قال: وأما قياس الفراسة فإنما يكون وجوده ممكنا عند من يسلم أن عوارض النفس الطبيعية- مثل الغضب والشجاعة- تتأثر عنها النفس والبدن في أصل الخلقة، لأنه معلوم أن العوارض الغير طبيعية لا يتأثر عنها البدن وإن تأثرت النفس- مثل أنه من تعلم صناعة الموسيقى فقد تأثرت نفسه لكنه لم يتأثر عن ذلك بدنه. وأما من خلق شجاعا من الحيوانات بالطبع أو جبانا بالطبع فإن لقائل أن يقول إنه توجد أبدان هذه الأنواع من الحيوانات متأثرة عن هذه العوارض الطبيعية الموجودة في نفوسها. فإذا سلم هذا وسلم أنه يوجد لنوع نوع من أنواع الحيوانات عارض عارض من العوارض النفسانية الطبيعية، لزم أن يوجد لواحد واحد منها علامة وأعراض خاصة لعارض عارض من عوارض أنفسها الطبيعية. وإذا كان الأمر كذلك أمكن أن يوجد قياس الفراسة. مثال ذلك أنه لما كانت قد توجد الشجاعة للأسد فقد يجب أن يكون في خلقته علامة تدل على الشجاعة، لأنه قد وضعنا أن النفس والبدن يتأثران عن العوارض النفسانية الطبيعية. فلتكن تلك العلامة مثلا عظم الأطراف العلية فيكون واجبا أن يوجد عظم الأطراف في كل نوع من أنواع الحيوان الذي يكون شجاعا، لأنه يجب أن تكون هذه العلامة هي خاصة بالشجاعة إذ قد وضعنا أن لكل عارض من عوارض النفس علامة خاصية والشجاعة قد توجد في غير الأسد، وذلك أن الإنسان وغيره شجاع. فيجب متى حصلنا العلامات الدالة في نوع نوع من أنواع الحيوانات على العوارض النفسانية التي يختص بها نوع واحد أو أكثر من نوع واحد- كان ذلك الذي يوجد في ذلك الحيوان الواحد منها هو عارض واحد أو أكثر من عارض واحد، مثل أن يكون في الأسد الشجاعة والسخاء، ولكل واحد من هذه علامة قد عرفناها- أن نستعمل الفراسة فنحكم على ما يوجد له من الأشخاص تلك العلامة أنه يوجد له ذلك العارض من عوارض النفس.
[ ١٠٢ ]
وقياس الفراسة يكون إذا انعكس الحد الأوسط على الطرف الأكبر ولم ينعكس عليه الطرف الأصغر، لأنه متى كان الحد الأوسط غير منعكس على الأكبر لم تكن العلامة خاصة بذلك الأثر فلم تدل عليه. مثال ذلك أنه إن لم يكن صادقا قولنا إن كل عظيم الأطراف شجاع، لم ينتفع بذلك في بيان أن هذا الإنسان شجاع لأنه عظيم الأطراف. وذلك أنه إنما كان معنا أن الشجاع عظيم الأطراف وعظيم الأطراف هو الحد الأوسط والشجاع هو الطرف الأكبر، فمتى لم يصح عكس الطرف الأوسط- وهو العظيم الأطراف- على الأكبر- وهو الشجاع- لم يكن أن يبين منه أن زيدا هذا شجاع لأنه عظيم الأطراف، لأن هذا يبين بمقدمتين إحداهما أن زيدا هذا عظيم الأطراف وكل عظيم الأطراف شجاع فزيد هذا شجاع. وإنما كان من شرطه أن لا ينعكس الطرف الأصغر على الأوسط لأنه لو انعكس لكان كل عظيم الأطراف أسدا. وذلك أن هاهنا ثلاثة حدود الأسد والشجاع والعظيم الأطراف، والعظيم الأطراف هو الأوسط والأسد الأصغر والشجاع الأكبر. فلو صدق انعكاس الطرف الأصغر على الأوسط- وهو أن كل عظيم الأطراف أسد- لم يكن أن يوجد عظم الأطراف لغير الأسد، فلم يكن يمكن أن يبين بذلك في غير الأسد أنه شجاع كما أنه لو لم ينعكس الأوسط على الأكبر لم تكن عظم الأطراف علامة خاصية بالشجاعة.
وهنا انقضى تلخيص المعاني التي تضمنها هذا الكتاب.
[ ١٠٣ ]