هذا إذا رمنا تنسمه من أشعار العرب سمعنا منها قول المخبل السعدى
أعطى بها ثمنا وجاء بها شخت العظام كأنه سهم
بلبانه زيت وأخرجها من ذى غوارب وسطها اللُخم
يقول اشتريت هذه الدرة بثمن وافر من غواص خفيف بدقة عظامه قد جعل الزيت على صدره لتجفيف الشمس والماء المالح اياه وأخرجها من بحر متموج من أعاليها اللخم - وقد قالوا في اللخم - انه ضرب من السمك خبيث له ذنب طويل يضرب به ويسمى جمل البحر - وهذا بما قال فيه الشاعر أليق لانطباق اهوال البحر فيه إلى الخطر في المغاص - قال ابن احمر -
رأى من جريها الغواص هولا هر اكلة وحيتانا ونونا
وأسلم نفسه عضنِدًا عليها وكان بنفسه حينا ضنينا
الهر كل الضخم من كل شيء وعندا غضبان - وقال العجاج -
او كغناثى العوا ذى عظم ذى واسقات تترامى اللخم
[ ٦١ ]
قال الفراء للخم هى الضفادع - وقال أبو العباس العمانى اللخم بالفارسية فيشواز وهو غير مؤذ والمؤذى خرست وهو المعروف بالكوسج - وقالوا في صفة الكوسج انه سبع الماء رأسه كرأس الأسد وأجراؤه في بطنه يلدها من فيه وأسنانه لثنا عشر صفا وأسنان التمساح صفان فقط ويسميه البحريون حزر - وذكر الأجراء دليل على الاذن فالمشهور أن كل صلماء بيوض وكل شرفاء ولود - وقال أبو الحسن البرنجى في كناشه ان الكوسج سمكة سوداء محدبة الظهر غير مفلسة أسنانها كالمنشار إذا عضت انقلبت ودارت دوران الرحى حتى تفصل العضو من الانسان وغيره وإذا كان اللخم غير مؤذ لم يفد ذكره في الشعر - وحديث الزيت يتكرر في شعرهم على وجوه - قال المتلمس وقيل المسيب خال الاعشى -
كجمانة البحري جاء بها غواصها من لجة البحر
اشغى يمج الزيت ملتمس ظمآن ملتهف من الفقر
قتلت أباه فقال أتبعه أو أستفيد رغيبة الدهر
نصف النهار الماء غامره ورفيقه بالغيب لا يدرى
فأصاب منيته وجاء بها صدفية كمضيئة الجمر
يعطَى بها ثمنا فيمنعها ويقول صاحبه ألا تشري
قال الأصمعي الأشغى الأفواه الذي انتشرت أسنانه - ثم قال هو أبو عبيد القاسم ابن سلام انه يصف غواصا يمسك الزيت في فيه فإذا غاص نفخه في الماء فاضاء له البحر حتى يبصر - وعلى مثله جرى القطامى يصف الغوص والغواص فقال -
او درة من هجان الدر أدركها مصفَّر من رجال الهند قد سهما
أو في على ظهر مسحاج يقدّ به غوارب الماء قد ألفينه قُدُما
جوفاء مطلية قارا إذا جَمحت بها غواربه قَحّمنها قُحَما
حتى إذا السفن كانت فَوق معتلج ألفي المعاوز عنه ثَمتّ انكتما
في ذى جلول يقضى الموت صاحبه إذا الصوارى من أهواله ارتسما
غَّواصُ ماء يمج الزيتَ منغمسا إذا الغُمورة كانت فوقه قِيما
حتى تناولها والموت كاربه في جوف ساج سوادِىّ إذا قُخِما
[ ٦٢ ]
ليس هذا مما تعرفه الغاصة الآن وهم يبصرون في ماء البحر ويفتحون أجفانهم ولا تضر الملوحة باحداقهم ثم انه ليس الزيت في ذاته ضوءا - وإما قوله تعاى، (يكادُ زيتُها يُضئ (ولو لم تمسسه نار) فعلى المبالغة في صفته بالصفاء والنقاء فالمنحرف عنهم إلى الأخبار المسموعة من ألسن قد شاهدوا ومارسوا - قال نصر في كتابه، ذكر الجوهريون أن من أراد تعلم الغوص يقدم بحشو أذنيه على غاية الأحكام حتى تتعفن وتتدود وينفتح له إلى الحلق طريق يتنفس منه تنفسا ضعيفا داخل الماء - وكأنه سقط من النسخة مائية الحشو واظن أن العفونة والتدود يكون فيه او منه - وذكر الكندي ذلك على صورة اخرى وهو ان يحبس نفسه في بدء التعلم فيرم لذلك اصل اذنه ويجتمع فيه الدم والمدة ثم يتفجر إلى حلقه وينخرق ما بينهما خرقين إذا اندملا خرج بهما النفس خروجا ضعيفا معينا على الزيادة في اللبث وإمساك النفس في الأكثر من ربع ساعة - والاشتراك بين الأذن والفم في العلل وعلاجها معروف كاشتراك الصوت والسمع في الفهم والتفهيم والتنفس ينقسم إلى جذب وارسال في حاجة القلب في الترويح وذتكية الحرارة الغريزة هو إلى ما يدخل من الهواء البارد دون الذى تخرج من الحار فانه بمنزلة نفض الفضول التى لايحتاج إليها بل لاخراج ضرورى فيما أليه الحاجة مما لم يخرج من الأحشاء ما فيها من الهواء لم يمكن الاستبدال بغيره فهب انه ينفس بذينك الخرقين فليس الا احد قسميه الذى هو الأخراج الذي لا يغنى عن القلب بل يزيده اختناقا إذا لم يدخل بدله ما يتشوق أليه والذي يخرج بالخرقين إلى الماء هو هواء محالة انه ينزع على وجه الماء والقسم الثانى من التنفس من أين وليس هناك هواء - فان كان من الماء فهو معين على الإتلاف قياسا على الغريق الذي لا ينفعه برد الماء مع عدم الترديد وأظن هذا الخبر من أساطير الحمقى وتسوق الغواصين على تجارهم حتى تواتر ذلك فاشتغل هذين الفاضلين بتوجيه وجوه له بعد تصديقه - وقال نصر ووافقه أكثرهم من شاهد ثم أخبر ان الغائض إذا اراد الغوص انتظر الظهيرة وتكبد الشمس السماء ليضئ البحر ويظهر له ما فيه ثم يجبل البصر حتى يقع على المحار الكبير كأنه حجر مسطح ويراه من فوق الماء اعظم من مقداره كحبة العنبة الصغيرة فأنها ترى في الماء الصافي كالاجاصة الكبيرة فتكون المحارة في مرآه كالجرة الكبيرة ويركب خشبة معقفة من خشب الدوم قد شد في أحد طرفيه بحبل في حجر اسود من خمسة وعشرين منا إلى ثلاثين منا ثم حرك مركبه ذلك مما يشبه المجدف إلى ان يحاذى الصدف الذى رأى ثم ينبح ويعوى ويصيح لتتفرق الحيوانات المؤذية من حول الصدف وتهرب ويحشو منخريه بقطعتى عاج او خشب السرو فانه لا ينفتح في الماء ويتزر بفوطة ويعمل في عنقه مخلاة من قنب على نسج الشباك ليجعل فيه ما جناه من الأصداف ثم يضع رجليه على الحجر ويتعلق بالرسن فيتعاونا على الرسوب وعلى هذا الرسن يصعد أيضا ثم يمتح الحجران إلى البقيرة ويذهب إلى الساحل - وإنما يختار الأسود لان في البحر حيوانا يخافه الغاصة فانه إذا مر بهم قطعهما فمتى كان هذا الحجر اسود هرب هذا الحيوان منه وان كان ابيض أو لونا آخر ظنه مطعوما فقصده للصيد وربما حذبه فقلب البقيرة وأتلفها شدة الجذب وإذا رآه الغواص ترك حجره واسرع في الصعود إلى وجه الماء ناجيا بنفسه ويسبح إلى الساحل وصاح صيحة واحدة عالية في التنفس لمكثه عادمه ثم يتدثر نعما ويبقى كذلك ساعة صالحة إلى ان يعرق ثم يقوم ويعود إلى عمله ولا يمكنه ذلك من الضحوة إلى الظهيرة اكثر من ثلاث مرات او اربع وهو على الريق - فإذا فرغ من العمل اشتغل بالطعام والصدف في الخمود تفتح افواهها وتطبقها إلى ان تموت مع الفراغ من اكله فياخذ في شقها وتفتيشها فان شق الحى منها يعسر لقبضه الدفتين وضمها بقوة - ويأخذ ما يجد فيها ان كان يعمل لنفسه أو يسلمه إلى امين التاجر ان كان اجيرا وما بقى من الصدف فهو له فإذا لم يجد في مهبطه صدفا خلى عن رسنه وتباعد حوله قدر رمية سهم يملأ مخلاته بما يجده ويعزله وربما التقى على الصدفة غواصان فتنازعاها واستولى عليها الاقوى القاهر - وإذا لم يجد صدفا اخذ حيوان الأظفار وهو كالمعي في كل واحد من طرفيه كوة فيها ظفران من اظفار الطيب - وذكر الكندي في جملة ما انه يقمش إذا لم يجد صدفا الشبيه بالشعر الذي يعمل منه اسورة الأكراد يسمى شعر
[ ٦٣ ]
الحروبة وهو نبات في القعر ولم احط بالشبيه والمشبه به - وإما المستأجرون فيركبون الزورق مع أمين التاجر ويكونون ستة او أثنى عشر فإذا غاص الواحد حفظ الزوج وهو الرفيق رسنه ويتوفر الأجر عليهم كل يوم جمعة - ولم يبعد نصر عما في كتاب الكندي والخلاف بين كلامهما أن الكندي ذكر بدل بقيرة الدوم رميثا من خشبات المقل مشدودة يجعل فيها كساه شراعا وذكر انه بوقفه بادلاء حجر يقوم مقام الانجر للمركب وصعوده يكون بالتحريك وهذا ذلن ماء البحر غليظ يسهل فيه الطفو - الا ترى ان بحيرة زُغَر لما تناهت في المرارة لايرسب في مائه من دخله وقال في سد الانف انه بملزام من قرن او من ذبل او عاج كالمشقاط يلزم انفه - ومن حدث من الشاهين يزعم انه شعبتان من قرن يدخل الانف بينهما فينضمان عليه ويعصران منخريه حتى لا يدخلهما ماء - وقال في المستأجرين انهم يكونون في الزورق من ستة نفر إلى أثنى عشر وأظن هذا بسبب سعة الزورق لاغير - وذكر في الحيوانات الضارة ما يبلع الغائص وما يقطعه بنصفين وهو القرش وجرها الرميث يكون عند ابتلاع الحجر إذا لم يكن اسود وربما قطع الحبل بأسنانه فلم يقلب الرميث - وذكر في تصويت الغائص ونباحه وبما يكون في جوف الماء وما أظن ذلك ممكنا في فم ليس له وجه غير الانطباق والصوت لا يتم الا بفتحه وخروج الهواء ولا يخرج إلا بدخول بدله من الماء ولو أمكنه فتح الفم لما صرخ عند بروزه بشوقه إلى استنشاق الهواء وهذا من قوله اشد استحالة من التنفس بأصول الأذان - وقال من كان أمين بعض التجار في الزوارق ان الصدف المخرج يجعل في خزانة حتى يموت حيوانه ويعفن فيسهل إخراج ما فيه ثم يحتال بعد ذلك في ازاله نتن التعفين عنه بما يضاده وصغار اللإلئ تكون في الأمعاء فلا تحوج إلى التعفين - ومن عاف هذا شق عن الصدف ساعة إخراجه بعد ان يموت فان الحي يضم الدفتين فيعسر فتحهما - وقال عنترة - حروبة وهو نبات في القعر ولم احط بالشبيه والمشبه به - وإما المستأجرون فيركبون الزورق مع أمين التاجر ويكونون ستة او أثنى عشر فإذا غاص الواحد حفظ الزوج وهو الرفيق رسنه ويتوفر الأجر عليهم كل يوم جمعة - ولم يبعد نصر عما في كتاب الكندي والخلاف بين كلامهما أن الكندي ذكر بدل بقيرة الدوم رميثا من خشبات المقل مشدودة يجعل فيها كساه شراعا وذكر انه بوقفه بادلاء حجر يقوم مقام الانجر للمركب وصعوده يكون بالتحريك وهذا ذلن ماء البحر غليظ يسهل فيه الطفو - الا ترى ان بحيرة زُغَر لما تناهت في المرارة لايرسب في مائه من دخله وقال في سد الانف انه بملزام من قرن او من ذبل او عاج كالمشقاط يلزم انفه - ومن حدث من الشاهين يزعم انه شعبتان من قرن يدخل الانف بينهما فينضمان عليه ويعصران منخريه حتى لا يدخلهما ماء - وقال في المستأجرين انهم يكونون في الزورق من ستة نفر إلى أثنى عشر وأظن هذا بسبب سعة الزورق لاغير - وذكر في الحيوانات الضارة ما يبلع الغائص وما يقطعه بنصفين وهو القرش وجرها الرميث يكون عند ابتلاع الحجر إذا لم يكن اسود وربما قطع الحبل بأسنانه فلم يقلب الرميث - وذكر في تصويت الغائص ونباحه وبما يكون في جوف الماء وما أظن ذلك ممكنا في فم ليس له وجه غير الانطباق والصوت لا يتم الا بفتحه وخروج الهواء ولا يخرج إلا بدخول بدله من الماء ولو أمكنه فتح الفم لما صرخ عند بروزه بشوقه إلى استنشاق الهواء وهذا من قوله اشد استحالة من التنفس بأصول الأذان - وقال من كان أمين بعض التجار في الزوارق ان الصدف المخرج يجعل في خزانة حتى يموت حيوانه ويعفن فيسهل إخراج ما فيه ثم يحتال بعد ذلك في ازاله نتن التعفين عنه بما يضاده وصغار اللإلئ تكون في الأمعاء فلا تحوج إلى التعفين - ومن عاف هذا شق عن الصدف ساعة إخراجه بعد ان يموت فان الحي يضم الدفتين فيعسر فتحهما - وقال عنترة -
اذهى كدرة غواص أطاف بها صهب السبال جلوها يوم تشريق
فالغواص التاجر وصهب السبال الأجرا لأنهم من العجم والتشريق تشريح الصدف - وذكر قيس بن الخطيم من الصدف وتنقيتها من اللحم فقال في قوله -
كأنها درّة أحاط بها الغواص يجلى من وجهها الصدف
[ ٦٤ ]
واخبرني أحد أهل بغداد أن الغواصين قد استحدثوا في هذه الأيام للغوص طريقا زالت به مسقة إمساك النفس وتمكنوا من التردد في البحر من الضحوة إلى العصر وما شاؤا وبحسب محبة المكرى اياهم وتوفره عليهم وهى آلة من جلود يدخلونها إلى اسفل صدورهم ثم يشدونها عند الشراسيف شدا وثيقا ثم يغوصون ويتنفسون فيها من الهواء الذى داخلها ولابد في هذا من ثقل عظيم يجذبه مع ذلك الهواء إلى اسفل ويمسكه في القرار واصرف منه أن يوصل باعالى تلك الآلة بازاء الهامة بربخ من جلد على هيئة الكم مستوثق من دروزه بالشمع والقير وطوله بقدر عمق ما يغوص فيه ويوصل رأس البربخ بجفنة واسعة من ثقبة في أسفلها ويعلق في حافتها زق او زقاق منفوخة يدوم بها طفوها فيجرى نفسه في تجويف البربخ جذبا وأرسالا ما شاء مدة اللبث في الماء ولو ايإما - ويكون الثقل الراسب به اقل مقدارا لحصول الطريق للهواء ينحصر به والله اعلم -