[ ٣٠ ]
وإذا كانت إحدى مقدمتي القياس ممكنة والثانية اضطرارية، فإن أنواع المقاييس المنتجة تكون على عدد المقاييس المنتجة في المختلطة من الممكن والوجودي التامة منها وغير التامة. والتامة تكون هاهنا إذا كانت المقدمة الكبرى هي الممكنة كما كانت هنالك، وغير التامة إذا كانت الكبرى هي الضرورية والصغرى هي الممكنة. أما النتائج هاهنا فتكون إذا كانت المقدمتان موجبتين ممكنة تامة كانت المقاييس أو غير تامة كلية كانت النتائج أو جزئية. وأما إن كانت إحدى المقدمتين موجبة والأخرى سالبة وكانت الموجبة اضطرارية والسالبة ممكنة، فإنه تكون النتيجة ممكنة. فإن كانت المقدمة السالبة اضطرارية، تكون النتيجة مرة سالبة ممكنة ومرة سالبة مطلقة، كما أنه إذا كانت السالبة في اختلاط ممكن والوجودي وجودية كانت النتيجة مرة سالبة ضرورية ومرة سالبة ممكنة. وهذا كله سواء كانت المقدمتان كليتين أو إحداهما كلية والأخرى جزئية- أعني إذا كانت الكلية هي الكبرى والجزئية الصغرى فإنه إذا كانت الجزئية هي الكبرى لم يكن منتجا أصلا. ولم يقل أن هاهنا قياسا ينتج سالبة ضرورية لأن ذلك جزئي وفي بعض المواد وإن كان يوجد قياس ينتج سالبة الاضطرار فإن سالبة الاضطرار غير السالبة الاضطرارية. كما أنه لم يقل إن هاهنا قياسا ينتج موجبة ضرورية، فإن ذلك أيضا جزئي وفي بعض المواد كالحال في إنتاج الشكل الثاني موجبة.
فلتكن المقدمتان موجبتين كليتين ولتكن الكبرى هي الضرورية والصغرى هي الممكنة، فأقول إنه ينتج ممكنة لا ضرورية وأن القياس في ذلك يكون غير تام مثال ذلك قولنا كل جَ هو بَ بإمكان وكل بَ هو اَ بالضرورة، فأقول أنه ينتج كل جَ هي اَ بإمكان وأنه قياس غير تام لأن شرط المقول على الكل في المقدمة الضرورية أن تكون اَ محمولة على ما هو بَ بالفعل لا بالقوة. فأما ما به يتبين أن النتيجة ممكنة فبقياس الخلف على النحو الذي بان في نظير هذا من الاختلاط الآخر. وذلك بأن نأخذ نقيض النتيجة- وهي سالبة ضرورية لأن غير الممكن يصدق على السالبة الضرورية- ونضيف إليها المقدمة الممكنة من القياس- وهي الصغرى- بعد أن ننقلها إلى الوجود فيلزم عنه نقيض المقدمة الكبرى- وهي السالبة الضرورية لأن الكبرى كانت موجبة ضرورية. فأما إذا كانت الكبرى هي الممكنة والصغرى الضرورية فإنه يكون في ذلك قياس تام- وذلك بين من معنى المقول على الكل على ما تقدم- وتكون النتيجة ممكنة.
فإن كانت إحدى المقدمتين الكليتين موجبة والأخرى سالبة وكانت السالبة اضطرارية وكبرى والصغرى ممكنة، فإنه يكون قياس منتج غير تام ينتج نتيجتين إحداهما سالبة مطلقة والثانية سالبة ممكنة. ولم يقل إنه ينتج سالبة ضرورية، إذ ذلك إنما يمكن إذا كان الطرف الأصغر داخلا بالقوة تحت الأوسط وذلك لا يصدق إلا في بعض المواد. ولكن يبين أيضا بقياس الخلف إنه ينتج نتيجة مطلقة سالبة وممكنة. فليكن معنا أن كل جَ هو بَ بإمكانه وإنه ولا شيء من بَ هو اَ بالضرورة، فأقول إنه ينتج ولا شيء من جَ هو اَ بالفعل أو بإمكان. برهان ذلك أنه إن لم تكن هذه النتيجة صادقة، فليكن نقيضها هو الصادق- وهو أن بعض جَ هي اَ باضطرار، وذلك أن هذه هي المناقضة للنتيجة في الكيفية والكمية والجهة- ولنضف إليها المقدمة السالبة الكلية الضرورية من القياس- وهو أن بَ ليس اَ بالضرورة- فينتج في الشكل الثاني أن بَ غير ممكنة أن تكون في بعض جَ، وقد كان موضوعا لنا أن كل جَ هو بَ بإمكان، هذا خلف لا يمكن. وإذا كذبت الموجبة الضرورية صدق نقيضها- وهي السالبة المطلقة. فإذا صدقت السالبة الوجودية، أمكن أن تصدق معها السالبة الممكنة إذ المطلق ممكن الوجود. فإذا كانت المقتدمة الكبرى سالبة ممكنة والصغرى موجبة اضطرارية، فإنه يكون قياس تام وتكون النتيجة ممكنة- على ما تبين من معنى المقول على الكل.
[ ٣١ ]
وأرسطو يقول إنه ليس يمكن أن يتبين بقياس الخلف أنه ينتج مطلقة. فإن كانت المقدمة السالبة صغرى وكانت ممكنة فإنه لا يكون قياس تام، لكن يكون قياس غير تام بعكس السالبة الممكنة الى الموجبة- على ما تقدم. فإن كانت الصغرى السالبة اضطرارية لم يكن قياس، ولا إذا كانتا جميعا سالبتين وكانت الصغرى هي الاضطرارية. والحدود التي تنتج الموجب الثلج والحي والأبيض. وذلك أنه ولا ثلج واحد حي والحي أبيض بإمكان، والنتيجة موجبة ضرورية- وهي أن كل ثلج أبيض. والحدود التي تنتج السالب القار والحي والأبيض. وذلك أن النتيجة ولا قار واحد أبيض- وهي سالبة. وكذلك إذا أخذتا سالبتين. وذلك أن القار ليس بحي والحي ليس بأبيض والقار ليس بأبيض. وأيضا فإن الثلج ليس بحي والحي ليس بأبيض بإمكان والثلج أبيض.
وأما إذا كانت إحدى المقدمتين جزئية وكانت الكبرى ضرورية وسالبة، فإن النتيجة تكون سالبة مطلقة وسالبة ممكنة كما كانت الحال إذا كانتا كليتين الكبرى سالبة، وتبين ذلك بالخلف كما بان ذلك في الكليتين. وأما إذا كانت الصغرى جزئية موجبة وضرورية وكانت الكبرى سالبة ممكنة فإن النتيجة تكون ممكنة جزئية، وذلك بين من معنى المقول على الكل. وأما إذا كانتا موجبتين وكانت الكرى كلية وضرورية، فإن النتيجة تكون ممكنة. والبرهان على ذلك هو البرهان الذي تقدم إذا كانتا معا كليتين. فإن كانت المقدمة الكلية هي الصغرى والجزئية هي الكبرى وكانت الجزئية اضطرارية والكلية ممكنة موجبة كانت أو سالبة، فإنه لا يكون قياس. والحدود التي تنتج الموجب الإنسان والأبيض والحي. وذلك أن كل إنسان يمكن أن يكون أبيض وبعض الأبيض ليس بحي، والإنسان حي بالضرورة. والإنسان يمكن أن لا يكون أيضا أبيض وبعض الأبيض حي والإنسان حي بالضرورة. وأما الحدود التي تنتج السالب فالثوب والأبيض والحي. وذلك أن الثوب يمكن أن يكون أبيض وبعض الأبيض ليس بحي، والثوب ليس بحي. وأيضا فإن الثوب يمكن أن لا يكون أبيض وبعض الأبيض حي، والثوب لا يمكن أن يكون حيا، سواء كانت الصغرى سالبة أو موجبة إذا كانت كلية وممكنة فإنها غير منتجة. وكذلك إذا كانت الصغرى كلية واضطرارية سالبة كانت أو موجبة والكبرى ممكنة جزئية، فإنه لا ينتج أصلا. والحدود التي تنتج الموجب إذا كانت سالبة الغراب والأبيض والحي. وذلك أن الغراب ليس بأبيض بالضرورة وبعض الأبيض حي بإمكان، والغراب حي بالضرورة- وهي النتيجة. وأما الحدود التي تنتج السالب فالقار والأبيض والحي وذلك أن القار ليس بأبيض وبعض الأبيض حي، والقار ليس بحي. وأما الحدود التي تنتج الموجب إذا كانت الصغرى كلية موجبة واضطرارية فهي الققنس والأبيض والحي. وذلك أن كل ققنس أبيض بالضرورة وبعض الأبيض حي، والنتيجة وكل ققنس حي- وهي ضرورية. والتي تنتج السالب فالثلج والأبيض والحي. وذلك أن الثلج أبيض وبعض الأبيض حي والثلج ليس بحي بالضرورة- وهي النتيجة.
وكذلك لا يكون أيضا في هذا الصنف قياس إذا كانت المقدمتان مهملتين أو جزئيتين أو إحداهما مهملة والأخرى جزئية كانت الكبرى هي الممكنة والصغرى هي الضرورية أو بالعكس. والحدود العامة لهذه الأصناف كلها، أما التي تنتج الموجب فالإنسان والأبيض والحي، وأما التي تنتج السالب فالغير متنفس والأبيض والحي. وتركيبها قريب على من تأملها.
فقد تبين من هذا القول إن أصناف المقاييس المركبة في هذا الشكل من اختلاط الممكن والمطلق هي مساوية لأصناف المقاييس المركبة من الممكن والضروري، المنتج منها للمنتج وغير المنتج لغير المنتج والمنتج التام للمنتج التام والمنتج غير التام لغير التام. والطريق الذي يبين به غير التام وفيهما واحد بعينه وتبين أن النتائج منها في الموجبات ممكنة وكذلك في السوالب، إذا كانت المقدمات الكبر منها هي الممكنة وأما إذا كانت الضرورية أو الوجودية فإنها تكون أما في المختلطة من الممكنة والوجودية فسالبة ضرورية أو ممكنة، أما في المختلطة من الممكنة والضرورية فسالبة مطلقة أو سالبة ممكنة.
[ ٣٢ ]
وقد يسأل سائل فيقول: كيف قال أرسطو في المقاييس المختلطة التي كبراها سالبة مطلقة وصغراها موجبة ممكنة- وهي السالبة الغير تامة في هذا الاختلاط- إنها تنتج نتيجتين إحداهما سالبة ممكنة والثانية سالبة ضرورية، أو إنها تنتج مع السالبة الممكنة السالبة الضرورية، وسكت عن النتيجة المطلقة وهو قد ينتجها، وبرهان الخلف الذي استعمل أرسطو في بيان أنه ينتج سالبة ضرورية وممكنة يقتضي أنه قد ينتج المطلقة وبالجملة سالبة ممكنة باشتراك الاسم- أعني الممكن القول على الثلاث جهات. وكيف قال في المقاييس التي كبراها سالبة ضرورية وصغراها موجبة ممكنة- وهي الغير تامة في هذا الاختلاط- إنها تنتج أيضا نتيجتين إحداهما سالبة مطلقة والأخرى سالبة ممكنة، وقال إنه ليس يوجد في هذا الصنف برهان على أنه ينتج السالب الضروري ويبين من أمره أنه قد ينتج الضروري، وبرهان الخلف الذي استعمل في بيان إنتاجه السالب الممكن والسالب المطلق يدل على إمكان ذلك. وهل في هذا كله فرق بين الموجبات والسوالب في هذا الاختلاط الذي سماه غير تام- وهو الذي لا تكون الكبرى فيه ممكنة. فإن الذي فهم عنه من ذلك المفسرون الذين وصلتنا أقوالهم هو أن التأليفات الموجبة في هذين النوعين من الاختلاط بخلاف السوالب، وأن الموجبات منها تنتج ممكنات حقيقية. وهذا الذي قاله المفسرون هو الذي يقتضيه ظاهر ألفاظه أو ليس في ذلك فرق بين الموجبات والسوالب، بل كل الصنفين ينتج نتائج ممكنة باشتراك الاسم على ظاهر ما يقتضيه برهان الخلف المستعمل في ذلك وعلى ظاهر ما يذهب إليه أبو نصر في تفسيره هذا الموضع.
فنقول نحن الآن: إن الإنتاج بالجملة إما أن يكون سبب الاتصال. وأعني بالانطواء تضمن المقول على الكل جهة المقدمة الصغرى وانطوائها تحت حمل الحد الأكبر على الأصغر. وأعني بالاتصال تضمن المقول على الكل كون الحد الأوسط محمولا بإيجاب على الأصغر فقط من غير أن يتضمن الجهة- أعني جهة المقدمة الصغرى- وإنما يتضمن جنسها وهو الإيجاب فقط. والاتصال منه تام وهو أن تكون كلتا المقدمتين موجبتين، ومنه غير تام وهو أن تكون الكبرى كلية سالبة والصغرى موجبة فقط.
فأرسطو لما نظر في هذه المختلطات وجد منها ما ينتج بحسب الانطواء دائما وفي كل مادة- أعني أن المقدمة الكبرى فيه تتضمن جهة النتيجة- فحكم في هذه حكما جزما إن جهة النتيجة تابعة للمقدمة الكبرى وذلك في اختلاط الوجودي مع الضروري وفي اختلاط الممكن مع الضروري والوجودي مع الضروري والوجودي في الصنف التام منه- أعني إذا كانت المقدمة الكبرى هي الممكنة- فإن الانطواء موجود في هذه التأليفات على ما تبين من قولنا. ولما نظر في الصنف من اختلاط الممكن مع الضروري والوجودي الذي تكون المقدمات الضغر فيه ممكنة، وجد الانطواء فيها جزئيا- أعني في بعض المواد فرفض الإنتاج الذي يكون في هذا الاختلاط من قبل الانطواء وعاد إلى تبين الإنتاج الذي يكون في هذه من قبل الاتصال إذ كان هو الدائم. ومعنى دوامه أنه إذا رفعت نتيجته عن القياس لم يكن بعد قياسا، ولزم عنه الخلف. وفعل ذلك في الصنفين من الاتصال جميعا- أعني التام، وهو الصنف الموجب، والناقص، وهو الصنف السالب- وعرف ما يلزم كل واحد منهما من النتائج من جهة الاتصال وما لا يلزمه، وأن الموجب في ذلك بخلاف السالب. فابتدأ فعرف قي الموجب الذي يأتلف من مقدمة كبرى مطلقة وصغرى ممكنة أن النتيجة بحسب الاتصال يجب أن تكون ممكنة حقيقية وأنه ليس يمكن أن يكون غير ذلك، إذ الإنتاج لهذا الضرب إنما هو من جهة الاتصال. وذلك بأن يبين أنه متى وضعت نتيجة هذا القياس سالبة ضرورية كلية، إنه يعرض عن ذلك محال. وإذا كذبت السالبة الكلية الضرورية أمكن أن تصدق الموجبة الممكنة الكلية والموجبة المطلقة والضرورية. لكن أطرح المطلقة لأنها إنما تكون بحسب الانطواء، وسقطت الضرورية لأن الاتصال تام وليس في المقدمتين جهة ضرورية فبقي أن تكون ممكنة حقيقية.
[ ٣٣ ]
وليس ينبغي أن يفهم هذا الموضوع عاما على ما يقتضيه ظاهر برهانه من أنه لما أخذ نقيض النتيجة الممكنة- وغير الممكنة- فلزم عنها الضروري السالب بين كذب السالب، فلما بين كذب السالب كذب الذي لزم عنه السالب الضروري- وهو غير الممكن- وإذا كذب غير الممكن صدق الممكن العام، فتكون النتيجة على هذا ممكنة باشتراك الاسم، فإن هذا الفهم محال. وذلك إنه إذا كانت اَ محمولة على بَ بإطلاق وبَ محمولة على كل جَ بإمكان، فأقول إنه ليس يمكن أن تحمل اَ على جَ باضطرار لأنه إن كان في هذا الحمل انطواء فاَ موجودة لجَ من الاضطرار وبإطلاق مع، وذلك خلف. فإن المطلق من طبيعة الممكن على ما تبين. وإن لم يوجد فيه غير معنى الاتصال فظاهر أيضا أن اَ موجودة لجَ بإمكان لأنه إذا كانت ألف موجودة لكل بَ بالفعل وبَ موجودة لكل جَ بإمكان فإن اَ بالضرورة تكون موجودة لجَ بإمكان لا باضطرار، فإنها وجدت لجَ بتوسط وجود بَ لها وبَ وجدت لها بإمكان، فاَ موجودة لها ضرورة بإمكان. وذلك أنه لو وجدت اَ بالضرورة لجَ من جهة مشاركتها لبَ، لوجب في بَ أن تكون موجودة بالضرورة لجَ وقد كانت فرضت بإمكان. وكذلك يبين أيضا أنها لا تنتج من قبل الاتصال مطلقة، لأن النتيجة تكون أبدا في الإنتاج الذي بحسب الاتصال التام تابعة لأخس المقدمتين، لأنه لما كانت النسبة التي بين الحد الأوسط والأصغر هي نسبة الكل الى الجزء فظاهر متى حمل شيء على الكل حملا مخالفا لجهة حمل الكل على الجزء أنه إن كان ذلك الحمل أنقص جهة من حمل الكل على الجزء أنه يحمل على الجزء بالجهة التي حمل على الكل، فإن كان حمل الكل على الجزء أنقص جهة من حمل ذلك الشيء على الكل إن ذلك الشيء يحمل على الجزء حمل الكل على الجزء.
وهذا هو الذي ظهر لأوديموس وثاوفرسطس من قدماء المشائين من أن النتيجة تكون أبدا في المختلطة جهتها تابعة لأخس جهتي المقدمتين. وما قالوه صحيح في الإنتاج الذي يكون بحسب الاتصال- أعني التام- لا بحسب الانطواء وهو الذي ذهب على القوم. فقد تبين من هذا أن الاختلاط ليس ينتج أصلا نتيجة ضرورية ولا مطلقة من جهة الاتصال الذي قصد أرسطو بيانه، إذ كان ذلك جزئيا وفي بعض المواد وكأنه بضرب من العرض إذ كان ذلك إنما يكون من قبل الانطواء، والانطواء أمر عارض لهذا التأليف وبمثل هذا بين في الاختلاط الذي يكون من كبرى ضرورية موجبة وصغرى ممكنة موجبة أن النتيجة تكون أيضا من قبل الاتصال ممكنة حقيقية- أعني بذلك النوع من برهان الخلف- وأطرح الضرورية لأنها بالعرض لهذا التأليف وأما المطلقة فليس يمكن أن توجد فيه، إذ كان ليس توجد في إحدى جهتي المقدمتين والاتصال تام. فأذن ما فهمه مفسرو المشائين من النتائج في هذه المختلطات الموجبات ممكنة حقيقية هو الصحيح.
[ ٣٤ ]
وأما الأقيسة السالبة في هذا النوع من الاختلاط- وهو الذي اتصالها غير تام من قبل أن الكبرى فيه سالبة والسلب هو انفصال الاتصال- فإن أرسطو أيضا نظر في جهات نتائجها من قبل الاتصال لا من قبل الانطواء، إذ كان عارضا في هذا النوع من الاختلاط أيضا. فبين في الاختلاط الذي يكون من كبرى سالبة مطلقة وصغرى موجبة ممكنة أن جهة النتيجة في هذا الضرب من الاختلاط مرة تكون ممكنة حقيقية- أعني سالبة- ومرة تكون سالبة ضرورية. وذلك بأن بين أنه متى وضعت نتيجة هذا الشكل موجبة جزئية ضرورية أنه يعرض عن ذلك محال، وإذا كذبت الموجبة الجزئية الضرورية أمكن أن تصدق السالبة الكلية الضرورية وأمكن أن تصدق السالبة الممكنة والسالبة المطلقة، وهذا شيء عرض لهذا التأليف من قبل نقصان الاتصال- أعني أنه ينتج جهة ليست هي جهة واحدة من المقدمتين المأخوذة فيه. وذلك أنه ليس يمتنع أن يوجد شيء واحد مسلوب عن شيئين أحدهما باضطرار والآخر بإطلاق وأحد الشيئين موجود للآخر بإمكان، إذا لم يوجد فيهما الانطواء- مثل أن تكون اَ غير موجودة لجَ باضطرار ولبَ بإطلاق وبَ لجَ بإمكان- فسكت هاهنا عن السالبة المطلقة، لأنها إنما تلزم عن الانطواء. وأما الاختلاط الذي يكون من سالبة كبرى ضرورية وموجبة ممكنة، فإنه قال فيه أيضا بحسب الاتصال إنه ينتج سالبة مطلقة وسالبة ممكنة فإنه بين أنه متى وضعت في هذا الشكل موجبة جزئية ضرورية لزم عنها محال، وبين أنه متى كذبت الجزئية الموجبة الضرورية أنه يمكن أن تصدق السالبة المطلقة والسالبة الممكنة والسالبة الضرورية، إلا أنه أطرح السالبة الضرورية إذ كانت إنما تنتج بحسب الانطواء- وهو جزئي. ولذلك قال إنه ليس يوجد قياس يبين به أن هذا التأليف ينتج سالبا ضروريا- يريد دائما- كما يبين وجود السالب الممكن دائما حيث يوجد الانطواء دائما- أعني في الضرب التام من هذا الاختلاط.
وليس الأمر في هذا البيان الذي استعمله أرسطو على ما يظن من أنه إذا كذبت الموجبة الجزئية الاضطرارية صدقت السالبة الممكنة، فإن ذلك غير صادق. وقد بين ذلك أرسطو عندما فحص عن عكس السالبة الممكنة فيخص المنتج من قبل الاتصال الناقص أنه ينتج نتيجتين إحداهما بحسب أخس المقدمتين والأخرى برانية- أعني ذات جهة غير موافقة لإحدى جهتي المقدمتين المأخوذة في القياس. وتحصيل جهات هذه النتائج على مذهب أرسطو أن التأليف لا يخلو أن يوجد فيه معنا الانطواء دائما أو لا يوجد فيه معنى الانطواء دائما فإن وجد فيه معنى الانطواء دائما، فجهة النتيجة تابعة لجهة المقدمة الكبرى، وذلك دائما. وإن لم يوجد فيه معنى الانطواء دائما وإنما وجد فيه معنى الاتصال، فجهة النتيجة تابعة عنده لحكم الاتصال لا لحكم الانطواء. فإن كان الاتصال تاما فجهة النتيجة موافقة لأخس جهتي مقدمتي القياس. وإن كان ناقصا فجهة النتيجة مرة تكون موافقة لأخس جهتي المقدمتين ومرة تكون برانية- أعني غير موافقة بجهتها لإحدى جهتي مقدمتي القياس. فهكذا ينبغي أن يفهم الأمر عن أرسطو في هذه النتائج.
وأحسب أن هذا المقصد من التفسير هو شيء ذهب على جميع المفسرين اللهم إلا الاسكندر، فإنه لم تصل الينا أقواله في هذه الأشياء، والرجل عظيم القدر جدا. وأما ثامسطيوس فإنا نجده قد ذهب عليه هذا الأمر، كما ذهب على قدماء المشائين، وكذلك يشبه أن يكون هذا المعنى ذهب على أبي نصر، وذلك بين من شرحه لهذا الموضوع. فما أعجب شأن هذا الرجل وما أشد مباينة فطرته للفطر الإنسانية حتى كأنه الذي أبرزته العناية الإلهية لنوقفنا معشر الناس على وجود الكمال الأقصى في النوع الإنساني محسوسا ومشارا إليه، فما هو إنسان، ولذلك كان القدماء يسمونه الإلاهي. ونحن في تلخيصنا هذه المواضع قديما أجرينا العبارة فيها على ما يعطيه مفهوم في قوله في بادي الرأي- وهو الذي فهمه المفسرون- لنجد بذلك سبيلا إلى حل الشكوك الواردة فيه إلى أن ظهر لنا فيها هذا القول. فمن أحب أن يحول العبارة فيها إلى ما لا يتطرق إليه شك فليفعل، وإن أمهل الله في العمر فسنشرح هذا الموضع من كلامه على اللفظ، فإن هذا الموضع إلى هذه الغاية فيما أحسب لم يشرح شرحا تاما.