[ ١٧ ]
والمقاييس المنتجة في هذه المختلطة هي بعينها المقاييس المنتجة في غير المختلطة إلا أنها ضعفها، وذلك أن الصنف الواحد بعينه يكون صنفين. مثال ذلك أن الذي من كليتين مثلا في الشكل الأول يكون صنفين. أحدهما أن تكون الكبرى هي الضرورية والصغرى الوجودية. والصنف الثاني عكس هذا. فتكون المقاييس المنتجة في كل شكل هاهنا ضعف المنتجة في كل شكل من الضرورية. والشيء الذي به يتبين المنتج من غير المنتج هناك هو الذي به يتبين هاهنا- أعني في المختلطة. وإنما الذي بقى أن ننظر فيه هاهنا من أمر هذه المختلطة هو جهة نتائجها- أعني لأي جهة تكون تابعة من جهتي المقدمتين. وأرسطو يقول إنه إذا كانت المقدمة الكبرى في الشكل الأول ضرورية فإن النتيجة تكون ضرورية، وإن لم تكن ضرورية لم تكن النتيجة ضرورية. فليكن كل ما هو جَ فهو بَ بالفعل وكل ما هو بَ فهو اَ بالضرورة أو ليس اَ بالضرورة. فأقول إن هذين الصنفين من الشكل الأول ينتج أحدهما أن اَ بالضرورة في كل جَ والآخر ولا شيء من جَ بالضرورة هو اَ. برهان ذلك أن جَ هي جزء من بَ إذ كان من شرط الشكل الأول أن تكون الصغرى فيه موجبة ومن شرط هذا الاختلاط أن تكون جَ جزءا من بَ بالفعل وبَ كلا لجَ بالفعل لا بالإمكان كالحال في المقاييس الممكنة. وإذا حمل شيء على الكل فهو يحمل على الجزء ضرورة بالجهة التي بها حمل على الكل. وذلك بين بنفسه، فإن الجزء منطو في الكل وداخل تحته. وأما إن كانت الكبرى ليست الضرورية لكن كانت الضرورية الصغرى فإنه ليس تكون النتيجة ضرورية. مثال ذلك قولنا كل جَ فهو بَ باضطرار وكل بَ فهو اَ بالفعل أولا شيء من بَ اَ بالفعل. فأقول إنه ليس ينتج في هذا التأليف أن كل جَ فهو اَ باضطرار أو ليس اَ باضطرار. برهان ذلك أنه إن كان ذلك ممكنا فلنضع أن كل جَ هو اَ باضطرار، وقد فرضنا أن كل جَ هو بَ باضطرار، فينتج لنا في الشكل الأول والثالث أن بعض بَ هو اَ باضطرار. وقد وضعنا أن كل بَ هو اَ باضطرار، هذا خلف لا يمكن. وبمثل هذا تبين إذا وضعنا المقدمة الكبرى سالبة ليست بضرورية. وقد يبين أيضا ذلك من أن جَ هي جزء من بَ. فإذا كانت اَ محمولة على كل ما هو جزء لبَ- التي هي الكل. بغير ضرورة- فهي محمولة على جَ بغير ضرورة، إذ كانت جزءا من بَ وهو أيضا بين من الحدود أن النتيجة ليست ضرورية. مثال ذلك أن نضع عوض اَ متحركا وعوض بَ حيا وعوض جَ إنسانا، فنقول كل إنسان حي باضطرار وكل حي متحرك لا بالضرورة فتكون النتيجة كل إنسان متحرك لا بالضرورة، إلا أن الحدود إنما تعطى أنها ليست تنتج ضرورية دائما لا أنها ليست تنتج ضرورية أصلا كما يعطى ذلك قياس الخلف ومعنى المقول على الكل.
وأما المقاييس الجزئية في هذا الشكل- أعني التي تنتج نتائج جزئية- فإنه إذا كانت المقدمة الكلية اضطرارية وهي الكبرى فالنتيجة اضطرارية. وإن كانت الجزئية وهي الصغرى اضطرارية والكبرى ليست باضطرارية، فليست النتيجة اضطرارية موجبة كانت الكبرى أو سالبة، والبرهان على ذلك هو البرهان على المقاييس الكلية- أعني من جهة المقول على الكل، ومن جهة الخلف، ومن جهة المواد- وذلك إذا وضعنا بدل اَ متحركا وبدل بَ حيا وبدل جَ أبيض، فيأتلف القياس هكذا: بعض الأبيض حي بالضرورة وكل حي متحرك لا بالضرورة فينتج بعض الأبيض متحرك لا بالضرورة.
[ ١٨ ]
فأرسطو بين من أمره أنه لا يرى في هذا الصنف أن جهة النتيجة تابعة لجهة المقدمة الكبرى. إن كانت المقدمة الكبرى مطلقة فالنتيجة مطلقة، وإن كانت ضرورية فالنتيجة ضرورية. وثاوفرسطس وأوديموس من قدماء المشائين وثامسطيوس من متأخريهم ومن تبعهم يرون أن جهة النتيجة تابعة لأخس الجهتين- أعني أنها توجد أبدا في مثال هذا التأليف تابعة للمقدمة المطلقة، فإن الوجود المطلق أخس من الوجود الضروري. ومن أقوى ما يتمسكون به في ذلك أنهم يرون أن كل شيء كان فيه شيء يجري مجرى الجزء والكل فإنه متى حمل شيء حملا ما على الكل فيجب أن يحمل على الجزء بتلك الجهة بعينها، ومتى حمل أيضا الجزء على شيء ما حملا بجهة ما فيجب أن يحمل الكل على ذلك الشيء بتلك الجهة بعينها. ولما كان كل قياس فيه شيء يجري مجرى الكل ومجرى الجزء فمتى كانت إحدى المقدمتين مطلقة والأخرى ضرورية، فلا يخلو ذلك من أن تكون الضرورية هي الصغرى والمطلقة هي الكبرى أو الضرورية هي الكبرى والمطلقة هي الصغرى. قالوا: فإن كانت الضرورية هي الصغرى، ففيها شيء يجري مجرى الكل وفيها شيء يجري مجرى الجزء. أما الذي يجري مجرى الكل فالحد الأوسط، وأما الذي يجري مجرى الجزء فالحد الأصغر. فيجب متى حمل شيء بجهة ما على الكل الذي هو الحد الأوسط أن تكون بتلك الجهة بعينها تحمل على الجزء الذي هو الطرف الأصغر. ومتى كانت الضرورية هي المقدمة الكبرى كان الكل والجزء موجودا فيها أيضا. أما الذي يجري مجرى الكل فالطرف الأكبر، وأما الذي يجري مجرى الجزء فالحد الأوسط. فيجب متى حمل الجزء الذي هو الحد الأوسط على الطرف الأصغرى بجهة ما أن تكون تلك الجهة بعينها هي جهة حمل الكل الذي هو الطرف الأكبر عليه. قالوا: فكيف ما كان يجب أن تكون جهة الحمل في النتيجة تابعة لجهة المقدمة المطلقة.
وهذا القول الاختلال فيه بين. وذلك أن اعتبار الكل والجزء في القياس من جهة ما هو قياس منتج في الشكل الأول بحسب المقول على الكل إنما هو في المقدمة الصغرى. ولذلك اشترط فيها أن تكون موجبة، واشترط في الكبرى أن تكون كلية ولم يشترط فيها أن تكون موجبة. وإذا كان ذلك كذلك فلا اعتبار بالكل والجزء الموجود في المقدمة الكبرى إن وجد، سواء كان ضروريا أو لم يكن، بل الواجب اعتبار الكل والجزء في الموضع الذي هو شرط في وجود القياس، وهو الكل والجزء الموجود في المقدمة الصغرى. وإذا كان ذلك كذلك فتكون جهة النتيجة تابعة لجهة المقدمة الكبرى على ما يراه أرسطو. ولو سلمنا لهم أن الجزء والكل يعتبر في كل واحدة من المقدمتين، لم يكن لنا أن نجعل في موضع الاعتبار بالجزء والكل الذي يكون في المقدمة الصغرى وفي موضع الاعتبار بالجزء والكل الموجود في الكبرى حتى يتحكم على القياس هذا التحكم. وأيضا فمتى اعتبرنا الجزء والكل في المقدمة الكبرى ولم نعتبره في الصغرى، لم يكن قياس إلا بالعرض لأنه ليس يجب أن يكون الطرف الأصغر منطويا في الحمل تحت المقدمة الكبرى، وذلك بين بنفسه.
وأما ما يحتجون به من أنه يجب أن تكون جهة النتيجة تابعة لأخس جهتي المقدمتين كالحال في الإيجاب والسلب- أعني أنه متى كانت إحدى المقدمتين موجة والأخرى سالبة أن النتيجة تتبع السالبة التي هي أخس- فإن هذا قياس شبهي. وذلك أن النتيجة ليس تتبع المقدمة السالبة دون الموجبة من جهة أن السالبة أخس من الموجبة، بل من جهة ما هي سالبة. والمطلقة وإن كانت أخس فهي موجبة لا سالبة. واختلال هذا القول ظاهر بنفسه.
[ ١٩ ]
وأما ما يحتجون به أيضا من أنه قد يوجد في بعض المواد ما ينتج المطلق، وهو مؤلف من مطلقة صغرى وضرورية كبرى- مثال ذلك قولنا كل إنسان يمشي أي بالفعل وكل ماش متحرك باضطرار فكل إنسان متحرك لا باضطرار- فإن وجه التغليظ في ذلك أن الماشي ليس هو متحرك باضطرار من جهة ما هو إنسان، وإنما هو متحرك من جهة ما هو ماش فإذا اشترط هذا الشرط المأخوذ في المقدمة الكبرى في النتيجة كانت ضرورية- وهو أن كل إنسان متحرك باضطرار من جهة ما هو ماش. وليس ينبغي أن يجاب في هذا بأن يقال إنما عرض في هذا التأليف أن تكون النتيجة مطلقة والكبرى ضرورية من أجل أن هذه المقدمة الضرورية ليس يوجد فيها شرط المقول على الكل الذي استعمله أرسطو على العموم في هذا الكتاب- وهو أن تكون اَ محمولة بالضرورة على كل ما يوصف ببَ بإيجاب، كان موصوفا ببَ بالفعل أو بالضرورة أو بإمكان- فإنه لا فائدة في هذا الاشتراط إذا لم يكن صادقا في جميع المواد، وإنما ينبغي أن يشترط الشيء الصادق في جميع المواد. ونحن إذا استقرينا المواد ظهر لنا أن قولنا كل ما هو بَ هو اَ بالضرورة أو هو اَ بإطلاق أن في بعض المواد معناه كل ما هو بَ بالفعل فهو اَ باضطرار- مثل قولنا كل ماش متحرك باضطرار- وفي بعض المواد معناه كل ما هو بَ بالقوة أو بالفعل فهو اَ باضطرار- مثل قولنا كل متحرك هو جسم. وكذلك الأمر في القضية المطلقة. وإذا كان الأمر هكذا فإذن المقول على الكل الصادق في كل مادة في المقدمة الضرورية والمطلقة هو أن تكون اَ موجودة بالضرورة وبإطلاق على كل ما هو بالفعل بَ إذ كان في بعض المواد يصدق على كل ما هو بالقوة والفعل بَ وفي بعضها على ما هو بالفعل فقط، لأن اَ إذا صدقت على كل ما هو بالقوة بَ فهي تصدق على ما هو بالفعل، وليس ينعكس هذا- أعني أنه ليس إذا صدقت على كل ما بالفعل بَ فهي تصدق على كل ما هو بالقوة بَ. ولهذا ما يجب أن يكون شرط المقول على الكل في الضرورية والمطلقة أن يكون الطرف الأكبر محمولا على كل ما هو الحد الأوسط بالفعل- أعني على ما يحمل عليه الحد الأوسط بالفعل لا بالإمكان. ولذلك متى كانت المقدمة الصغرى ممكنة والكبرى ضرورية أو مطلقة، لم يكن القياس منتجا بحسب المقول على الكل في كل مادة على ما صرح به أرسطو بعد لأنه إنما يكون منتجا بحسب المقول على الكل في بعض المواد- وهي التي يصدق فيها أن اَ بإطلاق أو بالضرورة على كل ما هو بَ بالفعل أو بالقوة. وما يكون من قبل المواد فغير معتبر هاهنا. فتأمل هذا، فإن أبا نصر قد وهم على أرسطو فيه. وأما المقدمة الممكنة الكبرى فإنه يوجد فيها في جميع المواد الشرط الذي ظن به أبو نصر أنه شرط أرسطو في المقول على الكل في جميع أصناف المقدمات. وذلك أن قولنا كل ما هو بَ فهو اَ بإمكان يصدق على ما كان بالقوة أو بالفعل بَ. ولذلك متى كانت الكبرى ممكنة، كانت النتيجة ممكنة في أي ضرب كان من الاختلاط على ما سيبين بعد. فليس إذن شرط المقول على الكل في جميع المقدمات الثلاث- أعني المطلقة والضرورية والممكنة- هو واحد على ما ظنه أبو نصر من أن يكون المحمول بإطلاق أو بالضرورة أو بإمكان على كل ما هو بَ بأي واحد كان من هذه الأصناف الثلاثة- أعني بإمكان أو باضطرار أو بالفعل. ولا هو أيضا ما ذكره عن الإسكندر من أن شرط المقول على الكل المستعمل في هذا الكتاب هو أن تكون اَ محمولة باضطرار أو بإمكان أو بالفعل على كل ما هو بالفعل بَ فقط. فإنه لو كان الأمر هكذا لم تنتج التي من ممكنتين بحسب المقول على الكل. وهذا واضح فتدبره.
والاستقراء شاهد لمذهب أرسطو، فإنه لا فائدة في شرط لا يطابق المواد- على ما ذهب إليه أبو نصر- ولا في شرط لا يعم جميع أصناف المقدمات- على ما ذهب إليه الإسكندر. وبهذا تنحل الحيرة التي عرضت للناس في مذهب أرسطو في اختلاط الممكن مع الوجودي والضروري على ما سيبين من قولنا إذا وصلنا إلى ذلك الموضع أن شاء الله. فقد تبين أن الحكم في اختلاف الضرورية مع المطلقة للمقدمة الكبرى في الشكل الأول.