أما معدنه بالصين فخبر مجهول من كتاب منحول وليس بمسنكر تشاؤم امة بشيء لأسباب بعدان يصح الخبر به - وأما ما ذكر فيه من تبابعة اليمن فلوحق لما عد المرقش الجزع فى جملة ما يتحلى به ويتزين فى قوله -
تحلين ياقوتا وشذرا وصبغة وجزعا ظفاربا ودرا توائما
وقال عبيد الله قيس الرقيات -
حييت عنا ام ذى الودع والطوق والخرزات والجزع
[ ٧٥ ]
وقال آخر -
والنيل يجرى فوق رضر اض من الجزع الضفارى
وهما عنيا الجزع اليماني وأضافاه إلى ضفار بلدة باليمن كانت التبابعة تنزلها - وكان قد وفد على بعضهم وافد وهو مستشرف فاشار عليه بالجلوس وقال له بالحميرية، ثب اي اقعد - فظن الأامور انه يأمره بالوثوب ففعل وتردى إلى اسفل فهلك - وعند ذلك قيل، من دخل ظفار حمر بل لو قيل من ملك ظفار فتفنن فخاطب كل أنسان بما بعرف كان أصوب - وكان أحد ملوك حمير مقعدا مسقاما يلزم الفراش فلقب من هذه اللفظة موثبان وقيل في توائم ان معناه الازدواج اثنين أثنين لان الدر لا يروق إلا مزدوجا ويجوزان ان يكون مهناه بالتشابه بالتساوي حتى لا يتقارب في العظم والصغر وسائر الأحوال - إلا ترى أن الأولى والثانية إذا تساويا ثم ساوت الثانية الثالثة وكذلك إلى آخرها تكون متساوية - ولو كان ما حكى من تشاؤم ملوك اليمن صدقا لازداد على طول الأيام ولاشتهر في العوام فتأسوا بهم وتخلقوا بأخلاقهم ونحن نرى شعرائهم يصفون الجزع فلا يتحرجون عن ذكره ولا يتطيرون به - وهذا امرؤ القيس من أبناء ملوك كندة يقول -
كأن عيون الوحش حول بيوتنا وارحلنا الجزع الذي لم يثقب
قد شبه عيون الوحش فى ظهور بياضها المحدق بسوادها الذي لا يبدو من أعينها إلا بتقليب مقلها وانقلابها بالنزع أو الموت بالجزع لا يغادر منها شيئا سوى الثقب فان المقل ليست بمثقوبة - وقيل، أن الذي يعمل الخرز منه فهو أرداه وأميله إلى السواد وإذا عمل منه يثقب فيه فكأنه يشير من النوعين إلى أشرفهما - ويجوز ان يكون معناه أن عيون الوحش المشابهة للجزع ليست تنتظم فى القلائد وإنما تقع باتفاق متفرقة كالخرز التى لم ينظمها سلك لعدم الثقب وقال أبو احمد العسكرى، إلايغال فى الشعر أن يأتي الشاعر بمعنى ويستوفيها قبل بلوغ القافية تم يعطف عليه فى القافية فيزيدها في تجويده كعطفه فى قوله، الذي لم يثقب - فانه أراد في قول المعنى الكامل قبله حسنا كصفاء الجزع غير المثقوب - وقال أيضا -
وأوفى لنا موفى فجاء مبشرا يقول إلا أطعمتم خير مطعم
رأيت ثلاثا راتعين بقفرة فرائد كالجزع الذي لم ينظم
وقد عبر عن ذلك البياض حول السواد بعضهم في قوله:
لنا قيمة ترنو بناظرتين كدرات جزع فوق لؤلؤتين
إلا انه أضاف بياض الملتحم إلى اللؤلؤتين فكانت زرقا فاكتفى فيها من الجزع بسواد ثقبة أنسان وما بقى من الحدقة فلسواد الجزع - بل قال الصنوبرى وهو يغزل بمعشوقه:
الجزع والياقوت والدر عيناك والخدان والثغر
وقال لبيد في أخيه اربد:
وكان إمامنا ولنا نظاما وكان الجزع يحفظ بالنظام
وقال الفرزدق:
وفينا من المعزى تلاد كأنها ظفارية الجزع الذي فى الترائب
وقال امرؤ القيس:
فأدبرن كالجزع المفصل بينه بجيد مهمم فى العشيرة مخول
يعنى جيد صبى مترف ذى أولياء وان كان يتيما والمفصل بفواصل من غير جنسها وكأنها في البقر أولادها فيما بينهم - وقال عبد عمرو الطائي:
فأدبرن كالجزع المفصل بينه بجيد الغلام ذى الجديل المطوق
وقال أبو الطمحان:
أضاءت لهم احسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
[ ٧٦ ]
قالوا فيه أن الجزع مؤلف من خطوط بيض وسود متصلة فيه فبيضها والنهار يتعأونان على تغييبه عن إلابصار وسودها والليل يتظافران على أخفائه عن الأعين وهذا قول يكادان لايكون له محصول إلا غيبة الجزع عن الأدراك بالليل والنهار لكنه مدرم بالنهار فلا فائدة فيما ذكروه - وإنما قصد ظلام الليل فان النظم فيه يمتنع أو يعتذر فإذا أضاء نور القمر بازدياده على نصفه زالت تلك العسرة - ويدل عليه قول ساجع العرب، فى ليلة سبع ناظم جزع - يشير به إلى قوة النور حتى يبصر فيه الثقبة للتنظيم - وقد ذكرنا حديث الأرنب - وكان معي لوح جزع أملس الوجه معوج الخطوط وعليه منها صورة بطة عديمة الرجلين كأنها تسبح في الماء أو تحضن البيض بالجلوس عليه لم يكد احد ينكر من صورتها شيئا على مثل ما يصور النقاش الماهر - وحكى لى احد الصناع الخوارزميين أن له في وطنه كعبة من جزع اصله بياض اللون وقد أحاط به سائر الألوان فاجتهد من تولى نحتها حتى وفق بين أسوده وشعر الرأس والحاجبين وبين الحمرة وبين الشفتين وعلى هذا القياس سائر أعضائها وذلك مسموع لم أره ولا أتعجب فيه من اجتهاد الصانع وإنما استبعد اتفاق ذلك له فقد يحكى ما يشبهه فى صفة شبديز ولم اتحققه - وجزعة الكعبة حبشية وان اشتهرت باليمانية فإنها سوداء مخططة ببياض مدورة الشكل فى قدر قطر شبر وهي منصوبة للحائط المقابل لبابها على ارتفاع ثلاثة أشبار من أرضها وكان وجدها يعرف بالنعمان في ساحل جزيرة يحيط بها عدة فراسخ وتشتمل على مزارع ونخيل وحدائق وسعة من المصائد وسائر المرافق واتصل خبرها بالوليد بن عبد الملك فاشخص النعمان اليه وطلبها بثمن واف قيل فبه انه ازيد من الف دينار فأبى إلا أن يعوض منها الجزيرة التى وجدها بها فأقطعها أياه وانفذ الجزعة إلى الكعبة وبقيت الجزيرة للنعمان وعقبه عرفت باسمه مرسى النعمان - وقيل ان سعيد بن حميد أهدى إلى المأمون يوم المهرجان خوانا من جزع معه ميل من ذهب مقدار قطره وكتب؟ قد اهديت إلى امير المؤمنين خوان جزع ميلا في ميل - وحكى لى احد معارفى انه رأى ببخار أنصاب سكين في عرض أصبع ونصف قد نصفته الألوان على طوله وكان احد النصفين جزعا بقرانيا والأخر اخضر مشفا لم يشك في انه زمرد لولا صلابته وان النار كانت تنقدح به - قال إسمعيل بن إبراهيم انه يحمل من بلاد التبت إلى الصين حجارة كالجزع وليس كالجزع لها ألوان حسان ونقوش عجيبة وتشترى منها بثمن وافر وتركب في المناطق وحلي الدواب - والله الموفق -