيْسَت الرُّؤْيَا تبطل بِتَأْوِيل مَا أول بِمَا يُخَالف التَّعْبِير إِذْ لَو كَانَ ذَلِك لبطلت رُؤْيا عَزِيز مصر لقَوْل المعبرين اضغاث أَحْلَام وَإِن الشَّيْطَان يتَمَثَّل فِي الرُّؤْيَا بِكُل شَيْء إِلَّا بِاللَّه تَعَالَى وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَفِي الحَدِيث: إِذا رأى أحدكُم مَا يكره فَليقمْ وليتفل وَلَا يحدث بِهِ النَّاس وَفِي الحَدِيث: الْمَنَام على رجل طَائِر إِذا قصّ وَقع وَأول بَعضهم قصّ الرجل الْوُقُوع وَفِي حَدِيث آخر مَا يدل مَعْنَاهُ أَن الْإِنْسَان إِذا رأى فِي مَنَامه مَا يكره فَلَا يحدث بِهِ أحدا وَأَن يبصق عَن يسَاره ويتعوذ من الشَّيْطَان فَإِنَّهُ لَا يضرّهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمعبر ذَا حذاقة وفطنة صَدُوقًا فِي كَلَامه حسنا فِي أَفعاله مشتهرًا بالديانة والصيانة بِحَيْثُ لَا يُنكر عَلَيْهِ فِيمَا يعبره لشهرة صدقه وَلذَلِك سمى الله يُوسُف بِالصديقِ وَأَن يكون عَارِفًا بالأصول فِي علم التَّعْبِير وَأَن يُمَيّز رُؤْيَة كل أحد بِحَسب حَاله وَمَا يَلِيق بِهِ وَمَا يُنَاسِبه وَلَا يُسَاوِي النَّاس فِيمَا يرونه وَيعْتَبر فِي تَعْبِيره على مَا يظْهر لَهُ من آيَات الْقُرْآن وَتَفْسِيره وَمن حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَمَا يَنْقُلهُ المتقدمون فِي كتبهمْ وَقد يَقع نَوَادِر ويعتمد على تعبيرها من الْأَلْفَاظ الجلية الظَّاهِرَة بَين النَّاس وَمَا نقل عَن الأدباء فِي أشعارهم وَغير ذَلِك من أَشْيَاء تناسب فِي الْمَعْنى كَمَا سنذكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى بعض ذَلِك فِي بَاب النَّوَادِر وَلَو اعْتمد المعبرون على مَا ضبط فِي الْكتب خَاصَّة لعجزوا عَن أَشْيَاء كَثِيرَة لم تذكر فِي الْكتب لِأَن علم التَّعْبِير وَاخْتِلَاف رُؤْيا النَّاس كبحر لَيْسَ لَهُ شاطئ وَقد وضعت هَذَا الْكتاب مُلَخصا وبوبته ثَمَانِينَ بَابا وَجعلت لكل بَاب مَا يُنَاسِبه من مَعَانِيه وأسأل الله الْعِصْمَة من الْخَطَأ وَالنِّسْيَان فَإِنَّهُ حسبي وَنعم الْوَكِيل.