واسماء الآلى، تكثر في العربية جدا ككثرة اسماء الاسد فيها ولسنا نشتغل بذكر جميعها عجزًا مرة واستصقالا أخرى - ومن اسمائها المشهورة اللؤلؤة والدرة والمرجانة والنطفة والتومة والتوامية واللطيمية والصدفية والسفانة والجمانة والونية والهيجمانة والخريدة والحوصة والثعثعة والخصل - قال الخليل بن احمد النطفة تشبه اياه بالاستنارة والصفاء - وحبة البرد وقطرة اللبن اشبه باللؤلؤ من قطرة الماء بل تشبيهه بقطرة المنى اولى لبياضها دون الصفاء وان كان المنى سمى نطفة بقطرة الماء لكن النطفة المطلقة اشد اشتهارا - قال الشاعر في التؤامية -
كالتؤاميّة إن باشرتها قرّت العين وطاب المضجع
وخو نسبة الى موضع في الساحل والهاء في باشرتها ان صرفت الى التؤامية قرت العين بوجودها ولم تضق المضجع لفوتها وان صرفت المرأة المشبهة بتلك اللؤلؤة قرت العين برؤيتها وطاب المضجع بمباشرتها - وقال الحرمازى فى تؤام انه قصبة عمان مما يلى الساحل وصحار مما يلى الجبل على طرق المفازة وبينهما عشرون فرسخا - وأما اللطيمية فانها كما قيل نسبة الى اللطيمة في شعر ابي ذؤيب وغيره ولمل لم تكن لطيمته نسبة الى غير الطيب - وقيل ايضا انها نسبة الى البحر من قبل تلاطم الامواج - وكذلك الصدفية نسبة الى الصدف - قال النابغة يصف امرأة -
كمضيئة صدفية غواصها بهج ومن يرها يهل ويسجد
[ ٤٧ ]
يعنى من الفرح والابتهاج بالدرة االمكنونة المصونة في صدفها على مائها كما نطق به التنزيل الكريم - فان الصدف اللؤلؤ والأم على ولدها اشفق ولها أصون ولم يعن النابغة صيانة رونقها في صدفها بل أراد به النسبة الى الصدف فقط - لكن كما قال ابو على الاصبهانى ان قوله صدفية ضعيف غير مفيد لان كل درة في الدنيا فهى صدفية - ولا يخص الصدف منها شيء غير شيء على ان لذها من خرافات الهند وجها وذلك انهم يقولون، ان من الافيلة الفائقة ما يوجد في لحوم جباهها درر وتتميز من سائر الفيلة بشهبة اللون وأرج الرائحة كالياسمين الهندى - وكذلك في منابت الارماح تحت اصولها وقالوا في تفصيل ذلك ان تلك الارماح تكون حمرا واذا كانت شكيرا غضة غير مستحكمة ومطرت بنوء الغفر والزبانى تولد في أنابيبها من القطرات لآلئ تنعقد عند استحكام قنو هذه الرماح والطباشير تعمل منها ولو وجد الساحليون في رماح الطباشير شيئا لما أحرقوها الا بعد الشق ولاشتهر ذلك وعرف جنس تلك اللآلئ فان كان من اللآلئ فيليا او رمحيا فالبحرى منه صدفى وقال عبد الرحمن بن حسان -
هى زهراء مثل لؤلؤ الغواص مِيزَت من جوهر مكنون
ان كان عنى بتميزها من الصدف واستخراجها منه فالصدف لايسمى جوهرا وانما هو وقاية للجواهر - وقال سليمان بن يزيد العدوى -
كأنها درة مكنونة لهق يكف عنها الاذى في اللجة الصدف
وان كان عنى شرف المادة التي خلقت اللؤلؤة منها فهو وجه - واما التؤامية فهو يظن بهذا الاسم الازدواج خلاف الفريدة واليتيمية فان اللآلئ اذا وجدت ازدوجت مسلوكة في سمط وجعلت في اليد شطرين سميت أكراسا أى طرائق فقد قيل ان الكراسة مأخوذة منها - واذا ازدوجت في القلائد حول الواسطة وتقابلت زال عنها اسم اليتيم في الانفراد بحصول الاخوات وانطباق بعض على بعض وهو التكارس - (قال ذو الرمة)
وحف كان الندّى والشمس ماتعة اذا توقّد في أفنانه التُوم
شبه الندى الواقع على أغصان النبت الملتف عند متوع النهار وارتفاعة وشاراق الشمس على قطراته باللآلى - وقيل في التوم انه الرد نفسه من غير تشقيق - قال الاسود بن يعفر -
يسعى بها ذو تومين مشمر قنأت أنامله من الفِرساط
أي احمرت من لون الخجل احمرارها بالحناء مباشر الفرصاد برفق فلم يتلوث بمائه غير انامل الممدوح احمرارها بالحناء وليس اللفظ من احمرارها بنفس الحناء فيصف أختضابها بها كما لا تمتنع عن احمرارها بالفرصاد ليدل بفعله على الحداثة والصبا وقيل ان اليتيمة تصاغ من فضة على شبه الدرة كما تعمل المخشلبة من الصدف مثالها - وعلى مثله الحال في الجمانة فقد قيل انها اللؤلؤ وقد قيل النها مصاغة من فضة - وقد تكرر ذلك في الشعر قال امرؤ القيس -
اذا ما استحمت كان قطر حميمها على متنتيها كالجمان لدى الجالى
وقال ايضا
فأسبل دمعى كفيض الجُما ن والدرر قرارته المنحدر
وقال غيره
أفمن دعاء حمامة في أيكة بدرت دموعك فوق ظهر المحل
وقال حاتم الطائى
وعلقن في اعناقهم لناظر جمانا وياقوتا ودرا مؤلفا
وقال ابو الطيب
غدونا ننفض الاغصان منها على اعرافها مثل الجمان
وقال ابو بكر الخوارزمى
شربناها وذيل الليل مغفى اكب وخط جفنيه المنام
كمثل جمانة بيضاء شقت فلاءم بين نصفيها النظام
وقال آخر
وتركنا بالعوينة من حسين نساء الحي يلقطن الجمانا
يقول تهاربت النساء من الفزع وقت الاغارة بالموضع المذكور من الجبل المشرف فانقطعت سلوك عقودهن فلما أمناهن رجعن الى التقاط ما نتثر من جمانهن - وقال عدى بن يزيد -
ألبس الجيد وشاحا محكما وجمانا زانه نظم عذارى
وانما خص العذارى لفراغهن من مراعاة الكد خذاهية وشدة حرصهن على الزينة وما في طبعهن من الغلمة والشيق والشوق الى الازواج فيتدبرن في مزاولة ذلك والتنوق والاهتداء لتحسين النظم مع لطف الكف ونعومة البشرة بالاقبال في الشباب - وقال النابغة -
أخذ العذارى عقدها فنظمه من لؤلؤ متتابع متسرد
[ ٤٨ ]
وهذه الاقاويل كلها تحتمل ان يكون لؤلؤا كما يحتمل ان يكون من فضة مصوغا قال ذو الرمة -
والودق سيتن من اعلى طرائقه جول الجمان جرى في سلكه الثقب
والسلك والثقب من المضاف وكل واحد يجرى في الآخر كما يقال جعلت الخاتم في اصبعي وحقيقته جعلت الاصبع في الخاتم - قال ابو حمزة -
عليهن ياقوت وشذر وفضة ودر كلون الشمس لم يتسلم
وقال قيس بن الملوّح -
كأن جمان صواغ عليها اذا ما ليلة مجت نداها
فذكر الصوّاغ مع الجمان يقوّى الظن بقضيته لكن الصواغ ايضا ترصصع الجواهر التى لاتعملها وتشتغلها بمزاولتها - قال الاعشى -
من يرهوذة يسجد غير متَّلِب اذا تعصب فوق التاج أو وضعا
له اكاليل بالياقوت فصلها صوّاغها لاترى عيبا ولا طبعا
وذلك ان كسرى أبرويز كان اكرم هوذة بن علي بن بتاج فزعمت حنيفة انه لم يره احد من العرب الا سجد لكبريائه ولا احد من العجم الا سجد لصورة كسرى فيه كرسمهم عند رؤية صورته في الدراهم - قال الاسود بن يعفر -
من خمر ذى نطف أغنَّ منطّقٍ وافىَ بدراهم الأسجاد
ويجئ في العمل الا ما يحتمل احد هذين الوجهين المتضادين فالذى لايحتمل لعتمال الجمان من الفضة ويصرح بانه اللؤلؤ قول لبيد -
كجمانة البحر جاء بها غوّاصها من لجة البحر
فأن اضافتها الى البحر مصرح ان اللؤلؤ منه ومشكك في المشبه به لتفضله منه وقال جميل بن معمر العذرى -
من البيض معطار بزين لبانها جمان وياقوت ودر مؤلف
فالزينة هاهنا الياقوت والدر والتأليف بصغار الالئ الفاصلة والمعمول من الفضة كالعهن من الدمقس - وقال ابن احمر -
كأن دوىّ الحَلى تحت ثيابها دوىّ اليفى لاقى الرياح الزعازعا
جمان وياقوت كأن فصوصه وقود الغضازان الجيوب الروادعا
والذى لايحتمل ان يكون معمولا قول هدبة -
عليهن من صوغ االمدينة حلية جمان كأجواز الدبا ورفارف
وقيل في الفارسي انه معرب فان كان كذلك فهو من كُمان وهة الظن حتى لايتحقق معه أهو اللؤلؤ ام مشبه به وهذا الى انه معمول من الفضة فقلما تقع الشبة فى اللؤلؤ وانما تقع في اشباهه - ومن المستحسن لفظه فى الشعر قول الاول -
أمسى فؤادى عند خمصانة ذات وشاح قلق جائل
كأأنها من حسنها درة أخرجها اليُّم الى الساحل
ثم انه المستقبح لأن المقذوف لايكون الا في صدف ميت وهو في هذه الحالة على شفاء من العيوب من التغير والتأكل وما دام الصدف حيا فانه ملازم للقرار غير متعرض للتيار حتى ينقذف الى الساحل - ومنه قول مسرور -
او درة ضحكت زهراء عن صدف مجت بها قذفات البحر ذي الزبد
وقال منصور القاضي -
فتى اذا فاض ندى كفه غص من الغيث إذا ما هتن
كالبحر ان هاج طمى بالردى ويقذف الدر إذا ما سكن
ولم يذكر منصور في البيت الاول ما يتعلق في التشبيه في البيت الثانى وفصله بحرف الكاف لأنه إذا شبه الطمو بالردى والفيض بالندى ابعد جدا - وأما قوله في الدر فأشد وهنا وبكذب الشعراء أزيد حسنا فان حمل قذف البحر الدر في الصدف الحي باهتياج وجب حادث في قعرة من أشباه الزلازل والرجفات التي تكون في البر حتى يزعج ما على قراره الى وجهه لكان قولا ما ولكن قذفه إياه وقت السكون اعجب ما يكون - وكأن من روى قول المتنبي -
كالبحر يقذف للقريب جواهرا جودا ويبعث للبعيد سحائبا
فطن لهذا فابدل القذف بالاعطاء وقد اخذ هذا منصور القاضى من قول المتنبى -
هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا على الدر وأحذره إذا كان مزبدا
إلا انه أفسد الدرة وحولها بغيره - وابن سمودة اخذ منه في قوله -
ولم يدر أن البحر يُعبَر ساكنا وان هاج يوما فالسفين كَسير
وهؤلاء شبه الممدوح في سخائه بالبحر ورفعه ابو الفرج بن هند وعنه فقال -
البحر يخزن دره في بحره وغثاؤه المبذول للوراد
وأقل مبذول لطارق رحله درر يجيب بهن حيث ينادى
[ ٤٩ ]
ورسوب الدر وطفو الغثاء معنى قد تداولته الشعراء واكثروا فيه - قال ابن الرومى -
جيف أنتنت فأضحت على أل جّة والدرّ تحتها في حجاب
وينسب شعر المعالي شعر فيه:
أما ترى البحر يعلو فوقه جِيَف ويستقر بأقصى قعره الدرر
فللزوم الدرر ومخبإه القرار - وقد قيل فيما ورد من الاثار - ابتغوا الروق في خبايا الارض أيها الغواص في البحار فان الصدف مما خبأته الارض عن الاعين - كما قيل في انها الجواهر في المعادن او ما دفن من الأموال في الدفائن - وقيل الريوع مما خبئ بالحراثة في بطنها - قال -
اقول لعبد الله لما لقيته يسير بأعلى الرقمتين مشرقا
تتبع خبايا الارض وادع ملكيها لعلك يوما أن تجاب فترزقا
قال عبد الله بن جدعان فقد خبيئة البئر ما كانت خبأتها من الذهب في جرابها ولم يخرجه غيره من المطلعين فيها اذ كانوا يظنون انها صخرة بارزة من حائط البئر كاالراعونات العظام الباقية فيها فاتفق لعبد الله أن تأمل ماءها فرأى فيه الجانب الأسفل منه متلألأ بالذهبية فتمول بمكانه - وقال في ذلك:
أبغي خبايا الجد في شرفاتها وأدب تحت الأرض بالمصباح
الجد اسم تلك البئر - وكان عروة بن الزبير يقول لعبدج الله بن شهاب - مالك ارض اما سمعت قول الشاعر (تتبع خبايا الارض وادع مليكها) - وكذلك تشبيههم الكؤوس بالدر وقشور اللئ مستحسن اللفظ مستهجن المعنى فان المطلوب في الكؤوس هو الشفاف ليرى من خارج ماوراءها من غير اطلاع فيها يوهم بفطن مستقر فيه من مطالعة وليس في اللؤلؤ هذا الشفاف المقصود قال - ابن المعتز -
مزج من الذهب المذاب يضمه كأس كقشر الدرة البيضاء
وقال أبو نواس -
كأنما أوجههم رقة لها من اللؤلؤ بشار
وقال أيضا:
ظبى كأن الله ألب سه قشور الدر جلدا
وترى على وجناته في أي حين شئت وردا
وقال الصنبورى:
ماء عقيق بحت يطاف به إناؤه ماء لؤلؤ بحت
وقال آخر غير المشف:
كأنما أقداحنا فضة قد بطنت بالذهب الاحمر
وقال ابن الرومى:
هو الورس في بيض الكؤوس فان بدت لعينك في بيض الوجوه فعندم
وقال إبراهيم النظام:
يسقى بلؤلؤة في جوف لؤلؤة من كف لؤلؤة فاللون حسّىُّ
ماؤ وماء وفى ماء يديرهما ماء جرى فيهما والفكر وهمىُّ
وقال آخر
كأن كأسّهم من قشرة لؤلؤة والماء من فضة والخمر من ذهب
وتشبيه الماء بالفضة شر من ذلك والبلاء فيه من تسويتهم بين العديم اللون كالماء الزلال وكالبلور وبين الأبيض كالبن والحجر الابيض كالمينا ووصفهم لكل الصنفين بالبياض وكلهم فى هذا عيال على أبي نواس (الذي) أصمى واشوى في قوله -
فالخمر ياقوتة والكاس لؤلؤة في كف لؤلؤة ممشوقة القد
وعلى عبد الله بن المعتز في الذهب المذاب بقوله -
وزنا لها ذهبا جامدا فكالت لنا ذهبا سائلا
وقال آخر
أو فيه خلاص التبر وزنا فيسكبه ويعطينيه كيلا
وقال آخر
اقول لما حكتها شبها أيهما للتشابه الذهب
هما سواء والفرق بينهما جماد هذا وذاك منسكب
وقول آخر
يطوف بإبريق عينا مفدم فيسبك في أقداحنا ذهبا رطبا
وقال ابو تمام
اوردة بيضاء بكرا أطبقت حبلا على ياقوتة حمراء
وقد زاد على الدرة ذكر البكارة المقرون أمرها بالدم والحبل الممسك في الداخل دم الطمث وفيهما وقت الشراب وكذلك قول آخر على حسنه -
كأنها والمزاج يقرعها تبتلع الدر ثم تقذفه
فالبلع والذقف يؤدى ساعة الشرب الى القذف والتهوع وليس هذا بمضاه لتشبيههم الشراب بقشور اللآلئ فان الدر المركب من البياض وسمة من الصفرة ووفور البريق مما يحمد مثله في البشرة ولا يحتاج معه الى استشفاف ما وراءها - قال نصيب -
كأنما خلقت من جلد لؤلؤة في كل ناحية من حسنها قمر
وقال مانى
كأنما بشره من قشر لؤلؤة بَرى المُقرف عنها جلدة الصدف
[ ٥٠ ]
وقال بشار
كأنما خلقت من ماء لؤلؤة في كل أكنافها حسن بمرصاد
وقال البحترى
بدت صفرة في لونه أنّ حمدهم من الدرما اصفرت نواحيه في العِقد
قال الآمدى؟ الذي فيه صفرة يسيرة يفضل على الأبيض اليفق كفضل الذهب على الفضة ولان الدرة النفيسة الناصعة البياض القريبة العهد بالبحر مما يلحقها كدر وتغير لايزال يسرى فيها ويزداد الى ان تسود كالبعرة - فإذا بدت فيها الصفرة اليسيرة المعروفة أمن منها ذلك الداء واستيقن إنها لا تتغير على الأزمان وأبو قاسم متكرم في الذياد عن فحول الشعراء غير راض ممن لا يدانيهم بضيمهم لكن من تقدمه قد فضل لون المرجان على بياض الدر وحمل قوله ﷾ (كأنَّهن الياقوتُ والمَرجان) على ان معناه صفاء الياقوت في بياض المرجان فان اللون المركب منهما هو المحمود في البشرات - وعلم من هذا ان البياض لم يخص للدر وأن للمرجان مع فضل بياضه حظه من الماء والرونق وان كانا في الدر اظهر واوقع مع رائحة ما من الصفرة تتقى عنه الجصية التى فى الدر القتائى حتى يظن منها انها معمول مصنوع فيكون الحمد له بتلك الصفرة كما تقدم المدح له بعدمها - وأيضا فان الشذور الصغار الفاصلة بين الدر في السمط تكون من سبج وتكون من فيروزج أو تكون من لازورد وفى الأكثر تكون من ذهب فالضياء المنعكس من ذهب الشذر الذي يلقى صفرته عليه ولذلك قال البحتري ما اصفرت نواحيه - اى طرفاه عند الثقبة وهذا مقتضى البريق فانه لو لم يبرق لما رؤيت بالصفرة عليه والى مثله عدل ذو الرمة في قوله -
كحلاء في بَرجَ صفراء في نَعَج كأنها فضة قد شلبها ذَهب
وهذا الشوب كاسب للملاحة فهو فى غاية القلة فبالكثير يرجع في بيوع الرقيق ويتباعد عن الأعداء خوف العدو ويستدل في الصحيح الأمن غير العرع على رياح البواسير أو فرط التكر أو الحسد فى الضمير ولهذا كانت الرواية؟ قد مسها ذهب احسن لأن المس يقصر من مقدار الشوب ولهذا ذهب من قال -
بيضاء صفراء قد ينازعها لونان من فضة ومن ذهب
ومثله قول طفيل الغنوى
هجان البياض أشربت لون صفرة (عقيلة جوٍّ عازب لم يحلل)
وقول يزيد بن الطثرية -
ولونا قد يحار الطرف فيه كلون العاج قد ألف الخَلوقا
ووضع أبو القاسم بازاء فصل ما بين الدر ذي الصفرة وبين اليقين منه فصل ما بين الذهب والرصاص فان كان ذهب الى اللون ففيه نظر لأن احمد الذهب ما جاوز الصفرة الى الحمرة فإذا أقيمت الفضة الخالصة بازاء يقق الدر لم يحمد ما قام من الدر بازاء الذهب الابريز لتلونه من اللون مما لا يمدح وما بقى من كلامه فقصة ما لها امانة المخبر وصدقه - وربما كانت الصفرة مبدأ العلة المسودة فكلاهما حادثان في اللؤلؤ بعد ان لم يكن ونجد الصفرة فيه تغيرا فاسدا يتولد من صنوف أسباب كالهن والعرق وروائح الطيب من الزعفران والخلوق واللخالخ ولا محالة ان المطلوب في الدر بياضه مع توابعه والصفرة عيب فيه فضلا ان يكون محمودا وجرى ابو منصور الثعالبى على عادة الشعراء في التشبيه فقال في خط علي بن مقلة -
خط ابن مقلة من ارعاه مقلته ودت جوارحه لو حُّوِلت مُقَلا
فالدر صيفر لاستحسانه حسدا والورد يحمر من نُوَّره خَجَلا
واصفرار الدر بإطلاق ليس كاحمرار الورد بإطلاق فان الأول عيب والأخير منقبة - وذهب قوم في قوله تعالى (وعندهم قاصِرات الطَرف عِين كأنَّهن بَيض مكنون) عنى اللؤلؤ كما قال تعالى (ويطوف عليهم وِلدان مخلَّدون إذا رأيتَهم حسبتَهم لؤلؤا منثورا) - وقال تعالى (ويطوف عليهم ولدان لهم كأنَّهم لؤلؤ مكنون) ثم قال بعضهم ان شبه مقل العين بالأفلئ بسبب الوفور والبياض اللذين هما يحمدان في اللؤلؤ وهى بالأجفان مكنونة من الأذى قال غيرهم انه عنى بيض النعام الممتزج البياض بالصفرة ويشبهه بوجوههن فانه يقارب لمقاديرها وخاصة من النساء واكنائه بالريش وقت الاخضان ولا تصيبه ريح ولا يلوثه غبار - وقال بعضهم انه الغسق فالمقصود في الذكر بياض البيض وصفرة المخ - قال امرؤ القيس
كبكر المقاناة البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير محلل
[ ٥١ ]
قالوا، انه أراد بيض النعام - والبكارة في كل شيء ممدوحة لأنها في اكثر الأمر دالة على بياض الشباب والظرافة وهى في البيض اولى بيضه من أول الالقاح لا قائم مقام أفتضاض العذرة - وقال غيره، انه عنى الدرة فانها غير خالصة البياض ولا الصفرة بل مختلطة منهما وبكارتها في عدم الثقب بحدث العهد ثم يتقيفوا عند الماء النمير فقالوا انها وان لم توجد في العذب فانها ايضا لاتزكو في الملح الأجاج وإنما حسنها في خروجها من المعتدل وهو النمير الذي ينمى وان لم يكن على غاية العذوبة الا انه ذكر التغذي معه والتنافس في الدر ما عم جميع الأمم - فلو كان في الصفرة احمد لما يختص بالميل أليه بين الطوائف طائفتان - قال الكندي أن كان في الدر المدحرج شيء من الصفرة اعجب به اهل العراق واهل المغرب فان زادت ما أليه أهل أصفهان فجلبا إليهما ونسبا الى ناحيتهما -