قال: وينبغي الآن أن يقال متى يكون القياس من مقدمات ممكنة وكيف يكون وبماذا يكون. والممكن بالجملة هو الذي ليس بالضروري ومتى وضع موجودا لم يعرض من ذلك محال. ونعني بالذي هاهنا ما يشتمل الشيء الموجود بالفعل والمعدوم، وبالضروري جميع أصناف ما يقال عليه الضروري- أعني الضروري المطلق والضروري بالإضافة إلى وقت ما إما في الماضي وإما في الحاضر وإما في المستقبل، الموجب من كل هذه والسالب- لا ما يقال عليه الضروري باشتراك الاسم، وهو الممكن الذي قصدنا حده هاهنا.
فأما أن هذا هو حد الممكن فذلك يظهر من أنه ليس يمكن أن يصدق المتناقضان معا، لأن القول بأن الشيء لا يمكن أن يكون ومحال أن يكون وباضطرار أن لا يكون يناقضه قولنا يمكن أن يكون وليس بمحال أن يكون ولا باضطرار أن لا يكون. وذلك أن هذه يلزم بعضها بعضا-أعني أنه يلزم قولنا لا يمكن أن يكون قولنا محال أن يكون وقولنا باضطرار أن لا يكون، كما يلزم قولنا ممكن أن يكون قولنا ليس بمحال أن يكون ولا ضروري أن لا يكون. وإذا كان ذلك كذلك وكان كل واحد من الأشياء واجبا إما أن تصدق عليه السالبة أو الموجبة، فإذن قولنا ممكن أن يكون واجب أن يصدق عليه قولنا ليس بالضرورة أن لا يكون إذ كان يكذب عليه قولنا بالضرورة لا يكون. ولذلك ينعكس هذا حتى نقول كل ممكن فليس بضروري أن يكون وأن لا يكون وما ليس بضروري أن يكون وأن لا يكون فهو ممكن. ولذلك يشبه أن يكون جنس هذا الحد ما يدل عليه لفظ الذي- وهو الشيء الذي يشمل الموجود والمعدوم كما قلنا- وفصله قولنا ليس بضروري إذ كان بقي الدائم الوجود والدائم العدم. ويكون ما زيد فيه من أنه إذا وضع موجودا لم يلزم عنه محال خاصة من خواص الممكن لا فصلا من فصوله. وهذا هو مذهب أبي نصر في هذا الحد. ويحتمل أن يكون هذا القول هو الفصل الأخير في الحد ويكون المفهوم من قولنا ما ليس بضروري أي ليس وجوده في المستقبل بالضرورة، مثل كسوف القمر. ولأن قولنا ليس وجوده بالضرورة يصدق على الممتنع زيد فيه ومتى أنزل موجودا لم يعرض عنه محال. فيكون على هذا جنس الممكن هو المعدوم، والفصل الذي يخصه هو إذا وضع موجودا لم يلزم عنه محال. وهذا هو مذهب جل المفسرين من المشائيين.
[ ٢٢ ]
ومما يخص المقدمات الممكنة أن الموجبة منها تلزم السالبة، والسالبة تلزم الموجبة- أعني السالبة الممكنة لا سالبة الممكن، وهي التي توجب الإمكان وتسلب الوجود لا التي تسلب الإمكان، لأن تلك هي المناقضة للمكنة على ما تبين في بارى ارميناس وذلك أنه يلزم قولنا ممكن أن يكون قولنا ممكن أن لا يكون، إذ كانت هذه هي طبيعة الممكن- أعني أنه يتهيأ أن يوجد الشيء وأن لا يوجد. وهذا اللزوم موجود في جميع أصناف المتقابلة الموجودة في هذه المادة. وذلك أنه يلزم قولنا ممكن أن يكون في كل الشيء ممكن أن لا يكون في شيء منه، وقولنا ممكن أن يكون في كله قولنا ممكن أن لا يكون في بعضه، وعكس هذين. والبرهان على ذلك هو أن الممكن هو ما ليس بضروري الوجود، وما ليس بضروري الوجود فيمكن أن لا يوجد. فإذن ما يمكن أن يوجد يمكن أن لا يوجد، وما يمكن أن لا يوجد يمكن أن يوجد إذ كان ليس بضروري أن لا يوجد. وهذه المقدمات التي تعدها هنا سوالب هي في الحقيقة موجبات معدولة على ما تبين في بارى أرميناس، إذ كان حرف لا لا يقرن فيها بالجهة وإنما يقرن بالكلمة الوجودية، وذلك مثل ما يقرن بالموضوع في القضايا التي ليست بذات جهة.
والممكن يقال على ثلاثة أضرب. أحدها الممكن على الأكثر- مثل أن يشيب الإنسان في سن الشيخوخة وينمى في سن الشباب. والثاني الممكن على الأقل، وهو الذي يقابل الممكن على الأكثر- مثل أن لا يشيب الإنسان في سن الاكتهال، ولا ينمى في سن الشباب. والثالث الممكن على التساوي، وهو الذي يمكن أن يكون وأن لا يكون على التساوي- مثل تمزق هذا الثوب أو لا تمزقه. فأما الممكن الذي على التساوي فإنه يلزم الموجبة منه السالبة، والسالبة منه الموجبة على التساوي. وأما الذي على الأكثر فإنه يلزم الموجبة منه السالبة والسالبة منه الموجبة على الأقل. وأما الذي على الأقل فإنه يلزم الموجبة منه السالبة والسالبة منه الموجبة على الأكثر. وذلك أنه إن كان يمكن أن يشيب الإنسان على الأكثر في سن الاكتهال فيمكن أن يشيب على الأقل. والممكن الذي على الأقل وعلى التساوي فليس تستعمله صناعة البرهان، وقد تستعمله صنائع كثيرة- مثل الخطابة- فأنها قد تستعمل الممكن على التساوي. وأما الزجر والتكهن فإنها قد تستعمل الذي على الأقل.
والغرض هاهنا إنما هو القول في تعريف متى يكون قياس ومتى لا يكون من المقدمات الممكنة بإطلاق- أي من جهة ما هي ممكنة سواء كانت في الأكثر أو في الذي على التساوي أو في الأقل، إذ كان هذا الكتاب إنما ينظر فيه في صورة القياس، لا في مادته. وإذ قد تقرر هذا فلنقل في المقاييس التي تأتلف من المقدمات الممكنة في الشكل الأول، ولنبدأ من هذه أولا بالصرفة ثم بالمختلطة.