ونقول أنه إذا كانت إحدى المقدمتين مطلقة والثانية ممكنة فإن كانت المقدمة الكبرى هي الممكنة والصغرى هي المطلقة، فإن أصناف المقاييس التي توجد في هذا التركيب تكون تامة- أي بينة الإنتاج بحسب المقول على الكل- وهي أربعة أصناف- أعني التي تنتج الموجب الكلي والسالب الكلي والجزئي السالب والجزئي الموجب- وتكون نتائجه ممكنة حقيقية. وأما إذا كانت الكبرى هي المطلقة والصغرى هي الممكنة فإن المقاييس المنتجة في هذا النوع من الاختلاط تكون في هذا الشكل غير تامة. وتكون النتيجة الموجبة منها ممكنة كانت كلية أو جزئية، والسالبة إما ممكنة وإما ضرورية جزئية أو كانت كلية.
[ ٢٥ ]
فلتكن أولا الكبرى هي الممكنة والصغرى هي المطلقة ولتكونا كليتين، فأقول أنها تنتج نتيجة ممكنة. مثال ذلك أن يكون كل جَ هو بَ بالفعل وكل ما هو بَ فهو اَ بإمكان هذا ينتج أن كل جَ هو اَ بإمكان. وذلك أن معنى قولنا كل ما هو بَ فهو اَ بإمكان أي كل ما هو بَ بالقوة أو بالفعل فهو اَ بإمكان، وذلك أن هذا هو شرط المقول على الكل المأخوذ في المقدمة الكبرى الممكنة بخلاف شرط المقول على الكل المأخوذ في الكبرى الوجودية أو الاضطرارية وذلك أنه متى قلنا إن كل بَ هو اَ بالفعل أو بالضرورة فهو بين أن في كثير من المواد إنما تصدق هذه المقدمات على كل ما هو بالفعل فقط- مثل قولنا كل إنسان يمشي وكل إنسان ناطق، فإن هاتين المقدمتين إنما تصدقان على ما هو إنسان بالفعل لا على ما هو إنسان بالقوة- وفي كثير منها يصدق على الأمرين جميعا- أعني على كل ما هو بالقوة وما هو بالفعل- وبخاصة الضرورية- مثل قولنا كل متحرك جسم، فإنه يصدق على المتحرك بالفعل والمتحرك بالقوة. فإذا كان الأمر كذلك فالعام في كل مادة في هاتين المقدمتين- أعني الضرورية والمطلقة- إنما هو أن يكون المحمول موجودا لما هو بالفعل الحد الأوسط- أعني أن تكون اَ موجودة بالضرورة أو بالفعل لكل ما هو بَ بالفعل. فإذن ليس في هذا التأليف مقول على الكل لأن المقول على الكل هو الذي يوجد دائما في كل مادة من التأليف الواحد بعينه، فقول أبي نصر إنه قد يوجد في هذا التأليف مقول على الكل لا معنى له. ولذلك ما يقول أرسطو في هذا الاختلاط أنه متى كانت الكبرى مطلقة والصغرى ممكنة إن القياسات تكون غير تامة، لأن الصغرى إذا كانت ممكنة والكبرى مطلقة أو ضرورية لم يتضمنها شرط المقول على الكل العام في كل مادة فوجب أن يتجنب ما ينتج بحسب بعض المواد كما يتجنب إنتاج الموجبتين في الشكل الثاني وإن كانت قد تنتج في بعض المواد. وأما المقدمة الممكنة الكبرى فالأمر فيها بخلاف ذلك- أعني أنه في كل مادة يصدق فيها أن اَ مقولة بإمكان على كل ما هو بَ بالقوة أو بالفعل. وذلك أن قولنا كل ما هو إنسان فهو ممكن أن يمشي يصدق على ما هو إنسان بالقوة وإنسان بالفعل. وكذلك الأمر في سائر المواد. وهذا أمر ظاهر بنفسه من استقراء المواد. ولا أدري كيف خفي هذا على المفسرين، والأمر في ذلك في غاية البيان. وإذ تقرر هذا فنقول إنه متى كان وعلى قولنا أن كل بَ هو اَ بإمكان- أي أن كل ما هو بَ بالفعل أو بالقوة أن اَ محمولة عليه بإمكان- ثم وضعنا أن جَ هو بَ بالفعل، فظاهر أن اَ تكون مقولة على جَ بإمكان. وكذلك يبين الأمر متى كانت الكلية الممكنة الكبرى سالبة والصغرى المطلقة موجبة كلية أن النتيجة تكون سالبة ممكنة من معنى المقول على الكل بعينه المشترط في المقدمة الكبرى السالبة الممكنة. وذلك أن معنى قولنا أنه ولا شيء من بَ هو اَ بإمكان أي ولا شيء مما هو بَ بالقوة كان أو بالفعل هو اَ بإمكان- ثم نضع أن جَ هي بَ بالفعل، فيجب أن يكون جَ ليس شيئا من اَ بإمكان.
وأما إذا كانت الكبرى هي المطلقة والصغرى هي الممكنة، فإنه لا يكون قياس تام لأن شرط الحمل المطلق الصادق في كل مادة- كما قلنا- هو أن يكون على أشياء موجودة بالفعل لا بالقوة. فمتى وضعنا أن كل بَ هو اَ بالفعل- أي كل ما هو بَ بالفعل فهو اَ بالفعل- وأضفنا إلى ذلك أ، جَ هو بَ بالإمكان، فبين أن جَ ليست داخلة تحت شرط المقول على الكل وأن هذا النوع من المقاييس غير بين الإنتاج بنفسه- أني من المقدمات أنفسها- بل من شيء آخر ولكن هو مأخوذ من المقدمات الموضوعية فيه. وهذا هو شرط القياسات الغير كاملة.
[ ٢٦ ]
فلذلك ما قال أرسطو في أصناف المقاييس التي تكون الكبرى فيها في هذا الاختلاط مطلقة والصغرى ممكنة إنها مقاييس غير تامة، ورام بيانها بالخلف. وهو يوطئ لبيان إنتاج هذه المقاييس الغير تامة أن الكذب المحال ليس يلزم عن الكذب الممكن. وهو أيضا يوطئ أولا لبيان هذا المعنى أنه متى كان شيئان يلزم وجود أحدهما عن الآخر- أي الثاني عن الأول، مثل لزوم النتيجة عن القياس، أعني أنه يجب ضرورة متى وجدت المقدمات أن توجد النتيجة- فإنه يلزم في ذلك الشيئين إذا وجد الأول منهما بالضرورة- الذي هو متبوع- فإن الثاني يوجد- الذي هو تابع بالضرورة. وإذا وجد الأول بإمكان فإن اللازم يوجد أيضا بإمكان- أعني بالإمكان العام، وهو الذي يقابل الممتنع. مثال ذلك أنه إذا فرضنا أنه متى كانت اَ موجودة فإن بَ تكون موجودة بالذات عن وجود اَ وتوهمنا بدل اَ مثلا القياس المنتج وبدل بَ النتيجة، فأقول أنه متى كان وجود اَ ضروريا كان وجود بَ ضروريا ومتى كان وجود اَ ممكنا كان وجود بَ ممكنا ومتى كانت اَ موجودة بإطلاق فإن بَ موجودة بإطلاق فلتكن بَ أولا ممكنة، فأقول أن بَ اللازم وجودها عن وجود اَ تكون ممكنة. برهان ذلك أنه إن كانت بَ غير ممكنة- وأعني هاهنا بغير ممكنة رفع جميع المعاني التي يدل عليها اسم الممكن وهو السالب الذي يصدق على الممتنع، وكان الممكن في وقت ما هو ممكن هو الذي يجوز أن يخرج الى الفعل، وغير الممكن هو الذي لا يجوز أن يخرج إلى الفعل- فإن اَ إذا فرضناها ممكنة وبَ غير ممكنة، فإنه قد يمكن أن توجد اَ وتخرج إلى الفعل من غير أن توجد بَ. وقد كنا وضعنا أنه إذا وجدت اَ وجدت بَ، فيجب أن تكون بَ موجودة وغير موجودة معا، هذا خلف لا يمكن. فإذن واجب متى كانت اَ ممكنة أن تكون بَ ممكنة- أعني أي نوع اتفق مما يقال عليه اسم الممكن.
وإذا تقرر هذا فأقول إنه ليس يلزم عن الكذب الممكن كذب مستحيل. ومثال ذلك إذا وضعنا وجود اَ كاذبا ممكنا- وهو الممكن الذي ينزل موجودا في الوقت الذي هو غير موجود- فأقول إن وجود بَ يكون كاذبا ممكنا، لا كاذبا ممتنعا- وهو الدائم الكذب. ومثال ذلك أن تكون مقدمات القياس أو إحداهما كاذبة ممكنة، فإنه ليس يمكن أن تكون النتيجة كاذبة مستحيلة. وذلك أن اَ إذا كانت كاذبة. فهي في وقت كذبها ممكنة حقيقية. وقد كنا فرضنا أن اَ إذا كانت ممكنة حقيقية أن بَ تكون ممكنة، والممكن ليس بكاذب مستحيل فتكون بَ ممكنة غير ممكنة معا، وذلك خلف لا يمكن. فإذن متى كانت إحدى مقدمات القياس أو كلتاهما كاذبة ممكنة فليس تكون النتيجة كاذبة مستحيلة، بل كاذبة ممكنة.
فإذا تقرر هذا فلنضع مقدمتين كليتين، كبراهما موجبة مطلقة، وصغراهما موجبة ممكنة- مثل أن تكون كل جَ هي بَ بإمكان وكل بَ هي اَ بالفعل، فأقول: إن هذا التأليف ينتج دائما أن جَ ممكنة أن تكون اَ. برهان ذلك أنه إن لم تكن كل جَ ممكنة أن تكون اَ فليكن نقيضها- وهو قولنا ليس يمكن أن يكون كل جَ اَ- ومعنى أن كل جَ ممكنة أن تكون بَ. فإذا أنزلنا هذه المقدمة موجودة بالفعل- وهي أن كل جَ هي بَ بالفعل- كانت كذبا غير محال. فإذا أضفناها إلى اللازم عن قولنا ليس يمكن أن يكون كل جَ اَ، أنتج لنا في الشكل الثالث أن بعض بَ بالضرورة ليست في اَ لأن قولنا ليس يمكن أن يكون كل جَ اَ يصدق معه قولنا بعض جَ ليس اَ بالضرورة. فيكون معنا في الشكل الثالث مقدمتان إحداهما وجودية موجبة والثانية سالبة ضرورية جزئية، فهي تنتج ضرورة سالبة ضرورية جزئية على ما تقدم- وهو بعض بَ ليس اَ بالضرورة. لكن قد كان موضوعا لنا أن كل بَ هو اَ بالفعل وهو نقيض النتيجة، هذا خلف لا يمكن. فالكذب المحال إنما لزم ضرورة عن المقدمة التي أضفناها إلى المقدمة الكاذبة الممكنة- وهي قولنا ليس ممكن أن يكون كل جَ اَ باضطرار- إذ كان الكاذب الممكن لا يلزم عنه كاذب مستحيل على ما تبين. وما لزم عنه محال فهو محال. وإذا كذب قولنا فبعض جَ ليس اَ باضطرار اللازم عن قولنا ليس يمكن أن يكون كل جَ اَ، فقولنا أنه ليس يمكن أن يكون كل جَ اَ كاذب، وإذا كان هذا كاذبا فنقيضه هو الصادق- وهو قولنا كل جَ ممكنة أن تكون اَ.
[ ٢٧ ]
فقد تبين من هذا أن نتيجة هذا القياس هي ممكنة. وإنما يعرض لهذا التأليف أن يكون منتجا بهذه الجهة- أعني أن لا ينتج مرة الإيجاب الضروري ومرة السلب الضروري كالحال في المقاييس الغير منتجة متى أخذت المطلقة الحقيقية، وهي التي يصح فيها الحمل الكلي المطلق، أعني التي يشاهد بالحس وجود المحمول فيها لجميع الموضوع في جميع الزمان أو في أكثره. وهذه هي المقدمات التي تنشأ عن الاستقراء الذي يستوفي فيه جميع الجزئيات- مثل أن كل غراب أسود وكل ثلج أبيض. والفرق بينها وبين الضرورية أن هذه يخطر بالبال إمكان عدمها في الأقل من الزمان المستقبل، والضرورية لا يخطر ذلك فيها بالبال لأن الذهن يشعر فيها بالنسبة الذاتية التي بين المحمول والموضوع. ومن هذه المطلقة- كما يقول أرسطو- تعمل أكثر المقاييس. وأما المطلقة التي توجد في الأقل من الزمان- مثل أن كل متحرك إنسان- فهو بين أنه لا يعمل منها قياس- وبخاصة مع الممكنة- كما لا يعمل في الممكنة الأقلية قياس. وهذه المطلقة- أعني التي لا يصح فيها الحمل الكلي إلا في زمان معين متى أخذت الكبرى والصغرى ممكنة- فإنها توجد مرة تنتج الموجب ومرة تنتج السالب. السبب في ذلك أن هذه المطلقة إنما تصدق الكلية فيها في الزمان الحاضر، والمقدمة الصغرى من جهة ما هي ممكنة ليست بمنطوية تحت الكبرى إذ كان الممكن هو الموجود في الزمان المستقبل.
فهذا هو عندي معنى إيصاء أرسطو أن تكون المقدمات الكلية المأخوذة صادقة على الأزمنة الثلاثة، لا ما يظنه أبو نصر من أن هذه الوصية هي في معنى المقول على الكل، فإنه ليس يمكن أن يوجد المقول على الكل في المقدمة الكبرى الوجودية الحقيقية عاما في الأزمنة الثلاثة إلا في بعض المواد- وهي التي يصدق فيها أن اَ موجودة بالفعل لكل ما هو بَ بالقوة أو بالفعل. وإذا وجد الأمر بهذه الصفة فالتأليف من ذلك يكون منتجا بحسب المقول على الكل. فإن كان أرسطو وصى أن لا تستعمل المقدمات المطلقة إلا في هذه المادة فما باله قد قال أنها غير منتجة بحسب المقول على الكل- أعني المطلقة إذا اختلطت مع الممكنة- وبين إنتاجها بالخلف، وما باله قد قال فيها إنها تنتج الموجب مرة والسالب أخرى. فإذن واجب أن تكون هذه المطلقة هي غير المطلقة التي بين أنها تنتج بطريق الخلف. ويكون السبب عن إعراضه عن المنتج منها بحسب المقول على الكل العام صدقه في بعض المواد لا في كلها وليس هذه الوصية أيضا مما يفهم منها أن المقدمة الوجودية عنده هي التي تشتمل الضروري والممكن كما فهم ذلك ثامسطيوس، فإن هذه المقدمة- أعني المطلقة التي بهذه الصفة- ليس لها وجود خارج الذهن، والقصد هاهنا إنما هو إحصاء جهات المقدمات المطابقة لأصناف الوجود أو للمعارف الأول. فأما أن كان قصد أرسطو بالجهات إحصاء فصول المقدمات من جهة الوجود فليس ينتفع بالمطلقة على رأي ثاوفرسطس وثامسطيوس. وإن كان أراد إحصاءها من جهة المعارف الأول التي لنا بالطبع فقد ينتفع بها، فإن كثيرا ما نعلم أن المحمول موجود للموضوع ونجهل هل هو موجود بإمكان أو باضطرار. ويشبه أن يكون قصد بالمطلقة الأمرين جميعا- أعني المطلقة بحسب الوجود والمعرفة ٠ وهي التي حددنا، لا التي يذكرها الإسكندر فإن تلك لا يأتلف منها قياس إلا بالعرض- أي في وقت ما مخصوص. وإذا خلطت مع الممكن فليس يأتلف منها قياس أصلا- أعني أن تكون الصغرى ممكنة. فعلى هذا التأويل تنحل الشكوك الواردة على كلام هذا الرجل، مع أنه التأويل ألحق اللائق بمذهبه في هذه الصناعة.
[ ٢٨ ]
وأرسطو يبين من الحدود المأخوذة من المواد أنه إذا أخذت في مثل هذا الاختلاط المطلقة الموجودة في زمان معين بالفعل أنه لا يكون قياس منتج أصلا، لأنه ينتج حينا سالبا ضروريا وحينا موجبا ضروريا. والحدود التي تنتج السالب هي الإنسان والمتحرك والفرس. والأصغر هو الإنسان والأوسط هو المتحرك والأكبر هو الفرس. وذلك أن كل إنسان يمكن أن يكون متحركا، وكل متحرك قد يكون في وقت ما فرسا إذا لم يوجد شيء متحرك إلا فرس، والنتيجة سالبة ضرورية- وهي ولا إنسان واحد فرس. والحدود التي تنتج الموجب هي الإنسان والمتحرك والحي. فإن كل إنسان ممكن أن يكون متحركا، وكل متحرك في وقت ما قد يكون حيا إذا توهمنا أنه لا يتحرك في ذلك الوقت شيء إلا الحيوان، والنتيجة موجبة ضرورية- وهي أن كل إنسان حي. وإذا كان الأمر هكذا فلتكن المطلقة المأخوذة هاهنا هي التي لا تختص بزمان دون زمان، وسواء علم من أمرها أنها ليست ضرورية أو جهل ذلك فإن أكثر المقدمات هذه هي حالها.
ولتكن المقدمة الكلية الكبرى سالبة مطلقة والصغرى الكلية موجبة ممكنة، فأقول إنه ينتج سالبة مطلقة باشتراك الاسم- أعني التي تقال على الممكنة والضرورية. ومعنى قولنا في أمثال هذه المقاييس إنها منتجة- أي ليست تنتج الموجب مرة والسالب مرة، بل إنما تنتج إما الموجب فقط وإما السالب فقط- لكن السالب والموجب فيها هو مقول على أكثر من معنى واحد، فهذا هو أحد الأسباب التي من أجله قيل فيها إنها غير تامة. مثال ذلك قولنا كل جَ فهو بَ بإمكان ولا شيء من بَ هو اَ بإطلاق، فأقول إنه ينتج هذا أنه ولا شيء من جَ هو اَ بإمكان. فمرة تكون النتيجة ولا شيء من جَ هو اَ بالضرورة، ومرة تكون ولا شيء من جَ هو اَ بإمكان. برهان ذلك إنه إن لم يكن الصادق قولنا إنه يمكن أن يكون ولا شيء من جَ هو اَ، فليكن نقيضه هو الصادق- وهو أنه ليس يمكن أن يكون ولا شيء من جَ هو اَ. وإذا لم يمكن أن يكون ولا شيء من جَ هو اَ فبعض جَ هو اَ بالضرورة، وذلك بين اللزوم بنفسه. فإذا كان معنا أن بعض جَ هو اَ بالضرورة وأن كل جَ هو اَ بالفعل- وذلك بنقل المقدمة الممكنة في هذا الشكل إلى الوجودية- كان معنا قياس في الشكل الثالث من مقدمتين موجبتين، إحداهما جزئية ضرورية كبرى والثانية كلية مطلقة صغرى. وقد تبين أن هذا قد ينتج جزئية ضرورية بالافتراض. وذلك أنه يرجع من موجبتين كليتين في الشكل الثالث كبراهما ضرورية- وهي أن بعض بَ هي اَ باضطرار- وقد كان موضوعا لنا في القياس أنه ولا شيء من بَ اَ، هذا خلف لا يمكن. والخلف لم يلزم عن الكذب الممكن وإنما لزم عن وضعنا أن بعض جَ اَ بالضرورة، لكن إذا كذب هذا فنقيضه هو الصادق- وهو قولنا ليس بالضرورة هو اَ- وهذا يصدق معه أن يكون جَ ليس اَ بإمكان، وليس اَ بالضرورة، فلذلك تكون نتيجة هذا القياس مرة سالبة ضرورية، ومرة سالبة ممكنة. وقد يبين هذا المعنى من الحدود. فليكن بدل جَ إنسان وبدل بَ مفكر وبدل اَ غراب، فيأتلف هكذا كل إنسان يمكن أن يكون مفكرا ولا مفكر واحد غراب ينتج ولا إنسان واحد غراب- وهي سالبة ضرورية وليكن جَ أيضا إنسانا وبَ عالما واَ متحركا، فيأتلف القياس هكذا: كل إنسان يمكن أن يكون عالما، ولا عالم واحد متحرك بعلمه، فتكون النتيجة كل إنسان يمكن أن لا يكون متحركا بعلمه- وهي سالبة ممكنة.
وقد شك أبو نصر في هذا المثال لما اعتقد أن الوجودية هي التي يوجد المحمول فيها لكل الموضوع في زمان مشار إليه- مثل ما حكاه عن الإسكندر- وقال: إن قولك ولا مفكر واحد غراب هو ضروري لا وجودي، إلا أن تريد بالتفكر التخيل. وهذا كله لعدم التفاته إلى الفرق بين المطلقة والضرورية عند أرسطو لأن الضروري عند أرسطو هو الذاتي. وليس امتناع الفكرة من الغراب من الواجب الضرري عند جميع الناس مثل سلب الإنسان عن الغراب. والوجودية هي الصادقة عنده فقط، والصادق أيضا هو غير الضروري عنده. وبالجملة إذا أخذ الفكر بالفعل كانت المقدمة ضرورية بالعرض مطلقة بالذات.
[ ٢٩ ]
فإن كانت الصغرى في هذا الشكل سالبة ممكنة، فإنه لا يكون قياس تام إذ كان من شرط الإنتاج في هذا الشكل أن تكون الصغرى موجبة. لكن إذا عكست السالبة الممكنة إلى موجبة ممكنة، كان القياس الذي تقدم وكذلك يعرض متى كانت المقدمتان في هذا الاختلاط سالبتين وكانت الصغرى هي الممكنة- أعني أنه لا ينتج شيئا- حتى تعكس الممكنة إلى موجبة. فإن كانت الصغرى في هذا الشكل سالبة مطلقة، فإنه لن يكون قياس منتج كانت الكبرى سالبة ممكنة أو موجبة ممكنة. والحدود التي تنتج الموجب الضروري هي الثلج والحي الأبيض. وذلك أنه ولا ثلج واحد حي وكل حي يمكن أن يكون أبيض، والنتيجة كل ثلج أبيض- وهي موجبة ضرورية. والحدود التي تنتج السالب هي القار والحي والأبيض. وذلك أن كل قار ليس بحي وكل حي يمكن أن يكون أبيض، والنتيجة ولا قار واحد يمكن أن يكون أبيض- وهي سالبة ضرورية.
فقد تبين إذا كانت المقدمتان كليتين في هذا الاختلاط متى يكون قياس منتج ومتى لا يكون، وإذا كان فما منه تام وما منه غير تام. وتبين ما يكون بين الإنتاج من غير التام بقياس الخلف وما يكون بينا بالانعكاس.
فأما إذا كانت إحدى المقدمتين من هذا الاختلاط كلية والأخرى جزئية وكانت المقدمة الكبرى ممكنة كلية سالبة كانت أو موجبة والصغرى الجزئية موجبة، فإنه يكون قياس تام على نحو ما كان الأمر إذا كانت المقدمتان كليتين وكانت الكبرى ممكنة والصغرى مطلقة. وتكون جهة النتيجة هي جهة تلك الكبرى بعينها- أعني ممكنة- إلا أن هذه جزئية وتلك كلية، وذلك بين من معنى المقول على الكل كما كان الأمر في تلك. فإن كانت المقدمة الكبرى كلية ومطلقة غير ممكنة وكانت المقدمة الصغرى جزئية ممكنة كانت المقدمتان موجبتين أو إحداهما موجبة والأخرى سالبة، فإنه يكون عن ذلك قياسات منتجة غير تامة. فمنها ما يبين بالخلف، وهي نظير ما بان بالخلف في هذا الاختلاط الذي فيه المقدمتان كليتان. ومنها ما يبين بالعكس، وهي متى كانت الصغرى الجزئية سالبة ممكنة كالحال فيها إذا كانت سالبة كلية. وأما إذا كانت الصغرى سالبة مطلقة، فإنه لن يكون قياس. والحدود التي تنتج الموجب هي الثلج والحي والأبيض. وذلك أن بعض الثلج ليس بحي وكل حي يمكن أن يكون أبيض، والنتيجة بعض الثلج أبيض. والتي تنتج السالب فالقار والحي والأبيض. ذلك أن بعض القار ليس بحي وكل حي يمكن أن يكون أبيض، والنتيجة بعض القار ليس بأبيض- وهي سالبة ضرورية جزئية. وإذا أخذت هذه الحدود مهملة، قامت مقام الجزئية ولم توهم ما توهم الجزئية في مثل قولنا بعض الثلج ليس بحي إن بعض الثلج حي. وهذا شيء ينبغي أن يعتمد في الحدود التي تؤخذ عامة للجزئية والمهملة.
فإن كانت المقدمة الكلية هي الصغرى والجزئية هي الكبرى سالبة كانت أو موجبة ممكنة أو مطلقة، فإنه ليس يكون في ذلك قياس وكذلك إذا كانت المقدمتان جزئيتين أو مهملتين، فإنه لا يكون قياس كانت الكبرى هي المطلقة والصغرى الممكنة أو بالعكس. والبرهان على ذلك هو البرهان المتقدم على هذه الأصناف في المواد الغير مختلطة. والحدود التي تنتج الموجبة الضرورية في هذه إذا كانت الكبرى جزئية، الإنسان والأبيض والحي والأصغر هو الإنسان والأبيض الأوسط، والحي الأكبر. وأما التي تنتج السالب، فالثوب والأبيض والحي فقد تبين من هذا ما المنتج في هذا النوع من الاختلاط في هذا الشكل- أعني الأول- وما غير المنتج وما كان من المنتج تاما.