[ ٣٤ ]
الجواهر الفاخرة في الاصل ثلاثة وهي الياقوت والزمرد واللؤلؤ ومن حق الترتيب فيها ان يتلو بعضها بعضا الا انه لما جرى في باب الياقوت ذكر لأشباهه وجب الحاق اللعل لها فانه منها واباها - فاقول انه جوهر احمر مشف صاف يضاهي فائق الياقوت في اللون وربما فضل عليه حسنا ورونقا ثم يخلف عنه في الصلابة حتى اسرع التأثير اللى زواياه وحروفه من مماسة الاشياء ومصاكتها ويجاوز ذلمك الى سطوحه المستوية حتىذهب بمائه الى ان يعاد عليه الجلاء بالمارقشيثا وان تنوع انواعا بالوانه ونسب صفره الى الذهب والبيضه الى الفضة واحمره الى النحاس وادكنه الى الحديد فان الذي يستعمله الجلاؤون هو الذهباني لم اتحقق فيه الى الآن اذ لك لخاصية فيه معدومة في سائر انواعه ام هو من جهة كثرته وقلة سائره - وهذا اللعل هو الذي سماه الكندي ونصر بيجاذيا ذهبي اللون ولست اعرف لهذه التسمية علة سوى احتياجه في الجلاء الى ذهبي المارقشيثا واسبعدها مع ذلك انه ليس للذهب بلونه اتصالا يحتمل التشبيه والاختلاط كما ترى في غيره من قطع اللازورد - ونسب نصر معدنه الى بدخشان وقال انه يشترى الى ايام آل بويه بقيمة الياقوت ثم عرفوه فتخلف عن نفاقه بتلك القيمة - وليس بدشخان منه بشيء ولكنه ينسب اليه لأن ممر حامله عليه وفيه يجلى ويسوى فبدخشان له باب ينتشر نمنه في البلاد كما ينسب الهليلج والعود والبرنك الى كابل لأن كابل كان فيما مضى اقرب ثغور الهندالى ارض الاشلام وبها مقر المتلقبين بالشاهية من الاتراك والبراهنة بعدهم فكان كابل ايامئذ كالفرضة المقصودة لجلب تلك السلع منها والا فذلك العود الخالص محمول اليها من سواحل الهند الجنوبية والهليلج من جالهندر وبينهما مسيرة اكثر من شهرين بسير الرفق - والبرنك محمول اليه من نواحى قيرات المصاقبة لحدود كشمير والقندهار - ومعلوم انه لايقوم على النار من انواع اليواقيت غير احمره وان لونى اصفره واكهبه سنسلخان عنها في الحمى لكن احد من يزاول صنعة الحك والجلاء بتلك النواحي اخبر ان هذا الجوهر اللعل يقاوم النار ان احمى بالتديج وتركت البزطقة في الكور الى ان تبرد بالتدريج ايضا فان النار تزيده حسنا وصفاء ولم اشاهد ذلك ولم اتمكن من امتحانه - ومعادن اللعل في بقاع بها قرية تسمى وَرزَقنج على مسيرة ثلاثة ايام من بدخشان بخروخان في مملكة شاهنشاه ومقره شكاسم قريب من تلك المعادن والطريق اليها يتياسر من شكاسم ويمر فيهل بينه وبين شكنان ولهذا استأثر صاحب وخان بغلاوة الجوهر ويجوزه سرا ولايطلق لمستنبطيه حمل شيء عظيم الحجم الى موضع الا بمقدار من الوزن فرضه لهم ورخص في حمله وما زاد عليه فهو له ومحظور عليهم حمله الى غيره - وذكروا في اول ظهور هذا الجوهر ان الجبل هناك انشق وتقطع بزلزلة أرجفت الارض حتى تساقطت الصخور العظام وانقلب الموضع عاليها سافلا وظهر اللعل منه ورأته النساء وظنته صابغا للثياب وسحقته فلم تلون منه شيئا وأرينه رجالهن وانتشر الحديث به وشهر به اصحلب المعادن بأمره فاستنبطوه بالحفر ونسبت المعادن ما اخرج من كل واحد منها نسب اليه كالبلعباسي والسليمانى والرحماني وربما الى ما قاربها من القرى والبقاع كالنيازكى فانها نسبت الى انف جبل هناك سيمى نيازك لا اتصال له بشيء من ذكر النصل
[ ٣٥ ]
وطلب اللعل ينقسم الى قسمين احدهما بحفر المعدن والآخر بتفتيشه لبن الحصى والتراب النهالة من تقطع تلك الجبال بالرجفات وإسالة السيول الى السفوح ويسمى هذا الطلب هناك تاترى واسنتباط المعادن كالخصال في القمار وكاعتساف الهامه خزافا والقفار والتهور في ركوب البحر لادليل لفاعليها معينا على بلوغ المرام غير التفرس وكذلك هؤلاء يبتدؤن في عمله وأكل الجبل كأكل السوس والأرضة على عمياء ليس فيها الالعل وعسى فان طال بهم الامر على ذلك عادوا بالخسران والخيبة وان وصلوا الى حجر ابيض يشابه الرخام في لونه لين منفرك قد احتف به من جانبيه إما حجر الزنود واما حجر آخر يسمونه غدود على وجه تشبيه بغدد اللحم وهو ابيض يضرب قليلا الى الكهوبة استمروا فيه على العمل وكان اول امارات النجاح في العمل والامل وعند ذلك يفضى بهم الى ما يسمونه شرستة وهو جوهر متفرك اذا أخرج انتشر ولم ينتفع به لكنه عندهم من طلائع المقصود ثم يفضى بهم الى الحفر الى شيء غير متفرك بل متماسك يعمل منه خرز مؤاتية للثقب ونسبته الى المطلوب كنسبة الكركند الى الياقوت اعنى بالكمودة والصمم ونزارة الشفاف غير التام فاذا جاوزوه بلغوا موضع الجوهر - ومما يجرى على ألسنتهم في التشبيه ان هذا جزاء الجوهر كملك مشتهر في الممالك بالسخاء مقصود منها بتأميل العطاء والحباء يحتاج الى قطع مسافة مديدة في فلاة عديمة الماء والمرعى يعيا في قطعها الخريت وهي مثال الجبل المحفور فإذا اقتحمها انتهى الى تخوم المملكة فاستبشر الى بالانتهاء الى العمارة كالاستبشار بالحجر الابيض المبشر بالنجاح - واذا اخترق العمران من قرية الى أخرى شابه الشرستة الاولى والبلد كالثانية وقد بلغ قصر الملك المقصود فيه - وهذا اللعل يوجد في وعاء كأنه من ذلك الحجر الابيض كالبلور واسم الوعاء بما فيه مغل ويختلف بالصغر والعظم فيأخذ من كالبندقة الى قدر البطيخة ولم يذكروا منه ما يفضل الى الثلاثة ارطال - واذا كشطت عنه تلك القشرة بدا الجوهر اما قطعة واحدة وذلك عزيز الوجود واما قطاعا مهندمة كهندام حب الرمان في قشره متفاوتة في الحجم الى ان يبلغ في المغل من القطعة الواحدة الى الكثيرة المتشابهة في الصغر الارزن وربما وجد الجوهر غير متغلف ايضا ويختاف لونه في حفائر معادنه فيميل بعضها الى البياض وفي بعض ال سواد وتخلص الحمرة في بعض كالذي في المعدن المعروف بأبي العباس فانه على غاية الحمرة المشبعة - والذي يعرف بالرحمانى فانه اردأها - واجود الجميع هو المعروف بالنيازكي بهرمان عصفري في غاية الصفاء - وفي ايامنا قيمة ما يكون منه وزن درهم عشرة دنانير هروية فان بلغت القطعة من وزن عشرين درهما الى مائة درهم كانت قيمة كل وزن درهم منه عشرين دينارا الى ثلاثين
[ ٣٦ ]
وذكر جوهر يو الامير يمين الدولة انهم شاهدوا منه ما يفضل على وزن المائة درهم - فطابق قولهم ما يحكى عن بعضهم انه عثر على مغل اتزن منا ونصفا وانكشفت جادتها عن قطعة واحدة من فائق النيازكي فخاف ان يقبض عليها وتؤخذ منه فكسرها قطعا وحمل احديها الى يمين الدولة وكان وزنها نيف وتسعين درهما - واهذا يقال في ثمن المغل؟ فربما كان فيه غناء من يجده مدة العمر وكنت اسمع فيما مضى ان اللعل يوجد احيانا في وعائه مائعا سائلا واذا ضربته كيفية الهواء استحجر وصلب هكذا سمعنا ايضا احد من مكث في تلك النواحي وانكره سائر المخبرين وليس انكارهم يفيد يقينا على امتناع ذلك فربما كان ذلك في الندرة ولم يتفق لهم ولا وصل خبره بهم اذ تقرر في باب البلور تحجره بعد الميعان في غاية الرقة - ويوجد من جوهر هذا اللعل بنفسجي واكهب واخضر واصفر وقد شاهت من هذه الالوان شيئا لم يشبع خضرة اخضره شبع المينا الاخضر بل كان بالزجاج اكثر شبها - وذكر الحكاك الذي حكيت عنه ان بعض الكبار بتلك تانواحى احمى الاخضر بمشهده مرات متوالية فما استحال عن لونه ولم تقدح النار فيه قدحة في الزمرد - واكثر ما يوجد هذا الاخضر من التراب والحصى في التفتيش أما اصفره فانه لايصبر على النار ولكنه يتغير - وهذا مضاه لما ذكره الكندى في اكهب الياقوت اذا شابته صفرة ثم انه ليس في رزنق الياقوت الاصفر حتى يكون من اشباهه ولا في ماء اصفر المينا وهذا ارخى انواعه واقبله للتفتت والتناثر ويوجد هذا الاصفر في جميع حفائر المعادن ويكثر وجوده بالقرب من قرية ورزفنج في سفح الجبل قرب الماء وهناك معدن يعرف بناونولون جوهره مشمشي - وأما البنفسجى الضارب الى الكهوبة فيوجد حول المعدن البلعباسي وفوق ذها المعدن معدن يعرف بالشريفي يغلب السواد في جوهره على الحمرة حتى يخفى شفافه حمرته الا اذا اقيم بازاء الشمس بينها وبين البصر - وعلى ظهر الجبل الذى فيه هذا المعدن يوجد البلور على هيئة نبات السكر النباتي ولقد حمل الى منه نوع اكهب فكان كالياقوت الكحلى الناصع - وأما وجود قطعة واحدة بعضها احمر وبعضها اصفر فهو مما يكثر التحدث به وذكر بعض الجوهريين انه يكون منه قطعة واحدة تجمع الاحمر والاصفر والاخضر مختلطة لا بالتماس بين المتميزات ولكن باتحاد المادة واتصال الملونات بتلك الالوان وهي في ذاتها واحدة - وكان نصر بن الحسن بن فيروزان مولعا بجمع الغرائب وخاصة من الحصى والاحجار وذكر ان عنده ياقوت احمر في عرض الكف وطلبه من خوارزم شاه ليراه فاهداه اليه وكان غلظا مقاربا لغلظ الاصبع في عرض يستر الكف اذا أطبق عليه ووجهه محبب كالاترج والعنب المندمج وبطنه مسطح ولونه احمر يضرب قليلا الى الخمرية غير تام الصفاء واخبر انه وجد بأرض الهند ملتحما على حجر وانه امر بحكه بالسنبادج حتى تميز منه ولما لم يقم للمبرد قلنا انه بعض الاشباه - واتفقت لي اعجوبة في غار مشرف على بطحاء متاخمة بقصيا على قرب فرسخين من قرية سالياهة نحو كشمير وفي جباله وذلك اني لمحت على ارض ذلك المغار نصف كرة حمراء في قدر الرمانة الكبيرة زظننتها من مشابه ما وجد نصر بن الحسن وقربت منها وزاولتها فاذا انها نصف كرة من طين قد نبت عليها حبات كحبات الرمان على حمرة تامة رمانية تلمع في وسط كل حبة نواة دقيقة مستطيلة وقدر كل حبة منها كحبتين او ثلاث من حب الرمان السمين متطاولة الخلقة وقد برز اصل كل واحدة الى الطين مثل ما يبرز من حبة الرمان كالخيط وينغرس في شحمه فأخرجت نواها وزرعتها فلم تنجب - وتعجبت من حصول حب على طين من غير توسط شجرة او نبات بينهما - فاما قياس ما بين اللعلوالياقوت الاكهب المتساوى المساحة فهو سبعون وثلث وثمن عند المائة - ولا يزال اللغويون والشعراء يشتقون الاسامى للتفاؤل والتيمن والتشاءم - فقد كتب الحاكم ابو سعد بن دوست النيسابورى الى صديق له عقيب النثر -
ففي الخاتم لاشك على الودين ختمان
فلولا الفأل ما كان قبول المال من شان