قال: وقد بقي علينا بعد ذلك أن نقول كيف تكون لنا قدرة على رد المقاييس المستعملة في الكتب والمخاطبات إلى هذه الأشكال وتحليلها إليها، إذ كانت ليست تستعمل في الكتب والمخاطبات على الطريق الذي ذكرناه، لأن هذا هو الأمر الثالث الذي بقي علينا أن ننظر فيه من أمر المقاييس لأنه إذا عرفنا أنواع المقاييس وكانت لنا قدرة على عملها وقدرة على أن نرد جميع ما يقع منها في الكلام والمخاطبة إلى الأشكال التي ذكرناها فقد تم لنا غرضنا الأول من معرفة القياس مع أنه يعرض لنا عندما نتكلم في حل المقاييس إلى الأشكال التي ذكرنا أن نزداد يقينا بما قيل من أن كل قياس إنما يكون بواحد من الأشكال المتقدمة لأنه إذا وجدنا جميع المقاييس المستعملة في الكتب والمخاطبات ترجع إلى هذه الأشكال حصل لنا بضرب من الاستقراء أن هذه الأشكال هي اسطقسات جميع المقاييس. وهذا هو شأن الشيء الذي يقوم عليه البرهان- أعني أن يوجد حقا من كل وجه يتأمل منه ومتفقا من كل جهة من جهاته. فإن الحق كما يقول أرسطو شاهد لنفسه ومتفق من كل جهة- يعني أنه تشهد منه جهة لجهة.
فأول ما ينبغي أن يفعله من يريد حل المقاييس إلى هذه الأشكال أن يروم وجود المقدمتين في ذلك القول القياسي، فإن المقدمتين هي أعظم أجزاء القياس، وقسمة الشيء إلى أعظم أجزائه أسهل من قسمته إلى أصغر أجزائه. ثم من بعد ذلك فينبغي أن يعلم أيما هي المقدمة الكبرى وأي هي الصغرى، وذلك بين من طرفي المطلوب، وهل صرح بهما معا في ذلك الكلام القياسي أم إنما صرح بواحدة منهما. وإن كان صرح بواحدة وسكت عن واحدة فأي هي المسكوت عنها المحذوفة، هل الكبرى أو الصغرى. فإنه كثيرا ما يعرض في الكلام المتلو والمقروء أن يصرحوا بالكبرى ويحذفوا الصغرى أو يصرحوا بالصغرى ويحذفوا الكبرى. وكثيرا أيضا ما يضعون في القياس من مقدمات ليست نافعة لا في إثبات النتيجة ولا في إبطالها، وذلك إما للإيضاح وإما للإقناع وأما لغير ذلك من الوجوه التي عددت في الثامنة من الجدل. فينبغي لذلك أن نفحص هل أخذ في ذلك القول القياسي مقدمة زائدة أو نقص منه مقدمة ضرورية لنرفض الزائد ونضع الناقص حتى نجد المقدمتين اللتين منهما ائتلف القياس، لأنه متى لم نجد المقدمتين لم يمكن أن نرد القول القياسي إلى أحد الأشكال المتقدمة. ومن الكلام القياسي ما تسهل معرفة ما فيه من الزيادة والنقصان، ومنه ما يعسر، ومنه ما يظن أنه قياس ما- من جهة أنه يلزم عنه شيء باضطرار- وليس بقياس، إذ ليس كل ما يلزم عن شيء باضطرار فهو لازم لزوما قياسيا بل ما لزم باضطرار عن مقدمتين نسبة إحداهما إلى الأخرى نسبة الكل إلى الجزء فهو قياس. فمثال ما هو ناقص ويعسر معرفة ما نقص منه قول من قدم لإنتاج أن أجزاء الجوهر جوهر أن ببطلان غير الجوهر ليس يبطل الجوهر وببطلان أجزاء الجوهر يبطل الجوهر، فإن هذه النتيجة هي لازمة عن هذا القول لكن تنقصه المقدمة الكبرى- وهي أن ما يبطل الجوهر ببطلانه فهو جوهر- وهذه المقدمة هي لازمة من المقدمة التي صرح بها في هذا القول- وهو أن ما ليس بجوهر فليس يبطل الجوهر ببطلانه- وذلك أنه إذا صحت لنا هذه المقدمة صح لنا عكس نقيضها- وهو أن ما يبطل الجوهر ببطلانه فهو جوهر، فإذا أضفنا إلى هذه الصغرى- وهو أن أجزاء الجوهر يبطل ببطلانه الجوهر- أنتج لنا في الشكل الأول أن أجزاء الجوهر جوهر. وقد يمكن أن نحل هذا القول إلى غير هذا الشكل- مثل أن يقال أجزاء الجوهر ببطلانها يبطل الجوهر وهو غير جوهر فلا يبطل ببطلانه الجوهر فينتج في الشكل الثاني أن أجزاء الجوهر ليست غير جوهر ثم يضاف إلى هذا وما ليس هو غير جوهر فهو جوهر فينتج أن أجزاء الجوهر جوهر. ومثال ما نقص منه بعض المقدمات- ومعرفة ذلك مهمل- قولنا إن كان الإنسان موجودا فالحي موجود وإن كان الحي موجودا فالجوهر موجود، فإن كان الإنسان موجودا فالجوهر موجود، وذلك أنه نقص من هذا وكل إنسان حي وكل حي جوهر.
[ ٥٣ ]
وسبب الغلط في هذا هو أن يظن بما لزم باضطرار أنه لازم لزوما قياسيا. فإذن متى وجدنا شيئا قد لزم عن شيء فليس ينبغي أن نتوهمه قياسا تاما إلا إذا وجدنا فيه المقدمتين معا. فإذا وجدنا مقدمتي القياس بهذا الفعل فينبغي أن نقسم المقدمتين أيضا إلى الثلاثة الحدود ونميز الحد الأوسط الذي هو الحد المشترك للحدين اللذين هما طرفا المطلوب، فإنه لابد في كل قياس من حد أوسط. فإن ألفينا الحد الأوسط محمولا على الأصغر وموضوعا للأكبر أو محمولا على الأصغر مسلوبا عن الأكبر، فإنه يكون الشكل الأول. فإن كان الحد الأوسط محمولا في أحدهما مسلوبا عن الآخر على جهة الحمل لا على جهة الوضع فإنه يكون الشكل الثاني. وإن كان الحد الأوسط موضوعا للطرفين إما على طريق الإيجاب أو لأحدهما على طريق الإيجاب وللثاني على طريق السلب، فإنه يكون الشكل الثالث. لأنه قد تبرهن أنه ليس هاهنا نسبة رابعة للحد الأوسط إلى الطرفين والطرفان على المجرى الطبيعي في الحمل، وسواء كانت المقدمتان كلية أو كانت إحداهما كلية والثانية جزئية، ما لم تقع الجزئية كبرى في الشكل الأول والثاني، فإن الحد الأوسط وضعه في ذلك واحد.
وإذا كان هذا هكذا فهو بين أن أي قول لم يوجد فيه شيء واحد مكرر مرتين أن ذلك القول ليس بقياس، لأنه إذا لم يوجد فيه حد واحد مكرر مرتين فليس فيه حد أوسط، وإذا لم يكن هنالك حد أوسط فليس هنالك قياس. ولأنه قد تبين أنه ليس يبين كل مطلوب في كل شكل وأن منها ما يبين في شكل واحد- وهو للكلى الموجب- ومنها ما يبين في شكلين- وهو السالب الكلي والموجب الجزئي- ومنها ما يبين في الثلاثة الأشكال- وهو السالب الجزئي- فهو بين أنه ليس ينبغي أن نلتمس المطلوب في أي شكل أتفق لكن في الشكل الخاص به. فكل ما كان من المطلوبات يتبين بأكثر من شكل واحد فإنما يعرف الشكل الذي به تبين بوضع الحد الأوسط فيه من الطرفين. وكل ما كان إنما تبين في شكل مخصوص فقد يعرف الشكل الذي يبين به من المطلوب نفسه كما تعرفه من وضع الحد الأوسط. وما كان منها يتبين في شكلين فإنا نلتمس فيه أن نجد وضع الحد الأوسط فيه الوضع الذي يكون في ذلك الشكلين فهذه هي التي منها يمكن أن نقف على شكل القياس الذي به أنتج المطلوب في القول القياسي المكتوب أو المتلو.
قد يعرض لنا مرارا كثيرة الغلط والخدعة بأن نظن عند تحليل القول فيما ليس بقياس أنه قياس وعكس ذلك لأسباب شتى. أحدها إذا ظننا أن المقدمات كلية وليست في الحقيقة كلية، يعرض إذا أخذت مهملة فإن شكل القياس يغلطنا في ذلك. مثل أن نأخذ أن الإنسان حيوان وأن الحيوان غير كائن ولا فاسد، فيظن أنه يلزم عن ذلك أن الإنسان غير كائن ولا فاسد، وذلك كذب. والمقدمة الصغرى صادقة بالكل- وهو أن الإنسان حيوان- وأما الكبرى فإنما هي صادقة بالجزء لا بالكل- وذلك أنه ليس كل حيوان هو غير كائن ولا فاسد- وإنما يصدق ذلك على الحيوان الكلي المعقول لا على كل واحد من أشخاص الحيوان.
وقد يعرض الكذب والخدعة من قبل فساد نسبة الحدود بعضها إلى بعض في الوضع حتى نظن فيما هو قياس أنه ليس بقياس، وذلك بأن تؤخذ على الجهة التي هي بها غير صادقة. مثال ذلك أن يقول قائل إن كل إنسان قابل للمرض والمرض ليس يمكن أن يقبل الصحة، فالإنسان لي سيمكن أن يقبل الصحة وذلك كذب. وسبب ذلك أن الحدود في هذه المقدمات لم تؤخذ في الحمل على ما ينبغي، وذلك أنه أخذ بدل موضوع الصحة والمرض والصحة والمرض نفسه- أعني أنه أخذ بدل قولنا صحيح صحة وبدل قولنا مريض مرض- ولذلك إذا غيرنا ذلك فقلنا الإنسان يمكن أن يكون مريضا والمريض يمكن أن يصح، أنتج لنا أمرا صادقا- وهو أن الإنسان يمكن أن يصح.
[ ٥٤ ]
فمتى لم يتحفظ بهذا في أمثال هذه المقدمات فلن يكون قياس. فإنه إذا أخذت الأحوال والملكات بدل القابل للملكات، ليس قياسا في الشكل الأول فقط بل ولا في الثلاثة الأشكال لأنه قد يقول قائل الإنسان يمكن أن يقبل الصحة والمرض ليس يمكن أن يقبل الصحة. وهذا تأليف في الشكل الثاني غير منتج إذ كان ينتج كذبا- وهو أن الإنسان ليس يمكن أن يقبل المرض. وكذلك يمكن أن لا يوجد لهذا التأليف نتيجة في الشكل الثالث. وذلك أن المرض والصحة والعلم والجهل يوجدان في شيء واحد وليس يوجد أحدهما في الثاني، وهذا تأليف الشكل الثالث. فلذلك يظن لهذه العلة أن الأشكال الثلاثة غير منتجة. والسبب في ذلك أنه أخذ بدل الموضوع للملكات والأحوال الأحوال أنفسها والملكات. ولذلك كان واجبا في أمثال هذه المقدمات أن نأخذ القابل للحال مع الحال، وحينئذ نصيره حدا موضوعا محمولا.
والحدود التي ينحل إليها القياس وبخاصة الحد الأوسط فليس ينبغي أن نطلبها أبدا من حيث يدل عليها أسم مفرد، لأن كثيرا ما يدل عليها بقول مركب وبخاصة إذا كان ذلك الحد ليس أسم مفرد. ولذلك قد يعسر أن نرد أمثال هذه الأقاويل إلى الأشكال المتقدمة، ويغلط فس ذلك فيظن أنه قد يكون قياس من غير حد أوسط. مثال ذلك قولنا إنما صار المثلث زواياه مساوية لقائمتين لأن الخارجية منه مساوية للداخلتين. فلذلك ما ينبغي أن لا يطلب الحد الأوسط في كل قياس ولا لفظا مفردا، بل أحيانا يكون قولا وأحيانا يكون لفظا مفردا.
وأيضا ليس يجب أن نطلب للحدود الموجودة في القياس إذا حمل بعضها على بعض إما على جهة السلب وإما على جهة الإيجاب نسبة واحدة من الحمل- مثل أنه إذا أخذنا أن الطرف الأكبر موجود في الأوسط والأوسط في الأخير، فإنه لي ينبغي أن يفهم من ذلك في كل موضع أن الأول صفة للأوسط والأوسط صفة للأخير وأن الأول في الأخير أيضا صفة. وكذلك متى سلبنا حدا عن حد فليس ينبغي أن يفهم منه سلبه على أنه صفة وموصوف، بل إنما ينبغي أن يفهم من ذلك واحدا من أنحاء النسب التي بها نوجب شيئا لشيء أو نسلب شيئا عن شيء أو أكثر من نحو واحد منها إن كان يوجد منها أكثر من نحو واحد من أنحاء النسب. مثال ذلك أنه يصدق قولنا للأضداد علم واحد وقولنا الأضداد علمها واحد وليس يصدق قولنا الأضداد علم واحد. وقد يتفق أن يكون الطرف الأول صفة للأوسط ولا يكون الأوسط صفة للثالث. مثال قولنا الحكمة علم والحكمة للفاضل والنتيجة أن العلم للفاضل. وقد يكون عكس هذا- أعني أن يكون الحد الأوسط صفة للأخير والأول غير صفة للأوسط مثل أنه وضعنا في كل ضد علما والخير ضد فإن النتيجة تكون إن في الخير علما. وقد يتفق أن لا يكون الأول صفة للأوسط ولا الأوسط للأخير يكون الأول صفة للأخير، وهي النتيجة. مثال ذلك أن في الخير علما والعلم له جنس، والخير جنس. وعلى هذا ينبغي أن يفهم الأمر في السلب. فإنه ليس متى سلب شيء عن شيء يدل على أن هذا هو غير هذا، بل أحيانا على أن هذا ليس لهذا أو ليس في هذا وما أشبه ذلك من ضروب النسب. مثال ذلك أنه يصدق قولنا ليس للحركة حركة ولا يصدق قولنا الحركة ليست هي حركة، وكذلك نقول الكون ليس له كون ولا نقول الكون ليس كونا. فإذا أضفنا إلى هذا أن اللذة كون، أنتج أنه ليس للذة كون لا أن اللذة ليست كونا.
وقال بالجملة وبالقول الكلي: أما الحدود الموضوعة فينبغي أن تؤخذ بالجهة التي بها تؤخذ مفردة- يريد بالرفع- لأنه بهذه الجهة يستدل على المقدمات منها. وأما المقدمات فينبغي أن تؤخذ على النحو الذي تكون به صادقة سواء كانت مرفوعة أو غير مرفوعة. فغير مرفوعة مثل قولنا العشرة ضعف الخمسة، والثوب من كتان.
والحدود الموجبة للشيء ليست تكون أبدا مفردة ولا مطلقة، بل قد تكون مركبة كما تكون مقيدة. فينبغي أن يؤخذ كل على النحو الذي هو به صادق من تركيب أو إفراد أو إطلاق أو تقييد، وكذلك الحدود المحمولة على جهة السلب.
[ ٥٥ ]
فأما الحدود التي تكرر في المقدمات في بعض المواضع ثلاث مرات فينبغي أن تكرر مع الحد الأكبر لا مع الحد الأوسط. مثال ذلك قولنا الإنسان محسوس والمحسوس يتلف من جهة ما هو محسوس فالإنسان يتلف من جهة ما هو محسوس، فإنه إن كررنا قولنا من جهة ما هو محسوس مع الحد الأوسط فقلنا الإنسان محسوس من جهة ما هو محسوس كان ذلك كذبا. وكذلك قولنا العدل خير والخير يعلم من جهة أنه خير فالعدل يعلم من جهة أنه خير، فإن وضعناه مع الحد الأوسط فقلنا العدل خير من جهة أنه خير كان كذبا وغير مفهوم. وإنما يحتاج إلى هذا التكرير لأن به تكون المقدمة صادقة، لأنه متى قلنا إن الإنسان يتلف ولم يشترط من جهة ما هو محسوس كان كذبا.
قال: وليس وضع الحدود في مقدمات القياس الذي نتيجته مطلقة مثل وضعها في القياس الذي تنتجه مقيدة ومشترط فيها شرط ما. مثال ذلك أنه إذا بين مبين أن الخير معلوم وأنه معلوم ما بواسطة أنه موجود، فينبغي أن يبين أنه معلوم ما بأن يأخذ في بيان ذلك أنه موجود ما، لا موجود على الإطلاق أخذ في بيان ذلك أنه موجود على الإطلاق. وذلك أنه متى قلنا الخير موجود ما وذلك الموجود معلوم كانت النتيجة أن الخير معلوم ما- أي يخصه- وذلك أن ما المشددة إنما تدل على الذات الخاصية بالشيء. ومتى قلنا إن الخير موجود والموجود معلوم فإنما ينتج لنا أن الخير معلوم من جهة أنه موجود لا من جهة ما يخصه.
وينبغي أن تبدل الأسماء في الحدود إذا كانت غير واضحة بأسماء أوضح منها، وكذلك يبدل القول المركب بالقول المركب الذي هو أوضح منه إذا كان يدل عليه بقول مركب، وإذا كان الحد الذي يدل عليه بقول مركب له اسم فينبغي أن نأخذ اسمه مكان ذلك القول لأنه أسهل وأخص. مثال ذلك أنه إذا كان لا فرق بين قولنا إن المتوهم ليس جنسه المظنون وبين قولنا إن المتوهم ليس هو مظنونا، فينبغي أن يستعمل في القياس قولنا المتوهم ليس هو مظنونا بدل قولنا المتوهم ليس جنسه المظنون.
وبالجملة فينبغي أن يتحفظ بأن تكون العبارة في المقدمات على النحو الذي يكون في النتيجة- أعني أن لا يزاد في النتيجة حرف ليس يؤخذ في المقدمات ولا ينقص منها حرف قد أخذ في المقدمات. وذلك أنه إن كانت النتيجة أن اللذة هي الخير فينبغي أن يؤخذ الخير في المقدمات التي تنتج هذه النتيجة معرفا بالألف واللام. وإن كانت النتيجة أن اللذة هي خير بغير تعريف، فينبغي أن يؤخذ الخير في المقدمات على هذا النحو، لأن بونا كثيرا بين قولنا اللذة خير وقولنا اللذة هي الخير. وذلك أن القول الأول يدل على أن اللذة من الخير، والقول الثاني يدل على أن اللذة وحدها هي الخير.
وإذا أخذت الحدود محمولة بعضها على بعض فينبغي أن يتحفظ فيها بالمقول على الكل. وذلك أنه فرق كبير بين أن نقول في المقدمة الكبرى أن الذي توجد فيه الباء توجد الألف في كله وبين أن نقول إن الألف توجد في كل ما توجد فيه الباء. فإنه إذا أضفنا إلى قولنا إن الألف توجد في كل ما فيه الباء أن الباء موجودة في كل الجيم، أنتج لنا بالضرورة أن اَ موجودة في كل الجيم وأما متى أضفنا إلى قولنا أن الذي يوجد فيه الباء توجد الألف في كله أن الباء توجد في كل الجيم، لم يلزم عم ذلك أن تكون الألف موجودة في كل الجيم إذا كان الشرط إنما هو أن الشيء الذي توجد فيه الباء توجد الألف في كله، فقد يكون ذلك الشيء بعض ما توجد فيه الباء لا كله. فليس يلزم عن ذلك أن تكون الألف موجودة في كل الجيم، إذ قد يمكن أن تكون الجيم من البعض الذي يتصف بالباء ولا توجد فيه الألف. وكذلك متى كانت الكبرى سالبة- أعني أنه فرق كبير بين أن نقول إن اَ مسلوبة عن كل الشيء الذي توجد فيه الباء وبين أن نقول أن اَ مسلوبة عن كل ما فيه الباء. فهو بين أنه إذا أخذ في الحدود أن اَ مقولة على كل الشيء الذي تقال عليه الباء وأن الباء مقولة على كل الجيم، أنه ليس يلزم أن تكون اَ مقولة على كل الجيم. وإن أخذ أن الألف مقولة على كل ما يقال عليه الباء، لزم أن تكون الألف مقولة على كل الجيم.
[ ٥٦ ]
قال: وليس ينبغي أن يتوهم أنا نحيل في قولنا إن الألف هي بَ والباء هي الجيم- أي نأتي في ذلك بقول مستحيل. فإنا لسنا نستعمل هذه الحروف على أنها الشيء المشار إليه المطلوب بيانه، وإنما نأخذها بدل المواد كما يأخذ المهندس الخط الذي يرسمه بدل الخط الذي يقصد البرهان عليه ولذلك قد يضع المهندس أن هذا الخط طول مقدار قدم وأن هذا الخط هو طول لا عرض له، وليس كذلك في الحس. ولذلك وإن كانت الألف المكتوبة ليست هي الباء ولا الباء هي الألف، فلسنا نريد بقولنا إنه متى لم تكن مقولة على كل ما هو بَ وكانت الجيم موضوعة للباء أنه ليس يلزم أن تكون الألف مقولة على الجيم. إلا أنه إذا لم يكن شيء نسبته إلى آخر كنسبة الكل إلى الجزء وآخر نسبته إلى هذا كنسبة الكل إلى الجزء فإنه لا يكون عن ذلك قياس. لكن أخذنا بدل الأمثلة الداخلة تحت هذا القول الحروف لأنه أسهل في التعليم إذ كان إعطاء المثال ضروريا في التعليم.
قال: فبهذا النحو من النظر يمكننا أن نحل المقاييس وليس ينبغي أن نطلب على هذا النحو حل القياس الشرطي لأن ليس يمكن أن يحل القياس الذي تبين على جهة الشرط لأن ذلك إنما يكون على جهة الوضع والاصطلاح بين المتكلمين- مثل أنه إن وضع واضع على جهة الاصطلاح أنه إن كانت توجد قوة واحدة غير قابلة للأضداد فإنه ليس يكون للأضداد علم واحد ثم تبين أنه توجد قوة واحدة غير قابلة للأضداد فيلزم عنه أن لا يكون للأضداد علم واحد. فالذي يمكن أن يحل من هذا القول ليس هو ما وضع على جهة الشرط- وهو قولنا أنه ليس للأضداد علم واحد- لكن الذي يمكن أن يحل هو الشيء الذي يبين على جهة القياس الحملي- وهو قولنا أنه توجد قوة واحدة غير قابلة للأضداد- لأنه قد كان على ذلك قياس- وهو قولنا المرض والصحة أضداد والمرض والصحة ليست قوتهما واحدة فيجب عن ذلك في الشكل الثالث أن ليس كل الأضداد قوتها واحدة، لأنه لو وجد ذلك لوجد الشيء صحيحا مريضا معا. وإنما كان ذلك لأن القياس الشرطي إنما يتبين فيه المستثنى بقياس حملي. وكذلك قياس الخلف ليس يحل منه إلا القياس الحملي الذي يسوق إلى المحال، لا القياس الشرطي، لأنه قد تبين أنه مركب من النوعين من القياس.
[ ٥٧ ]
وهو أيضا بين أن ما كان من المطالب يبين في أكثر من شكل واحد انه قد يمكن أن يحل القول الذي استعمل في بيان ذلك المطلوب إلى أكثر من شكل واحد. والقانون في ذلك أن ما كان من أصناف القياسات التي في الشكل الثاني والثالث التي تشارك الأول في بيان بعض أنواع المطالب-مثل مشاركة الصنف الأول والثاني من الشكل الثاني للصنف الثاني من الشكل الأول في إنتاج السالب الكلي، ومثل مشاركة الأصناف التي تنتج الجزئي السالب في الشكل الثاني والثالث للذي ينتج السالب الجزئي في الشكل الأول- فما كان من هذه الأصناف في الشكل الثاني والثالث مما يبين إنتاجه بالعكس سواء كان بعكسين أو بعكس واحد فقد يمكن ما يكون منه في الشكل الثاني والثالث أن يرد إلى الأول وما كان من ذلك في الأول فقد يمكن أن يرد إلى الثاني والثالث. وأما ما تبين إنتاجه من هذه الأصناف في الشكل الثاني أو الثالث بطريق الخلف أو الافتراض فإنه لا يمكن رجوع ذلك القول إلى الشكل الأول- مثل الضرب الرابع من الشكل الثاني الذي ينتج السالب الجزئي فليس يمكن رجوعه إلى الصنف من الشكل الأول الذي ينتج السالب الجزئي. ولذلك ما نرى أن ما كان من سالب كلي فيمكن فيه أن يحل القول المنتج له إلى الشكل الثاني وإلى الشكل الأول. وأما السالب الجزئي الذي ينتج في الشكل الثاني وفي الثالث فليس يرجع منه شيء إلى الشكل الأول، ولا ما كان في الشكل الأول منه يرجع إلى هذين إلا في التي لا يبين إنتاجها بالافتراض. وأما التي يبين إنتاجها بالافتراض في الشكلين فلا يمكن ذلك فيها. وأما رجوع ما كان في الشكل الثاني إلى الثالث- أعني من التي تنتج السالب- ورجوع ما كان من ذلك في الثالث إلى الثاني فإنما يمكن ذلك في الأصناف التي يمكن فيها عكس المقدمتين معا. وذلك يكون متى كانت المقدمة السالبة كلية- أعني أن كل واحد منهما يرجع إلى صاحبه- لأن السالبة الكلية تنعكس والموجبة الجزئية تنعكس. وأما متى كانت السالبة في الشكل الثاني جزئية فإن الجزئية السالبة لا تنعكس والكلية أيضا إن انعكست تكون جزئية. وكذلك التي في الشكل الثالث إذا كانت السالبة هي الكلية أمكن رجوع مقدماتها إلى الشكل الأول، لأن السالبة الكلية تنعكس والموجبة تنعكس جزئية كانت كلية أو جزئية. وإن كانت السالبة هي الجزئية فإن القياس لا ينحل إلى الشكل الثاني، لأن السالبة الجزئية لا تنعكس.
فقد تبين من هذا القول أي أصناف القياسات التي تشترك في مطلوب واحد من الأجناس الثلاثة من أجناس القياس يمكن فيها أن يحل بعضها إلى بعض وأيها لا يمكن ذلك فيها.
وقد يوقع خدعة في القياس أن يظن بالقضية المعدولة أنها والسالبة قضية واحدة بعينها، وذلك أنه يعرض من ذلك أحد أمرين. إما أن يظن بالمنتج أنه غير منتج، وذلك إذا وقعت القضية المعدولة في الموضع الذي إذا وقعت فيه السالبة يمنع القياس أن يكون قياسا وظن بالمعدولة أنها سالبة فإنه يظن فيما هو قياس أنه ليس بقياس. وأما أن يظن بالنتيجة المعدولة أنها سالبة وهي في الحقيقة معدولة، وذلك إذا وقعت المقدمة المعدولة التي ظن بها أنها سالبة في موضع لا يمنع القياس أن يكون منتجا.
[ ٥٨ ]
والذي يرفع هذه الخدعة أن يعلم أن قولنا في الشيء أنه لا أبيض وأنه ليس بأبيض ليس يدلان منه على معنى واحد، وأنه ليس سالبة قولنا زيد أبيض قولنا زيد لا أبيض بل قولنا زيد ليس بأبيض. وذلك أن نسبة قولنا زيد أبيض إلى قولنا زيد لا أبيض هي نسبة قولنا زيد يمكن أن يمشي إلى قولنا زيد يمكن أن لا يمشي، ونسبة قولنا زيد يوجد أبيض إلى قولنا زيد ليس يوجد أبيض هي نسبة قولنا زيد يمكن أن يمشي إلى قولنا زيد ليس يمكن أن يمشي. فكما أن الممكنين قضيتان موجبتان- على ما تبين في الكتاب المتقدم- كذلك قولنا زيد أبيض، زيد لا أبيض. فإن كان قولنا زيد لا أبيض بمنزلة قولنا زيد ليس بأبيض، فيجب أن يكون كل شيء أما أبيض وأما لا أبيض كما يجب أن يكون كل شيء إما أبيض وإما ليس بأبيض. وهو بين أن الأشياء المعدومة وكثرة من الأشياء الموجودة لا يصدق عليها أنها بيض ولا أنها لا بيض، وأما أنها بيض أو ليست بيض فيصدق على جميع الأشياء. وأيضا لو كان قولنا زيد هو قادر أن لا يمشي بمنزلة قولنا زيد ليس هو قادر أن يمشي، لكان الإيجاب والسلب يجتمعان في شيء واحد بعينه لأنه كما أن قولنا في زيد أنه قادر أن يمشي وأن لا يمشي يصدقان معا كذلك كان يجب أن يكون قولنا فيه إنه قادر وإنه ليس بقادر- أعني لو كان معنى السلب في ذلك هو معنى العدل. وبين أن قولنا قادر وليس بقادر لا يجتمعان معا في شيء واحد بعينه. فالقضية المعدولة تفارق السلب، أما حينا فبأنها توجد هي ومقابلتها معا في شيء واحد، وأما حينا فبأنها قد يخلو الموضوع من كل واحد منهما. وأما القضية السالبة والموجبة فيخصهما أنهما لا يجتمعان في شيء واحد ولا يخلو من أحدهما شيء من الأشياء. ولذلك كان قولنا في سقراط أنه عادل ولا عادل كاذبين معا إذا كان سقراط ميتا، وقولنا أنه عادل أو ليس بعادل يقتسمان الصدق والكذب- أعني أنه ليس يخلو سقراط من أن يوصف بواحد منهما كان ميتا أو حيا. وكذلك قولنا في زيد إنه يقدر أن يمشي ويقدر أن لا يمشي المتقابلان صادقان معا فيه، وقولنا فيه إنه يقدر أن يمشي ليس يقدر أن يمشي أحدهما صادق والآخر كاذب. وإذا كانت القضايا المعدولة موجبات فلها سوالب. وإذا قيست القضايا البسيطة والمعدولة الموجبات فيها والسوالب ظهر لبعضها إلى بعض نسبتان- نسبة تقابل ونسبة لزوم.
[ ٥٩ ]
فلنفرض بدل الموجبة البسيطة- وهي قولنا زيد خير- حرف اَ وبدل سالبتها- وهي قولنا زيد ليس بخير- حرف الباء، وبدل الموجبة المعدولة- وهي قولنا زيد لا خير- حرف الدال، وبدل سالبتها- وهي قولنا زيد ليس هو لا خير- حرف جيم، ولنضع تحت الألف جَ وتحت الباء دَ فكل شيء إما أن يوجد اَ وإما بَ، وليس يمكن أن يجتمعا في شيء واحد إذا كانت إحداهما موجبة والثانية سالبة. وكذلك حال جَ مع دَ، إذ كانت إحداهما أيضا موجبة والأخرى سالبة. وهو بين أيضا أن كل ما يوجد فيه دَ فبالضرورة يوجد في كله بَ، لأنه إن كان قولنا في زيد إنه لا خير صدقا فواجب أن يكون قولنا فيه إنه ليس بخير أيضا صدقا، لأنه واجب أن يصدق عليه قولنا إنه خير أو إنه ليس بخير. وإذا كذب عليه أنه خير فواجب أن يصدق عليه أنه ليس بخير، فإذن كل ما يوجد فيه دَ يوجد فيه بَ فبَ لاحقه لدَ وموجودة حيث وجدت. وليس ينعكس هذا حتى تكون دَ موجودة في كل ما يوجد فيه بَ، لأنه إذا كان زيد معدوما صدق عليه أنه ليس بخير ولم يصدق عليه أنه لا خير. فهذه حال دَ مع بَ في اللزوم. وأما حال اَ مع جَ فبعكس هذا- أعني أن جَ لاحقه للألف وموجودة حيث وجدت. وليس ينعكس ذلك حتى تكون اَ لاحقة لجَ وموجودة حيث وجدت، لأن ما يصدق عليه قولنا إنه خير يصدق عليه إنه ليس لا خير لأنه إما أن يصدق عليه قولنا إنه ليس لا خيرا أو إنه لا خير. وليس ينعكس هذا حتى يكون ما يصدق عليه قولنا إنه ليس لا خير يصدق عليه قولنا إنه خير، فإن زيدا المعدوم يصدق عليه قولنا ليس لا خير إذ كان لا بد أن يصدق عليه قولنا إنه لا خير أو إنه ليس لا خير لأن هذين القولين أحدهما موجب والآخر سالب، وليس يخلو من أحدهما شيء ولا يجتمعان في شيء واحد. وإذا كان هذا هكذا فبين أنه ليس يمكن في جَ- وهي السالبة المعدولة- وفي دَ- وهي الموجبة المعدولة أن يجتمعا في شيء واحد، لأن ما يصدق عليه اَ يصدق عليه جَ وما صدق عليه جيم كذب عليه دَ إذ إحداهما موجبة والأخرى سالبة. وأما جيم- وهي السالبة المعدولة- وبَ- وهي السالبة البسيطة- فقد يجتمعان في شيء واحد، لأنه ليس يلزم وجود دَ فيما توجد بَ وإنما الأمر بالعكس- أعني أن بَ توجد فيما يوجد فيه دَ.
وقد يتوهم أن اَ- وهي الموجبة البسيطة ودَ- وهي الموجبة المعدولة- متقابلتان، وذلك أنه لما كنا وضعنا أن دَ متى كانت موجودة أن بَ موجودة وبَ واَ متقابلتان- أي متى وجد أحدهما ارتفع الآخر وليس يخلو من أحدهما شيء من الأشياء- فإذن دَ واَ بهذه الصفة. لكن لو كان دَ واَ متقابلتان على جهة السلب والإيجاب للزم متى وجد بَ أن يؤخذ دَ، وذلك كذب وخلاف ما بين لأنه كان واجبا أن يصدق على بَ دَ إذ كان كاذبا عليه اَ. وقد يمكن متى وضعنا أن جَ لازمة للألف وأن اَ ليس يلزم جَ أن يبين من ذلك أن بَ لاحقة لدَ وأن ذلك غير منعكس وأنه لا يمكن أن يجتمع دَ واَ ويمكن أن يجتمع جَ وبَ، وذلك أنه إذا كان هذا هكذا فبين أنه ليس يمكن في اَ ودَ أن يجتمعا في شيء واحد لأن بَ محصورة في دَ وحيث وجدت بَ فليس يوجد اَ لأن إحداهما موجبة والأخرى سالبة. وأما جَ وبَ فقد يمكن أن يجتمعا في شيء واحد، لأنه ليس اَ محصورة في جَ فقد توجد جَ حيث لا توجد اَ. وإذا كان كل شيء إما أن يوجد فيه اَ وإما بَ فقد يوجد جَ مرة في اَ وتارة في بَ. وقد يمكن أن يبين ببرهان آخر أنه متى كانت جَ لاحقة للألف أن بَ لاحقة لدَ وأن دَ واَ لا يمكن أن يجتمعا معا وأن بَ وجَ قد يمكن أن يجتمعا وذلك أنه إذا كانت جَ محصورة في اَ وكان كل شيء إما أن يصدق عليه دَ أو جَ فواجب أن يكون صادقا منها على بَ دَ دون جَ، لأن جَ محصورة في مقابل بَ الذي هو اَ. فإذن متى كانت جَ محصورة في اَ فإن بَ محصورة في دَ. وإذا كانت جَ محصورة في اَ وبَ محصورة في دَ فبين أن دَ واَ ليس يمكن أن يجتمعا في شيء واحد وأنه يمكن ذلك في جَ وبَ. وهذا الذي يعرض في القضايا الشخصية المعدولة والبسيطة يعرض مثله في العدمية مع البسيطة. وكما أنه ليس سالبة البسيطة الشخصية الموجبة الشخصية المعدولة الموجبة، كذلك ليس سالبة الموجبة الكلية البسيطة الموجبة الكلية المعدولة.
[ ٦٠ ]
(٢٣٩ بَ) وقد يمكن أن يغلط في هذا الترتيب حتى نظن أن اَ متى كانت موجودة- أعني الموجبة البسيطة- أن السالبة المعدولة موجودة وأنه متى كانت السالبة المعدولة موجودة أن الموجبة البسيطة موجودة. وكذلك الأمر في السالبة البسيطة مع المعدولة. وذلك إنما يعرض متى غلطنا فظننا أن المعدولة سالبة- مثل أن يظن فيما هو خير أنه مقابل ما هو لا خير على جهة الإيجاب والسلب لا على جهة العدل- وذلك أنه متى أخذنا اَ وبَ موجبة وسالبة وأخذنا أيضا اَ ودَ المعدولة موجبة وسالبة عرض ضرورة أن يكون متى وجدت اَ وجدت جَ ومتى وجدت جَ وجدت اَ وكذلك متى وجدت بَ وجدت دَ ومتى وجدت دَ وجدت بَ، وذلك خلاف الترتيب الذي تبين. فأما كيف يعرض ذلك فلانه إذا وضعنا أن اَ وبَ يقتسمان الصدق والكذب على جميع الموجودات ووضعنا أن اَ ودَ- وهي المعدولة- هي بهذه الصفة لزم ضرورة متى وجدنا بَ أن توجد دَ ومتى وجدنا دَ أن توجد بَ، لأن اَ وبَ واَ ودَ لما كانا يقتسمان الصدق والكذب على جميع الموجودات لزم متى كذبت اَ أن تصدق بَ ودَ لأن اَ وبَ متقابلان على جهة الإيجاب والسلب وكذلك اَ ودَ. فإذن متى وجدت بَ وجدت دَ ومتى وجدت دَ وجدت بَ، وكذلك يلزم في اَ مع جَ. وهذا اللزوم المظنون من هذه الأربعة حدود- التي هي اَ وجَ وبَ ودَ- ليس هو في الوجود فقط بل في الوجود والارتفاع- أعني أنهما متلازمان في الوجود والارتفاع- وذلك خلاف ما تبين. والسبب في هذا الغلط أن ظن بالمعدولة أنها سالبة تقتسم الصدق والكذب. وإذن تقرر أن الموجبة البسيطة ليست كالموجبة المعدولة.
مثال ذلك أنه ليس سلب قولنا كل إنسان أبيض قولنا كل إنسان لا أبيض، بل قولنا ليس كل إنسان أبيض. والعلة في ذلك هي العلة التي ذكرنا، وذلك أن قولنا كل إنسان أبيض وكل إنسان لا أبيض يكذبان معا وليس يوجد أحدهما بالضرورة في أي شيء كان من الأشياء كالحال في قولنا كل إنسان أبيض، ليس كل إنسان بأبيض. فإذن القياس الذي ينتج به قولنا كل إنسان لا أبيض هو غير القياس الذي ينتج به أنه ولا إنسان واحد أبيض، وذلك أن قولنا كل إنسان لا أبيض هي كلية موجبة وقد تبين أنها لا تنتج إلا في الشكل الأول. وقولنا ولا إنسان واحد أبيض هي سالبة كلية وهي تنتج في الأول والثاني، وذلك في صنف واحد من الأول وفي صنفين من الثاني، فهي تنتج في ثلاثة أصناف من المقاييس. وكذلك متى كانت المقدمة الصغرى في الشكل الأول معدولة، فليس ينبغي أن يظن به أنه غير منتج كحالها إذا كانت سالبة ولا متى كانت المقدمتان معدولتين كحالها إذا كانتا سالبتين. والمقدمة المعدولة تميز من السالبة بأن حرف العدل هو جزء من المقدمة، ولذلك يدخل أيضا عليه حرف السلب. وليس حرف السلب جزءا من المقدمة، ولذلك محمول الموجبة وموضوعها هو بعينه محمول السالبة وموضوعها.
وهنا انقضت المعاني التي تضمنتها هذه المقالة.