حجر البلور هو المها منصوب الميم ومكسورها - قالوا؟ اصله من الماء لصفائه ومشابهة زلاله واصل الماء موه لقولهم في جمع الجمع الذي هو مياه أسواه ومنه موهت الشيء إذا جعلت الشيء له ماء ورونقا ليس له إذا سقاه ماء وحدده قال امرؤ القيس
رأسه من ريش ناهضة ثم امهاه على حجره
وقيل في المها انه مركب من الماء والهواء أصلى الحياة لأنه يشبه كل واحد منهما في عدم اللون - قال البحتري
يخفى الزجاجة لونها فكأنها فى الكأس قائمة بغير إناء
وقال الصاحب
رق الزجاجة ورقت الحمر فتشابها وتقارب إلامر
وكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر
وقال أبو الفضل الشكرى
والراح فوق الراح كالمصباح في فرط شعاع والتهاب وضياء
يحسبها الناظر لاتحادها بكأسها قائمة بلا إناء
وقال ابن المعتز
غدابتها صفراء كرخية كأنها في كأس تتقد
فتحسب الماء زجاجا جرى وتحسب إلاقداح ماء جمد
وقال آخر -
مشمولة بشعاع الشمس في قدح مثل الشراب يرى من رقة شبحا
إذا تعاطيتها لن تدر من لطف راح بلا قدح عاطاك أم قدحا
[ ٧٧ ]
وأما المهو فهو حجر ابيض يعرف ببصاق القمر وبراقه ويشمى بالرومية افرو سالينوس أي زبد القمر فان القمر هو سالينى - وذكر ديسقوريدس ما قلنا وانه حجر يوجد فى ارض العرب فى زيادة القمر ابيض شفاف فلئن لم يكن مستنيرا يلمع بالليل كالنار ولم يخط بغير البياض ان النهار بوجوده أولى - وكان الأمير الشهيد مسعود ﵁ أتحفني بطرائف منها حجر منعجن من حصى سود في قدر العدس قد تحجر بعد العجانة بها وأشار إلى موضعه نحو حول قلعة نائن بقرب غزنة وان وجوده يكون في الليالي التي تسود أوائلها يعنى النصف الأخير من الشهر - وسألت احد الهنود المرتبين فى تلك القلعة عنه فأشار إلى مثله من وجوده تلك الليالي وان هنود الشرق يحملونه إلى بيوت أصنامهم - فلما أنعمت الفحص أومى إلى استعماله في الكيمياء على أنه يتردد في ألسنة الهنود ذكر حجر القمر على ما تقدمت الحكاية عنهم وليس بالذي وصفه يحيى النحوي من الضارب اللون إلى لون العسل المتوسط إياه وببياض شبيه باستدارة القمر زائد بزيادة نوره ناقص بنقصانه مستخف فى المحاق مستنير فى اليوم الثالث - وقال قوم فى حجر القمر انه الجزع وان ما فيه من البياض يزداد في زيادة القمر ولذلك نسب إليه والأمر فيه وفى مثله موكول إلى التجربة - فأما الذي ذكره يحيى فلا - والبلور انفس الجواهر التي يعمل منها الأواني لولا تبذله بالكثرة ويسميه أهل الهند بتك وفيه فضل صلابة يقطع بها كثير من الجواهر ويقوم لأجلها مقام فولاذ الحديد حتى تنقدح منه النار إذا ضربت قطاعه بعضها ببعض وشرفه بالصفاء ومماثلة أصلى الحياة من الهواء والماء - قال الله تعالى (بيضاء لذة للشاربين، لا فيها غَول ولا هم عنها يُنزَفون) لأن لذة الشارب منغصة بتوابعه فإذا أمن معاد حاضره والخمار في عاقبته توافت اللذة وتكاملت الطبيعة - والبيضاء صفة الوعاء لا الشراب اذ لايحمد منه ذلك فى العادة - والمراد بهذا البياض التعري عن الألوان كالبلور الأبيض اليقق اللبني فان هذا البياض مع السواد متقابلان على التضاد ولن يشف ولا واحد منهما - فاما الألوان المتوسطة بين الجدد البيض والغرابيب السود فحامل كل واحد منهما يحتمل الشفاف كاحتماله الصمم والتعقد إلا إذا لاصق أحد الطرفين كالدكنة والفيروزجية في شيء - وعلى هذا النهج وصفهم الأبيض النقي بالفضة ولا بمعنى الشفاف فليست الفضة منه فى شيء - وعليه قوله تعالى (قواريرَ من فِضَّة) والعرب هم أول المخاطبين بالقرآن فالخطاب معهم على عرفهم قياسة بالنحل فانهم لما رأوه يرتعي وبالارتعاء يمتلئ البطن بالمأكول وليس له خروج إلا بأحد المنفذين إلاعلى وإلاسفل تصورا من العسل انه من غذائه باخراجه من البطن بكلى المنفذين - قال الشاعر (وهو الطرماح) -
إذا ما تأرَت بالخلىّ بَنتْ به سريجين مما تأترى وتتبع
فخوطبوا بمثله من خروج الشراب من بطنه للاتصال وقرب الجوار اذ الفم مدخل إلى البطن وهو بخرطومه يجتنى من أوساط الزهر ما فيها من امثال الكحل دقة ونعمة وينقله بيده من خرطومه إلى فخذيه ويحمله إلى الكوارة ويعمل العسل ويملأ به بيوت فراخه طعاما لها وزادا لنفسه عند انقطاع الأنوار والثمار التي يطعمها ويدخرها - وأما ما يبرز من أثقالها بالمنفذ الأسفل فأنتن شيء في الدنيا وهى تحفظ من أذيته خلاياها لنزاهتها ونظافتها وحرصها ما أرجت رائحته وطابت مذاقه
[ ٧٨ ]
والبلور على أنواع الجزع بالقياس إلى القطب لا يخالفه ويجلب من جزائر الزنج والدبيجات إلى البصرة ويتخذ بها منه الأواني وغيرها وفى موضع العمل هناك مقدر يوضع عنده القطع الكبار والصغار فيرى فيها ويهندس احسن ما يمكن أن يعمل منها وأوفقه للنحت ويكتب على كل واحد منها ثمل تحمل إلى سائر الصناع فيعملون بقوله ويأخذ من الأجرة أضعاف أجورهم بكنه الفرق بين العلم والعمل - هذا البلور يكون في رقة الهواء وصفاء الماء فان اتفق فيه موصع منعقد ناقص الشفاف بغيم أو ثقب اخفى بنقش ناتئ أو كتابة بحسب اللباقة فى الصناعة والاقتدار على التقدير - فان فشا فيه هذا التعقد حتى أبطل شفافه سمى ريم بلور أى وسخه - ويجلب من كشمير بلور إما قطاع غير منحوتة واما منحوت منها أوان وأقداح وتماثيل الشطرنج وكلاب النرد وخرز بقدر البندق لكنه يتخلف من حسن الزنجي في الصفاء والنقاء ولا صنيعهم لها في لطافة صنعة أهل البصرة - ويوجد فى الجبال منه قطاع وتكثر في حدود وخان وبدخشان ولكنها لا تقصد للجلب - قال الكندي - أجود البلور الأعرابي يلقط من براريهم من بين حصاها وقد غشى بغشاء رقيق عكر ويوجد منه ما يوازن الرطلين كما يلقط أيضا بسرنديب وهو دون الأعرابي في الصفاء - ومنه ما يخرج من بطن الأرض فان كان في ارض العرب كان أجود - قال - ورأيت منه قطعة زادت على مائتي رطل وإنما كانت كثيرة الغيم والثقوب - وله معدن بأرمينية وآخر ببدْ ليس من تخومها يضرب لونه إلى الصفرة - وأما نصر فانه قسمه إلى أربعة أنواع أولها الأعرابي وقد وصفها بصفات الكندي إياه وزاد عليه إن ضياء الشمس إذا وقع عليه رؤى منه ألوان قوس قزح - وكان واجبا عليه ان يشترط فان ذلك فى المنكسر دون المجرود وذلك انه مشابه للجمد وفى مكاسرة المضطربة ترى هذه الألوان أيضا - والثاني يسمى على وجه التشبيه غيميا - والثالث السرنديبى قريب من الأعرابي مخلف الصفاء عنه والرابع مستنبط من بطن إلارض وهو يفوق الأعرابى - قال - ومنه لون أصابته رائحة النار والدخان وهو أرداه - وفى كتاب الأحجار ان البلور صنف من الزجاج يصاب في معدنه مجتمع الجسم وان الزجاج يصاب متفرق الجسم فيجتمع بالمغنيسيا - وتبعه قوم وقالوا في كتبهم ان البلور نوع من الزجاج معدني والزجاج نوع من الزجاج صناعي - وقال حمزة - البلور مناسب الزجاج في بعض الجهات ولم يبن عنه وكأنه عنى الشفاف والنَمّ بما فى جوفه فانهما متباينان بالإذابة لانقياد الزجاج لها وامتناع البلور عنها على ما نذكر فانى لم أشاهدها ولم امتحنها فيها وقال بعضهم فى البلور - انه ماء جامد منعقد وبهذا اقول كما سأذكر - وبسبب مشابهته للماء الصافي شبه حجارة الماء ونفاخاته - وقال ابن المعتز -
أما رأيت حباب الماء حين بدا كأنه قحف بلور إذا انقلبا
وقال العوفى -
كأنما القطر على مياهها إذا انتشى يطلع من حيث هبط
باب در حولها وصائف في رفعهن يرتمين باللّيط
والنفاخات إذا كانت من در لم يشف ولم ير ما فيها ولا ما وراءها وأما تشبيهها بالبلور فهو المستحسن - قال أبو الحسن الموصلى -
كأن حباب الماء فيها غُدَيّة قوارير بلّور لدينا تّدهدّه
وقال -
وينداح فوق الماء قطر مدور كما طلعت فى وجه السجنجل تنكه
والعجب ما تفق في البلور من الأشكال خلقه - فقد ذكر الحكاك المذكور انه وجد خلال الحصى من التفتيش بناحية ورزفنج معدن اللعل كاعلام النرد وبياذق الشطرنج مثمنة ومسدسة كالمنحوتة بالصناعة - قال الصنوبرى فى بركة -
والسحب ينظمن فوقها سبحا نظام مَعنيّة بسبحتها
فواقع قد عدت بياذق الش طرنج صفوفا في وسط رقعتها
والرسم في بياذق الشطرنج ان تكون مسدسة النحت وفى كلاب النرد أن تكون مدورة الخرط ثم اصطفافها يكون في حاشية الرقعة المعرضة فان اتفق في وسطها فهو بارد عجيب -