قال: ولأن المقدمات المطلقة والاضطرارية والممكنة يخالف بعضها بعضا في الجهة وفي المادة التي تدل عليها الجهة- وذلك أن هاهنا أشياء كثيرة موجودة بالفعل من غير أن يكون وجودها باضطرار وهذه هي المطلقة، وأشياء ليست بمضطرة أن تكون ولا هي موجودة بالفعل بل هي ممكنة أن توجد في المستقبل وأن لا توجد وهذه هي الممكنة، وأشياء هي موجودة دائما وهذه هي المضطرة- فهو بين أنه يجب أن تكون المقاييس المؤلفة من صنف صنف من هذه مختلفة من قبل اختلاف مقدماتها. فيكون القياس الاضطراري مؤلفا من مقدمات اضطرارية، والقياس المطلق من مقدمات مطلقة، والممكن من مقدمات ممكنة.
فأما المقاييس التي تأتلف من المقدمات الاضطرارية فقريبة من المقاييس التي تأتلف من المقدمات المطلقة، وذلك أن الأشياء التي تشترط في المنتجة من المطلقة هي بعينها تشترط في المنتجة من الضرورية والأشياء التي هي سبب عدم الإنتاج في غير المنتج منها هي بعينها سبب عدم الإنتاج في الضرورية، إذ كان لا فرق بينهما إلا زيادة الاضطرار فقط. ولذلك كانت الأصناف المنتجة من المطلقة وغير المنتجة على عدد المنتجة وغير المنتجة من الضرورية. وإنما الفرق بينهما في أن المطلقة تقال على ما كان موجودا بالفعل من غير أن يشترط في ذلك وجود ضرورة- أعني في جميع الزمان. وذلك أن المطلقة هي التي توجب أن يوجد المحمول فيها في كل الموضوع مادام الموضوع موصوفا بصفة من الصفات التي يمكن أن تفارقه. والضرورية هي التي يوجد فيها في كل الموضوع من جهة ما الموضوع موصوفا بصفة لا تفارقه. فمثال المطلقة الأولى قولنا كل ماش متحرك ومثال الضرورية كل إنسان ناطق. وليست المطلقة ما يحكى عن الإسكندر ولا ما حكى عن ثاوفرسطس، وقد بينا ذلك في مقالة أفردناها لذلك، وأن الضرورية تقال على ما كان موجودا بالفعل ومشترطا فيه هذه الزيادة.
[ ١٦ ]
وجهة البيان فيما يأتلف من المنتج في الشكل من الاضطرارية هو بعينه جهة البيان فيما يأتلف من المطلقة. وذلك أنه لا فرق بين المقول على الكل أو المقول ولا على شيء، وهو الشرط الذي به يكون القياس في الشكل الأول منتجا في المادة المطلقة أو الضرورية. وذلك أن معنى المقول على الكل فيهما إنما هو أن تكون اَ مقولة بإيجاب أو سلب على كل ما هو بالفعل بَ سواء كان ما هو بالفعل موجودا بزيادة شرط الضرورة أو بغير زيادة ذلك. وأما شرط المقول على الكل المستعمل في المادة الممكنة فمخالف لشرط المقول على الكل المستعمل في هاتين المادتين. وهذا هو الذي هو ظاهر كلام أرسطو، وهو الحق في نفسه على ما سيبين بعد. وكذلك جهة البيان فيما يأتلف من المنتج في الشكل الثاني والثالث من المقدمات الاضطرارية هي بعينها جهة البيان فيما يأتلف من ذلك في الشكل الثاني والثالث من المقدمات المطلقة، وذلك فيما كان منها يتبين برجوعه الى الشكل الأول بعكس إحدى مقدمتيه. وذلك أن وجود العكس في المقدمات المطلقة والضرورية هو واحد وكذلك ما كان منها يتبين بالفرض.
وأما ما كان منها يبين بالخلف، وهي متى كانت المقدمة الكلية موجبة والجزئية سالبة، فليس الأمر فيه واحدا. وذلك أن القياس الذي يؤدي إلى الاستحالة يكون مؤلفا من إحدى مقدمتي القياس ومن نقيض النتيجة في الجهة والسلب. فيكون مختلطا من مقدمة ضرورية ومطلقة أو ممكنة. ولم يتبين بعد جهة النتيجة اللازمة عن هذا التأليف. ولكن الذي تبين بالخلف هناك يبين هاهنا بالافتراض بأن نفرض البعض المسلوب عنه شيئا مشارا إليه ويكون المحمول مسلوبا عن جميعه، فيرجع إلى الصنف الذي يكون في ذلك الشكل من كليتين إحداهما موجبة والثانية سالبة.