وأما ما ذكر في اللؤلؤ من الرطوبة فان معناه ماء الرونق والبهاء ونعمة البشرة وتمام النقاء لأن الرطوبة فضل يقوم لذات الماء فهي تنوب عنه في الذكر وليس يعنى بها نقيض اليبوسة حتى يتعجب منها كما تذكر الفرس في الذهب المستشار وانشد أبو القاسم الامدى لأبي تمام -
مفصلة باللؤلؤ المنتقى لها من الشعر الا انها لؤلؤ رطب
قال، عنى به المحدث وهذا من اختراعه ولم يخرجه مخرج المدح والرضى - فان فضل ميله الى البحترى على الأنحاء بأبي تمام مع ادعائه الأنصاف بينهما في كتاب الموازنة بين شعريهما - فان كان ابو تمام اخترعه فقد اتبعه الكافة فلهجوا بذكره ولم يصابروا عنه - وكل محدث فتى في جنسه من حيوان او غصن او نبات فانه لامحالة انعم وارطب بسبب استعداده لقبول النماء فان كان اللؤلؤ في الصدف ناميا فله من تلك الرطوبة حظ وان نزر فليس يعنى غير مائه وبهائه وان كان اصلب أصلب من الحجارة والحديد - وكذلك عاب قوله في اللؤلؤ المنتقى وقال، ان المنتقى من الشعر لايكون الا مسر وقا وقبيح فاحش بالشاعر ان يعترف بالسرقة - وكان أبو القاسم عرف هذه السرقة بالكهانة أو الطالع والعيافة فلست ارى لها في البيت اثرا وما على الرجل اذا قال في قصيدته انها مفصلة لؤلؤ من الشعر ذى ماء ورونق مختارا بسمطها منقح من العيوب نهذب عن المقادح قد اكددت خاطرى في انتقادها كما قال ابن الرقاع -
وقصيدة قد بتُّ أجمع بينها حتى اقوم ميلها وسنادها
وكما قال البحترى -
لمنقوشة نقش الدنانير ينتقى لها اللفظ مختارا كما ينتقى التبر
وهذا هو الانتقاء لولا التجني والقلي واعلمه انه عنى بقوله من الشعر شعر غيره دون شعر نفسه - ولرطوبة اللؤلؤ وجه وان بعد وهو أن سائر الجواهر إذا وقعت على الأرض استقرت واللؤلؤ يتدحرج بأدنى ميل في وجهها وكذلك بفلت من بين الأصابع لقلة تمكنها منه فكان انفلاته على هيئة عجم التفاح والكمثرى إذا رطبا وضغطا بالإصبعين حتى يرتمى مسافة كثيرة وسببه هو ترطيب ملاستها وتلزجه - قال ابن المعتز -
كأن الكأس في يده عروس لها من لؤلؤ رطب وِشاح
يريد الندى الذي يكاد يقطر نعمة ورقة - وقال منصور القاضي -
وجاء نسيم الريح يهدى تحية الينا بأنفاس الرياض ويشبع
وقد نبه الأنوار فابتسمت لنا وأعينها باللؤلؤ الرطب تدمع
وقال الخبر ارزى -
دُرِيّة اللون منه مشربه حمرة خمر تمازِج اللبنا
كاللؤلؤ الرطب لون ظاهره وفيه ماء العقيق فد بُطنا
وقال آخر وهو الصنوبرى -
كأنما النرجس في روضه اذا ثنته الريح من قُؤب
أقداح ياقوت تعاطيكها أنامل من لؤلؤ رطب
وقال أيضا -
أقداح ياقوت تعاطيكها أنامل من لؤلؤ رطب
في الساعد الأيمن خالٍ له مثل السويداء على القلب
وقال أيضا -
كأنه من سبج فاحم مركب في لؤلؤ رطب
وقال أيضا -
كأنها في الفق كافورة يرفضّ عنها لؤلؤ رطب
وقال نمير العقيلي -
وحولها خُرد حور مدامعها كاللؤلؤ االرطب يدنى لحظُها الأجلا
وقال نمير العقيلي أيضا في مجدور
[ ٥٢ ]
ما أثر الجدرى في خده وإنما أثرَّ في قلبي
كنه البدر لِتمّ بدا منقَّط باللؤلؤ الرطب
وهذا لعمرى اللؤلؤ الرطب حقا ولكن تصوره عند السماع بهوع من غير ذلك العاشق العمى العين والقلب عن معائب المعشوق - وحكى عن الصاحب بن عباد انه كان يقول اذا سمع قول عوف بن محلم -
ان الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعى الى ترجمان
فقال، بلغتها حشوة ولكنها حشوة اللوزينج وقال عدى بن يزيد -
لو كنت الاسير ولا تكنه اذاص وعلمت معه ما اقول
ولن يتخلف عنها قول ذى الرمة حسنا ونزاهة -
أسيلة مجرى الدمع هيفاء طَفلة رداح كايماض الغمام ابتسامها
كأن على فيها وما ذقت طعمه مجاجة خمر طاب فيها مدامها
وتفسير قول ذى الرمة في قول ابن الرومى -
وما ذقته الا بشمّ ابتسامها وكم مخبر يبديه للعين منظره
واللؤلؤ في هذا البيت على خلافه فانه وقر في الاسماع وقذى في الاعين وخناق في الآناف وصاب فى الأفواه وشوك في اللمس وقضة في المضجع - ما ابعده من قول الوأوأ الدمشقى في عليل -
ابيض واصفر لاعتدال فصال كالنرجس المضّعف
يرشح منه الجبين قطرا كأنه لؤلؤ منصّف
وقال الصنوبرى -
الشيب عندى والافلاس والجرب هذا هلاك وذا شؤم وذا عطب
ان دام ذا الحك لا ظفر يدوم ولا يدوم جلد ولا لحم ولا عصب
أما تراه على الكفين منتظما كأنه لؤلؤ ما ان له ثقب
كحبة العنب الصغرى تبين ولا تزال تعظم مالا يعظم العنب
ولقبوه بحب الظرف ليتهم يا نفس ضاعوا كما ضاع ذا اللقب
ثم تجاوز اللؤلؤ في الرطوبة الى الجوهر الرطب باطلاق فقال -
نظمت قلائد زهرها بجواهر رطب زمردها ند عقيانها
بل من زمرد والعقيان الى ادون الخرز -
ياغُصنا من يسبج رطب أصبح منك الدر في كرب
وما يزيدك استيقانا بسوء أبي القاسم لأبي تمام انه قال في قوله -
فكل كسوف في الدرارى شنعة ولكنه في الشمس والبدر أشنع
كسوف الكواكب ان يسترها كوكب فلكه دونها ولا يتفقده الا المنجمون فليست فيه شنعة لان الشنعة تكون فيما عمت رؤيته - وقد جعلخ ابو تمام فيها شنهة وفى النيرين اشنع وقد علمت ان معنى الشنعة ها هنا وهو الاستنكار بالاستبداد والخسوف والكسوف والخسوف مستعملان فيما يغشى النيرين من ذهاب نور بعضهما او كليهما في المحاق والامتلاء لايتفقان معا الا في وقت انتقاض البنية كما قال تعالى (فإذا برق البصر وخسف القمر - وجمع الشمس والقمر) ومن وصف ذلك بالكسوف في كليهما فانه متحرف من الأشباه مع الخسوف الكائن مع بعض الزلازل - وأما في الكواكب فالقمر يسترها كستره الشمس فيجوز ان يسمى كسفا لها لان حرمته وقد يمكن ان يكون قليل النور فيفنيها في السواد وإما بعضها مع البعض فليس يعرض فيه انسلاخ نور بل اتحاد - ورسم المنجمين ان يسموه كسوفا لها الستر والناحذيه أليق - وأبو تمام ذكر ذلك على عادة هذه الفرقة وبسبب ان ذلك غير متفق الا في الأحايين المتراخية لايفطن لها الجمهور فظنتهم لاتفاقه في النيرين لأنه اظهر واثبت وأمرهما الى القلوب اقرب إذ هما آتيا الليل والنهار وكسوفهما وقت لإقامة عبادة معينة كالصلاة المكتوبة في كل يوم وليلة عند طلوع الفجر ومغيب الشفق وزوال الشمس وغروبها فالحقوق الى صلاة الكسوف يزيد العامة فزعا وجزعا وخاصة إذا انضاف إلى ذلك همز القصاص وهذيان المنجمين في صنوف دلالتهما في العلية والسفلة وليس ينفك الناس بين الخاص والعام والشمس عندهم دليل الأكابر والقمر دليل الأصاغر وأبو تمام مظلوم جدا من أبي القاسم في اكثر الامر -