[ ٦١ ]
قال: وإذ قد بينا في كم شكل تكون الأقاويل القياسية وبأي صنف من أصناف المقدمات تكون- وهي المقدمات التي فيها معنى المقول على الكل- وبكم مقدمة تكون وأنهما إثنتان ومتى يكون منهما قياس ومتى لا يكون- وذلك إذا لم يلف بينهما حد مشترك- وقلنا في كيفية شكل شكل من الأشكال الثلاثة- الذي هو ترتيب الحد الأوسط بين الطرفين- وقلنا مع ذلك أي شكل من الأشكال نلتمسه في مطلوب مطلوب من المطالب الأربعة- أعني الموجب الكلي والسالب الكلي والموجب الجزئي والسالب الجزئي- وأخبرنا بعد ذلك عن كيفية البحث عن المطلوب على الإطلاق وفي أي صناعة كانت وبأي سبيل نأخذ مقدمات القياس ونعملها وكيف نحل كل قول قياسي إلى القياس الذي تركب منه، فنقول الآن إنه لما كانت المقاييس منها ما ينتج نتائج كلية ومنها ما ينتج نتائج جزئية فإن المقاييس التي تنتج نتائج كلية قد يلحقها ويعرض لها أن تنتج سوى النتيجة الأولى نتائج كثيرة. وأما المقاييس التي تنتج نتائج جزئية فإن التي تنتج منها الموجبة الجزئية قد يعرض لها أن تنتج مع النتيجة الأولى نتائج كثيرة- وأما التي تنتج سالبة جزئية فليس تنتج غير النتيجة الأولى. والسبب في ذلك أن النتائج الكلية والجزئية الموجبة تنعكس والسالبة الجزئية ليس تنعكس. والقياس الذي ينتج نتيجة كلية موجبة يعرض له أن ينتج الجزئية المنطوية تحت تلك الكلية والجزئية والتي تنعكس إليها الكلية الموجبة، والذي ينتج سالبة كلية يعرض له أن ينتج عكسها والسالبة الجزئية المنطوية تحتها، والذي ينتج الموجبة الجزئية يعرض له أن ينتج عكسها. وأما الذي ينتج السالبة الجزئية فليس يعرض له أن ينتج غيرها، إذ كانت غير منعكسة ولا محيطة بغيرها، فمن هذه الجهة يعرض للقياس الواحد بعينه أن ينتج أكثر من نتيجة واحدة إلا أن الذي ينتج بالذات وأولا هي واحدة، وسائر ما ينتجه من جهة أنه يلحق النتيجة الأولى وبوساطتها فكأنها نتائج بالعرض. ولذلك لم يعدد أمثال هذه في نتائج المقاييس في المقالة الأولى، وغلط في ذلك قدماء المفسرين فعددوها.
وقد يمكن أن يظن أنه قد يكون عن القياس الواحد يعينه نتيجة أكثر من واحدة على جهة أخرى، إلا أن ذلك في الظن لا في الحقيقة. وذلك أما في الشكل الأول فإنه يعرض ذلك على وجهين. أحدهما متى بينا أن محمولا ما يوجد لموضوع ما وكان ظاهرا عندنا أن شيئا ما لموضوع المطلوب، فقد يظن أنه إذا تبين أن محمول المطلوب موجود في موضوعه أنه قد تبين مع ذلك أنه موجود في موضوع الموضوع. مثال ذلك أن يكون المطلوب هل العالم الثالث محدث، فإنه إذا تبين لنا أن العالم محدث تبين لنا أن السماء محدثة، وذلك أنه ظاهر بنفسه أن السماء جزء من أجزاء العالم. فهذا أحد ما يظن به أنه قد يكون عن قياس واحد بهذه الجهة أكثر من نتيجة واحدة. وليس ذلك حقيقيا، فإن قولنا السماء محدثة في هذا المثال إنما أنتج بمقدمتين إحداهما أن السماء جزء من أجزاء العالم والثانية أن جميع أجزاء العالم محدث فيلزم عن ذلك أن السماء محدثة. والوجه الآخر أنه متى بينا أن شيئا ما موجود لموضوع بمقدمتين وكان ظاهرا بنفسه أن الحد الأوسط في مقدمتين منطو تحته موضوع آخر مع موضوع المطلوب، فقد يظن أنه ينتج عن ذلك نتائج أكثر من واحدة إحداها النتيجة المطلوبة والأخرى التي موضوعها منطو تحت الحد الأوسط مع موضوع المطلوب. مثال ذلك إن تبين أن العالم محدث بمقدمتين إحداهما أن العالم محدث مؤلف والثانية أن المؤلف محدث. فإنه قد يظن أنه ينتج لنا من هاتين المقدمتين نتيجتان إحداهما أن العالم محدث والثانية أن الجسم محدث، لأنه ظاهر بنفسه أن الجسم منطو تحت المؤلف على مثال انطواء العالم تحته. وأكثر ما يعرض هذا إذا كانت الكبرى بينة عن قياس. وهما في الحقيقة قياسان يشتركان في المقدمة الكبرى ويفترقان في الصغرى. وهذا بعينه يعرض في الشكل الأول الذي ينتج السوالب الكلية، كما يعرض في الذي ينتج الموجبة الكلية.
[ ٦٢ ]
وأما الذي ينتج الجزئية فليس يعرض فيه الصنف من النتائج الذي يكون من قبل انطواء موضوعها تحت موضوع النتيجة لكون النتيجة جزئية ويعرض فيه الصنف الثاني لكون المقدمة الكبرى كلية في جميع أصناف المقاييس في هذا الشكل الكلية والجزئية. وأما الشكل الثاني فإنه يعرض في الأصناف الكلية منه أن يظن به أنه ينتج نتيجة وما هو منطو تحت موضوع النتيجة لقرب ذلك في بادئ الرأي. وفي الحقيقة إنما هي نتيجة قياس في الشكل الأول- أعني وجود الطرف الأعظم لموضوع موضوعه. وليس يظن فيه أنه ينتج مع نتيجة ما هو موضوع للحد الأوسط، لأن ذلك إن أنتج فإنما ينتج بترتيب الشكل الثاني والفكرة لا تقع بالطبع على شعور الإنتاج في الشكل الثاني كوقوعها على ذلك في الشكل الأول. فلذلك يظهر أن وجود الطرف الأعظم لما هو موضوع للحد الأوسط في الشكل الثاني هو بقياس ثان. وليس يظن به أنه ينتج بالقياس الأول، بخلاف ما هو موضوع لموضوع النتيجة. مثال ذلك قولنا الجسم السماوي ليس بمحدث والجسم المركب محدث، فإنه يلزم عن هذا القياس إن الجسم السماوي ليس بمركب وأن فلك الكواكب الثابتة غير مركب، إذ كان انطواؤه تحت الجسم السماوي ظاهرا بنفسه. وأما أن يظن أنه يلزم عن هذا القياس وجود الطرف الأعظم لما هو موضوع للحد الأوسط فيه- مثل أن يكون بينا بنفسه أن الأسطقسات ليست بمحدثة- فإنه ليس يلزم عن ذلك أن الأسطقسات ليست بمركبة إلا بقياس هو غير القياس الذي لزم به أن الجسم السماوي ليس بمركب، وذلك في الحقيقة وفي بادئ الرأي. وكذلك الحال في الشكل الثالث- أعني أنه ليس يظن به أنه ينتج مع نتيجته إلا وجود الطرف الأكبر لما هو موضوع للطرف الأصغر فقط، لا لما هو موضوع للحد الأوسط. ولذلك ليس يظن بالمقاييس الجزئية منها أنها تنتج غير نتيجتها، إذ موضوع المطلوب فيه جزئي.