فأما المقدمات المطلقة الكلية فإن السالبة تنعكس محفوظة الكمية. مثال ذلك إن كان ولا شيء من اللذة خير صادقا فقولنا ولاشيء من الخير لذة صادق أيضا. وأما الموجبة الكلية فإنها تنعكس أيضا. وأما الموجبة الكلية فإنها تنعكس أيضا لكنها لا تنعكس محفوظة الكمية- أعني كلية- كالحال في السالبة بل تنعكس جزئية. وذلك أنه إن كان قولنا إن كل لذة خير صادق فقولنا بعض الخير لذة صادق.
وأما المقدمات الجزئية المطلقة فإن الموجبة منها تنعكس جزئية. وذلك انه كان قولنا بعض اللذة خير صادقا فواجب أن كون قولنا بعض الخير لذة صادقا أيضا. وأما السالبة منها فليس تنعكس دائما وفي كل مادة من هذا الصنف- وهو الشيء الذي يشترط في المقدمات المنعكسة- وذلك أنه إن كان صادقا قولنا بعض الحيوان ليس بإنسان، ليس بصادق عكس هذا- وهو قولنا بعض الإنسان ليس بحيوان. فالاستقراء كاف في بيان ما لا ينعكس منها- مثل السالبة الجزئية.
وأما بيان ما ينعكس منها فقد يحتاج إلى قول. فليكن أولا مثال السالبة الكلية قولنا اَ ولا في شيء من بَ، على أن يكون اَ مثالا للمحمول وبَ مثالا للموضوع، فإن التمثيل بالحرف هو أحرى أن لا يظن بما يبين من ذلك أنه إنما لزم من قبل المادة- أعني من قبل مادة المثال الموضوع فيه- لا من قبل الأمر في نفسه- مثل أن نضع بدل اَ حيوانا وبدل بَ حجرا. فأقول إنه إذا كان قولنا ولا شيء من اَ بَ صادقا فإنه يجب ضرورة أن يكون ولا شيء من بَ اَ صادقا، لأنه إن لم يكن قولنا ولا شيء من بَ اَ صادقا فنقيضه هو الصادق على ما تبين في الكتاب المتقدم وهو قولنا بعض بَ اَ. فلنفرض ذلك البعض شيئا محسوسا- وهو جَ مثلا- فتكون جَ التي هي بعض بَ موجودة بالحس في اَ فهي بعض اَ، فيكون بعض اَ موجودا بالحس في بَ وقد كنا فرضنا أنه ولاشيء من اَ هو بَ صادقا، وذلك خلف لا يمكن. فإذن قولنا بعض بَ اَ كاذب. وإذا كذب هذا، صدق قولنا ولا شيء من بَ اَ، وهو الذي قصدنا بيانه.
[ ٣ ]
وأما الموجبة الكلية المطلقة فإنها تنعكس كما قلنا جزئية. وذلك أنه إن كان كل بَ اَ صادقا، فأقول إنه يجب ضرورة وفي كل مادة أن يكون بعض اَ بَ صادقا. برهان ذلك أنه إن لم يكن قولنا بعض اَ بَ صادقا فنقيضه هو الصادق- وهو قولنا ولا شيء من اَ هو بَ. وإذا كان هذا صادقا، فعكسه أيضا صادق على ما تبين قبل من أن السالبة الكلية تنعكس وهو قولنا ولا شيء من بَ اَ. وقد كنا فرضنا أن كل بَ اَ. هذا خلف لا يمكن فإذن قولنا ولا شيء من اَ هو بَ هو كاذب. وإذا كذب هذا صدق نقيضه، وهو قولنا بعض بَ اَ.
وأما الموجبة الجزئية، فأقول إنها أيضا تنعكس جزئية وذلك أنه إن كان بعض بَ اَ صادقا، فبعض اَ بَ صادق ضرورة، لأنه إن لم يكن صادقا فنقيضه هو الصادق- وهو لا شيء من اَ بَ. وإذا صدق هذا، فعكسه أيضا صادق- وهو قولنا ولا شيء من بَ اَ. وقد كنا فرضنا بعض بَ اَ، هذا خلف لا يمكن. فإذن قولنا ولا شيء من اَ بَ كاذب ضرورة، فنقيضه هو الصادق- وهو قولنا بعض اَ بَ.
وأما الجزئية السالبة فإنها لا تنعكس دائما. ومثال ذلك إن جعلنا في موضع بَ حيا وفي موضع اَ إنسانا، فصدق قولنا ليس كل حي إنسانا، لم يصدق عكسه- وهو قولنا ليس كل إنسان حيا. وهذا كاف في الإبطال كما قلنا.
فهذه هي المقدمات المنعكسة وغير المنعكسة في المادة المطلقة.