قد قيل في المرجان انه بلغة اهل اليمن مأخوذ من مرجت اي خلطت لأنه حب من الجوهر مختلطة وهذه علة لا تفصل الدر من المرجان والعرف العامى فيه هو البسذ الذى هو نبات بحرى - وليس لمن مال الى ذلك شاهد غير العادة وتخريج بعسد وخيالات من الاقاويل مثل ما في كتاب اويباسيوس ان المسك ينفع من الهم والفزع والحزن واوجاع القلب اذا كان معه لؤلؤ غير مثقوب ومرجان وافيون وعسل وزعفران - وربما كان صاحب الكتاب ذكر البسذ في لغته ثم جرى المتوهم على رسم العامة فعبر عنه بالمرجان - والمرجان هو صغار اللآلئ ثم يجيء في الشعر ما يشهد له ويجيء فيه ما يشهد عليه وفى تردد بعضها على المسامع نزهة وجلاء للاذهان - قال أبو العلاء السروى -
واسمطرت احداقنا فتبادرت فى جريها بدم ودمع سابق
كالدر والمرجان ينظم دائما في العقد بين قلائد ومخانق
فإذا قام الدر والمرجان بازاء الدمع والدم غشى المعنى بشبه من البسذ وربما أراد أبو العلاء التتالى والاتصال دون الالوان - قال عبد الملك الحارثى -
وفصلن مرجانا بدرّ كأنما تخلل فى أجيادها البّرد الجمرا
وهذا المرجان ان حمل على صغار اللآلئ لم يستقم لأن صغار اللؤلؤ لايفصل بكباره وان فعل لم يحمد ولم يمدح اذ الصغار رذالة والاقتصار عليها من عوز الكبار فانهانما يفصل لبكبار بصغاره يشتمل البصر على المفصول - وقال الصنوبرى -
كأن أشجاره قد ألبست حللا خضرا وقد كللت دررا ومرجانا
فالزهر الأبيض لا يخلص عن حمرة يتقمع به او يتوسط النور فيميل الرأى في المرجان هاهنا الى البسذ - وقال أبو حية -
إذا هن ساقطن الحديث للفتى سقوط حصى المرجان من كف ناظم
[ ٥٩ ]
فالبسذ هو متحجر فهو من الحصى واللؤلؤ عظيم لاحجر - ولقد يجوز ان يسمى اللءلء حصاة لقرب الجوار اذ كان قرناؤه من الاحجار ولأن اجناس الزينة من المعدنيات اكثر على ان اللؤلؤ والصدف متجانسان والصدف وامثاله يسمى في الكتب خزفا وهو حجر صناعى رذل - قال أبو نواس -
يا لؤلؤا يتلالأ في حمرة العقيان
وقوله
ومكلل بالدر والمرجان كالورد بين شقائق النعمان
فيظن ان الدرة البيضاء مزينة في النظم بين الاحمرين اعنى الياقوت والبسذ وهو نظم متفاوت خسيس وانما صغار اللآلئ فيما بين كل درة والياقوتتين المحتفتين فاصلة بينهما متباعدة فتتلألأ في صقالتها حمرة الياقوت وتشابه حمرة العقيان - وقال ذو الرمة -
كأن عرى المرجان منها تعلقت على ام خشف من ظباء المشافر
وليس يعمل اللؤلؤ عرى فضلا لصغاره وانما يثقب البسذ على عرضه فيخيا انه معلق بعروة - بل ربما لم يكن مثقوبا فعمل من فضة او ذهب قميعه وعروة - ومما ينص في المرجان انه لؤلؤ لابسذ قول الأخطل -
كأنما القطر مرجان يساقطه اذا علا الروق والمتنين والكفلا
وواجب أن نعدل الى ذكر البحار فإنها أماكن الدر والمرجان وبالاحاطة يزداد بما نحن فيه وضوحا -