العاقل لا يلتذ إلا بالأمور النفسانية الباقية والغبي عن حقائق أحوال المحسوسات وإيذانها باللذات يجعل عينه على ما زين من الأرض بصنوف الزينة ووشح به من الزخارف البهجة التي تطرب الحيوان غير الناطق فليعب فيها ويتمرغ في لينها وتأخذه الأريحة من روائحها فضلًا عن الناطق المميز لكنها - غنما يلذ العاقل لذة نفسانية إذا لاحظهما بعين البصيرة والاعتبار كما يلذ الغافل لذة جثمانية في الاصطباح، والاغتباق والتقلب بين الخمر والخمّار ولما لك يبق له ولأمثاله إلا مدّة يسيرة دومت بعدها وعقبها عند تصرم آجالها فسادها حتى اصفرت بعد الخضرة وتحطمت في اثر النضرة وعادت هشيما تذروه السوافي وتجعله العواصف هباء وتحمله السيول غثاء فيذهب جفاء عوضًا منها وهي افاقية تذاكير بقيت في أنفسهم بقيت لهم بعد انقضائها والوجنات الوجلة مراي الغرار المعصفر والشنبليد المزعفر والاحداق الرواني مناظر العبهر والشفاه اللُعس فيق الجلنار والشقائق وشنب الثغور البيض حواشي القاحي غب المطر وزقب الشوارب وإلا عذره رياض الخيري والبنفسج لكن هذه التذاكير لما كانت أعراضًا محمولة في أشخاص محدودة الأعمار بالية على معاورة الليل والنهار لم تخلد خلودها في ولدان الجنة المخلدين على حالهم الباقين على صفاتهم الموعودة دون الفرطة التي ظنها بعضهم الخلد فأقيم لها بدلها من الجواهر المخزونة تحت الثرى الأحجار المنضودة ومن المكنونة المصونة في أعماق البحار المسجورة ما كان أبقى على قرون تمضى وأحقاب تمر وتنقضي - وكانت منّه عليهم في قوله تعالى (يخرج منها اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان) وقوله تعالى، (وتستخرجون منه حلية تلبسونها) وشبه بها ساكنات الجنة فقال عز من قائل (كأنهن الياقوت والمرجان) ولولا الزينة فيها لما انفصلت عن الذهب والفضة فان سبيلهما في عدم الغنى عند الضرورات سبيلهما بل هي مختلفة عن فضلهما في تثمين الحوائج والحاجات فانها كذلك مثمّنة بهما - وربما كانت على وجه التعويض مزيحة العلل وهي جواهر جسمانية نفاستها بما يحسن الحس منها فيمدح بحسب ذلك مادامت مستبدة به فإذا قرنت بالجواهر النفسانية انكشفت وذم منها ما كان يحمد على مثال وصف أبي بكر الخوارزمي رجلًا، انه درّة من درر الصدف وياقوته من يواقيت الأحرار لا من يواقيت الأحجار -
ترويحة
[ ٥ ]
الملذ بالحقيقة ما ازداد الحرص عليه إذا دام اقتناؤه - وهذه حالة النفس الانسانية عند استفادة ما لا يعلم إلا ان يغلبها البدن عند طلب الراحة من تعب المساعي ويلهيها عمّا كانت فيع بسبب العجز عن استماع حين تخل الحواس بأفاعيلها وتقتصر القوة المتخيلة في النوم على تخايلها واللذة في عرفان المعاني التي في حشو الاصوات المسموعة فانها إذا تجردت نغمات خالية عن معنى يفيده ماتها النفس على طبيعتها فاستروحت منها إلى السكون والسكوت؟ - وأما اللذات البدنية بالتحقيق معقبة الآلام مؤدية إلى الاستقام تمل إذا دامت وتؤذي إذا افرطت يكفيك دليلًا عليه طيب الطعام فان غاية ما تشتهي منه في أوائله ثم ترجع القهقرى متناقصًا إلى أن تبلغ في أواخره إلى حد يفضي إلى الغثيان والتهرع والقذف أن غشى تبعه إكراه عيه خلاف التلذذ النفس بمعاملها فإن له مبدأ يقبل على الازدياد غير واقفة فيه عند غاية بل يزيد إيقانًا أن أطائب الدنيا خبائث ومحاسنها قبائح؟ أمر الجماع الذي يستهتر بع المسرفون على أنفسهم فغنك ترى المجامع يروم ما لايقدر عليه من الاتحاد بسكنه والاندساس بكليته في جوف عشيقته لولا المانع من بلوغ غايته الباعث على الرجوع غلى الوراء لإعادة الفعل برجعه قد ضامها العناق ليتلاصق الصدران ويتقارب القلبان وناسمها ليتصل الأنفاس ويشترك النسيم بين الفئدة والأحشاء وأدخل لسانه في فيها يردده بين الحنك واللهوات ويرتشف الريق من الثنايا واللثات ليفعل بالفم مثل فعله بالهنء فتتضاعف اللذة بتثنية الفعل إلى أن يفرغ بالإفراغ ويصرع أشد الصراع كالعائذ النذور - والمخالف يستريح بالجهد من الجهد وينبطح على حال المرحمة فإذا انتعش عاد أليه كالمخمور من العقار وقد أكسبته الانسية الاختيار فيما هو للبهيمة ضروري طبيعي - كما حكى عن المتوكل أن أعضاؤه ضعفت عن حركات الرهز ولم يشبع من الجماع فملى له حوض من الزئبق وبسط عليه النطع ليحركه الزئبق من غير أن يتحرك فاستلذه وسأل عن معدنه فأشير إلى الشيز بآذربيجان فولى حمدون النديم ثم ليجهز إليه الزئبق - فقال -
ولاية الشيز عزل والعزل عنها ولايه
فولني العزل عنها ان كنت بي ذا عنايه
وتضرع حتى أعفاه - وهذان ألمان التجاء في ضعف القوة وفي معرض اللذة ونوعان من الأذى خيلا بصورة الطيبة ونصبا فخين في مصائد الخلقة والطبيعة مقصورة بهما إبقاء الشخص مدة والنوع دائمًا ما بقيت اللذة والطيبة مكثوا ويغتر بهما الغر وينخدع لهما الغبي عمّا بفعل حتى يحصل منهما الغرض الإلهي في تعمير العالم بالحرث والنسل والحيوان ثم أن الإنسان خاصة معرض لعارض التغير في النطهة ان سلمت منه في أصل الجبلة وكذلك لتوسط القذار الوسخة والخبائث الدنسة منه بين المغيض والفوهة في جوف الشورة فيكره استنكافه عقيب النوم وعلى الجوع وفي البكر بعد ذلك التنافس في إتحاد النكهتين بالقبل والريق والرشف - قال ابن الرومي -
كذلك أنفاس الرياض بسحرة تطيب وأنفاس الورى تتغير
[ ٦ ]
ولا يخفى مع ذلك أنه دائم التعرق أما باحتدام الهواء المحيط وأما بإنعام التدثر للأمان من برده وأما بمتاعب الحركات في مطالبه ومقاصده فيزدحم في مسام جلده ما كان يخرج بالنفشاش رويدًا والتحلل الخفي قليلًا قليلًا إلى ما إذا تراكم في الإبط ذوى بالصنان وان مكث في الارفاغ وخلل الأصابع وباطن الأقدام لم يخل من مكروه والنتن الجوربي بل هو بصدد ريح الحمأ المسنون تفوح من بشرته عند تحّاك الأعضاء الذي لابد منه في الحركات يربكه حك باطن احدى المعصمين على أختها بالتواتر إلى أن يحمان وما في البدن موضع الأوله من العرق والوسخ قسط وان خفى أحيانًا عن البصر - والرأس أشرف عضو فيه كما قال ابن أبي مريم التعمم والتلئم عندما سئل عن سببه؟ ان عضو اجمع ما أعرف به الدنيا واصل بمشاعره إلى المطالب القصوى لحقيق أن أشرفه بالزينة وأخصه بالصيانة عن الأذى والقذى - فتأمل ما ينبع من منافذه دائمًا ويسيل منها متتابعًا من قذر تكره رؤيته ويجتنب مسه بل يستقذر ذكره ثم ربما حسنه عند نعضهم هو النفس الأمارة بالسوء بعزوب اللب في جنون العشق المغطى على عيوب الحب فاستحسن منه قطرات دموعه وشبهها بنثر الدر واستطاب طعم رضابه فمثله بالأرى والخمر وريح نفسه بسحيق المسك والعنبر ولم يشعر لخلاعته ومحونه يقبح ما استحسن إلا إذا تم عليه مفارقة ذلك المستطاب بدون المحبوب أدنى مفارقة أو جمود ما سال من العين والفم فان الدمعة بمكثها في المأقين تنعقدر مصا رهو ببياضة أشبه بالدرة الصافية والبلورية ومتى زايلت عينها والخد - وتلك الريقة شفتها والثغر كرهها ذلك المستطيب ويحتويه وأستجسها بالمس فضلًا عن الذوق وما أظنه مسيغا لمطعوم إذا تفل فيه معشوقة شيئًا من لعابه سيما إذا كانت مع سعلة تصعد بحاء التنحنح نفثا من الرئة إلى الشفة وبخدر بحاء التأخخ لزج الدبس بين الخياشيم إلى الحلاقيم وان عسى علاه اللجاج كانت الحكومة إلى امرئ برئ من آفته فلن يعاند في ان نفسه أحب شيء إليه وان ما يحب سواه فلاجلها وان حبه إياها يخفى عليه عيوبها وعوارها - (فحبك الشيء يعمى ويصم) ثم انه لن يستحسن من نفسه ولن يستطيب منها ما استحسن ذلك من غيره واستطاب ولكنه يستقبحه ويستقذره فيضرحه ولهذا ورد في الأثر نهى عن النفخ في المطعوم والمشروب فيستبن بذلك أن الأصل فيما ذكرناه هو الاستقباح وان الاستحسان فيه عارض حادث والعارض لا محالة زائل وإلى الأصل آئل -