[ ٧٢ ]
فأَما عن ماذا يكون الهم، ومَن يهتم، وبمن يهتم، فإِنا مخبرون ذلك. فليكن الهم حزنا ما يلحق من قبل شر مفسد أَو محزن يعرض للمرءِ بلا استيجاب، وذلك إِذا كان الشر يتوقع أَن يحدث عليه أَو على أَحد ممن يتصل به وكان قريب التوقع. وأَعني بالمفسدات التي تغير البدن، وبالمحزنات التي تفعل الأَذى النفساني. وإِذا كان حد الاهتمام هو هذا، فهو بين أَن غير المهتم يكون بهذه الحال التي أَصف، وهو أَن يظن أَنه ليس شيءٌ من الشرور واقعًا لا به ولا بأَحد ممن هو بسببه، أَعني مثل هذا الشر الموصوف في الحد أَو شبهه أَو قريبا منه. فإِن المتهم هو الذي يتوقع نزول مثل هذا الشر به مع رجاء للخلاص منه. ولذلك لا يهتم الذين قد نزلت بهم الشرور العظيمة مثل الذين عطبوا، ولا الذين يظنون أَنهم سعداء. وذلك أَن الذين يظنون أَنهم سعداء، يظنون أَنهم لا ينالهم شيءٌ من الشر، إِذ كانوا يرون أَن ذلك من السعادة، أَعني أَلا ينالهم شر. ومن هؤلاءِ أَيضا، أَعني الذين لا يهتمون، الذين يظنون أَنهم لا يأْلمون لا من قبل أَبدانهم ولا من قبل نفوسهم، وذلك من قبل أَنهم قد لقوا شرورا فتخلصوا منها، وإِما من قبل أَنهم مشايخ قد طالت مزاولتهم للشرور، وإِما من قبل كثرة التجربة، وإِما لمكان عادة جرت لهم فتطيب نفوسهم كطيب نفوس المقبلين السعداءِ، وإِما لمكان شهرتهم في الناس وذلك أَن المشهورين يرون أَن الشرور بعيدة عنهم لمكان علو أَقدارهم وأَن الناس كلهم معينون لهم. وقد يعرض هذا الظن لمكان التأَدب بالصنائع والأَشياءِ التي تدفع بها الشرور. ومن هؤلاءِ القوم الذين ظنونهم حسنة جميلة لمكان وجود الآباء لهم والأَبناء والنساء بالأَحوال الجميلة، أَعني الذين لم تثكلهم ولا أَحزنتهم الأَيام في واحد منهم. وبالجملة: الذين عرض لهم في هذه الأَصناف الثلاثة جودة الاتفاق. فإِن الشرور المتصلة بهؤلاءِ تصير الإِنسان ضعيف النفس مهتما بأَدنى شيءٍ يخافه. ومن هؤلاءِ: الذين تعتريهم وتوجد فيهم الانفعالات التي تخص الشجاعة، مثل الغضب وشدة القلب، فإِن هؤلاءِ غيرُ ذوي فكرة فيما يتوقع. ومن هذا الصنف أَيضا الناس الذين من أَخلاقهم الشتم والاستهانة، فإِن هؤلاءِ أَيضا لا يهتمون، لأَنهم لا يتوهمون أَنه يقع بهم شر، وذلك لنقص فطرهم. والناس الذين يهتمون هم خائفون جدا جدا لا يهتمون بغيرهم، لأَن المكروبين من الخوف لا يهتمون بآخرين، لأَنهم مشغولون بالأَلم الخاص الواقع بهم. والذين يظنون بأَحد أَنه حقير خامل فليس يهتمون به، لأَنهم يرونه أَهلا لوقوع الشر به، أَو لا يرون أَن وقوع الشر به شر. ولذلك كما يقول أَرسطو: من ظن أَنه ليس في العالم أَحد، فقد يظن الناس جميعا مستوجبين للشر. وبالجملة فإِنما يهتم المرءُ إِذا كان بهذه الحال التي وصفنا، أَعني إِذا كان يتوهم ويتخيل أَن شيئا من أَضداد هذه الأَشياء التي يتخيلها الذي لا يهتم توجد فيه أَو فيمن يتصل به.
فهذا جملة ما قاله في وصف أَحوال الذين يهتمون.
قال: وأَما أَي أَشياء هي التي تفعل الهم، فمعلوم مما قيل في حد الاهتمام. وذلك أَن جميع ما كان من المفسدات، أَعني المغيرات للبدن، وما كان من المحزنات أَعني المغيرات للنفس، فكلها فاعلة للاهتمام، وبخاصة ما كان من المفسدات القاتلة، وما كان من أَنواع الشرور التي اشتمل عليها الحد بأَشد ما يكون.
قال: ومن المفسدات المؤديات إِلى الموت: أَوجاع البدن والجهد والكبر والسقم والحاجة إِلى القوت.
قال: وعدم الإِخوان أَو قلتهم، لما كان من سوءِ الجد، فقد يكون ذلك من الشرور المفسدة التي تهم.
قال: ومن فاعلات الاهتمام الأَحوال التي جرت العادة، إِذا كانت بالناس، أَن تفعل الاهتمام بهم، مثل الأَحوال التي يكون عليها ذوو السقم والزمانة من قبح المنظر والقعود عن الحركة والتصرف. ومما يفعل الاهتمام أَن يصير المرءُ إِلى الشر من حيث أَمل أَن ينال الخير، أَو أَن يصير إِلى أَمر كبير: إِما يكون الذي يصير إِليه يصيب خيرا فلا يكون له شيءٌ من الخير فيه أَلبتة، أَو أَن يكون يصير إِلى خير في الوقت الذي يفوت الاستمتاع بذلك الخير، مثل اليسار في وقت الهرم.
قال: فهذه جملة الأُمور التي تفعل الهم.
[ ٧٣ ]
قال: وأَما بمَنْ يهتم، أَعني من الغير، إِذا توقع نزول الشر به أَو يرثى له إِذا نزل به ويرحم، فإِن هذا هو الفرق بين الاهتمام والرحمة. فالمعارف ومن هم بالإِنسان بسبب، إِن لم يكونوا في غاية القرب من الإِنسان حتى يكون الشر الواقع بهم هو شر واقع بالإِنسان مثل الولد والوالد.
قال: ومن هنا قيل إِن فلانا لرجل مشهور عندهم لما جُلد ابنه وأَشفى من ذلك على الموت لم تدمع عينه ولا حزن. ولما رأَى صديقا له يَسئل من فاقة جزع واهتم.
قال: وإِنما يكون الهم بالغير إِذا توقع حدوث الشر به، أَو الرحمة له إِذا وقع به، لأَن توقع حدوث الشر بالإِنسان نفسه أَو ممن يتنزل منزلة نفسه أَو وقوعه به هو شدة نزلت بالإِنسان، أَو يخاف نزولها. ونزول الشدائد بالإِنسان أَو تخوف نزولها به أَو بمن هو بمنزلة نفسه ومسلاة عن الاهتمام بغيره أَو الرحمة له. وإِذا نزل الشر بالإِنسان فلا يقال إِنه يرحم نفسه، ولا إِذا توقع نزوله لم يقل فيه إِنه مهتم ولكن خائف.
قال: ومِن الذين يهتم بهم همًا أَكثر: الصنف من الناس الذين هم أَشباه الإِنسان، أَعني في الهمم والأَخلاق والمراتب والأَحساب، إِذا كانت الشدائد قريبة الوقوع بهم.
قال: وبالجملة كلما يخافه الإِنسان على نفسه فهو يهتم به إِذا تخوفه على الخير. وذلك إِذا تخيل أَن تلك الآلام والشرور قريبة الوقوع، لأَن الشرور المتخيلة إِنما تكون من أَسباب الهم إِذا تخيلت بهذه الجهة. فأَما الشرور التي يتخيل وقوعها فيما سلف، مثل السنين الكثيرة، فليس يهتم بها ولا تخاف. وذلك أَنها ليست مستقبلة فتتوقع. ولا الذكر أَيضا مما يفعل الخوف والاهتمام. وكذلك الممتنعة الوجود لا تخاف أَلبتة ولا يهتم بها.
قال: وقد يهتم الإِنسان للناس الذين يخيلون بأَصواتهم وهيئاتهم المحسوسة أَنه قد نزل بهم شر أَو قد قارب أَن ينزل لأَنه بما يخيلون من ذلك يجعلون الشر بحيث يتخيل أَنه قريب ويجعلونه نصب العين أَو كأَنه قد وقع. لأَن الهم إِنما يكون في الأَشياءِ التي قد وقعت الآن أَو يتوقع من قرب نزولها. وظهور العلامات والدلالات التي تدل على الشرور، مثل الأَحوال التي ذكرناها من أَحوال الخائفين، إِنما تفعل الهم إِذا دلت عليه بهذه الحال، أَعني أَنه قد حدث أَو قارب حدوثه، وبخاصة إِذا ظنوا أَن أُولئك الذين ظهرت علامات الشر عليهم هالكون، ولا سيما إِذا كان أُولئك الذين ظن بهم الهلاك أَفاضل، وأَكثر من ذلك إِن كان هلاكهم في الوقت الذي الحاجة إِليهم أَكثر أَو الرجاء فيهم أَمكن مثل اَن يعتبطوا أَو يموتوا شبابا. فهذه كلها تفعل الاهتمام أَكثر من غيرها، أَعني هلاك الفضائل بهلاك الفاضلين الذين لا يستحقون ذلك في الوقت الذي الحاجة إِليهم فيه شديدة، من قبل أَنه إِذا وقعت أَمثال هذه الأَشياء أَو دلت العلامات والدلائل على وقوعها، ظن أَن الشر قريب حتى كأَنه يرى نصب العين.
قال: وقد يوجد الاهتمام والجزع انفعالات مضادة، أَعني مبطلة، ولا سيما الحزن الذي يكون على الذين ينالون خيرا بلا استئهال، وهو الذي يسمى نفاسة. لأَن الاهتمام هو الحزن على الشر الذي ينال من لا يستأهله. وهذا الانفعال الآخر هو خلق شريف، أَعني الحزن على من نال خيرا بلا استئهال، وذلك أَن الذين يصيرون إِلى غير ما يستأهلونه من خير أَو شر، فينبغي أَن يحزن لهم جدا جدا. والذين يصيرون إِلى الشر من الأَسباب المعروفة والطرق المعتادة التي بها يفضي الإِنسان ويحكم على مصيرهم إِليها، فقد يرى الناس أَنهم أَهل لذلك. وأَما الذين يصيرون إِلى هذه الأَشياء من طرق غير معروفة فينبغي أَن يكونوا في الوسط من أُولئك، أَعني أَلا يعتقد فيما أَصابه من الشر أَنه كان باستئهال أَو بغير استئهال، بل ينبغي أَن يفوض أَمرهم إِلى الله. لأَن ما نال الإِنسان من الجور والشر من طرقه المعروفة، فسببه الجور والشرارة التي في ذلك الإِنسان، وأَما ما ناله من ذلك من غير طرقه المعروفة، فإِنا نكل علم ذلك إِلى الله ﷿.
[ ٧٤ ]
قال: والحسد أَشد مضادة للاهتمام من الحزن الذي يكون على الخير الذي ناله من لا يستأهله، وهو الذي قلنا إِنه يسمى نفاسة. وكأَن هذا الانفعال قريب من أَن يكون في الوسط، أَعني بين الاهتمام والحسد، لأَنه قريب من الحسد، وذلك أَنه اغتمام بخير، كما أَن الحسد اغتمام بخير. وإِنما الفرق بينهما أَن الحسد اغتمام بخير ناله من يستحقه، وهذا اغتمام بخير ناله من لا يستحقه.
قال: وليس الحسد هو الاغتمام الذي ينال الإِنسان لخير أَصابه مستحقه وأَخطأَه في نفسه، لأَن هذا لا يعْرى منه أَحد، ولا هو أَيضا الاغتمام الذي يناله من قبل أَنه يعتقد أَن ذلك الخير الذي أَصاب المستحق لو لم يصبه لكان سيصيبه، وذلك أَن الاغتمام بالخير الذي أَصاب غيره ولم يصبه هو اغتمام لأَنه لم يعط ذلك الخير ولم يرزقه. والاغتمام بالخير الذي حرمه من أَجل إِصابته لغيره هو اغتمام من قبل أَنه نالته شقاوة بسبب سعادة ذلك. وإِذا كان الأَمر هكذا فالحسد هو الاغتمام بخير يناله المستحق له، لا لأَن ينال هو ذلك الخير.
قال: وهو معلوم أَنه قد يلزم من الاغتمام بنزول الخير والشر بمن يستأهله ومن لا يستأهله انفعالات متضادة. فإِن الذي يحزن لنيل الخير مَن يستأهله ومَن لا يستأهله قد يؤلمه هذا إِذا وقع ويبرؤه من هذا الأَلم وقوع الشر بهم بأَسوإِ ما يكون، أَعني الشرار الذين لا يستأهلون الخير. ولذلك الصنف من الناس الذين يضربون آباءهم أَو يتدنسون بالقتل، إِذا وقعت بهم العقوبة، فليس أَحد من الناس يحزن لهم، بل يفرحون بهذا ويرونه خيرا، لأَنه بمنزلة الفرح الذي يكون إِذا نال الخير المستأهلون له. وذلك أَن الأَمرين جميعا عدل. ومما يسر به الخيار والحكماءُ نزول الخير بمن يستأهله ونزول الشر أَيضا بمن يستأهله. وذلك أضن هذين الأَمرين جميعا، إِذ كانا معا عند الحكماءِ جميلين، فهما جميعا من خلق صنف واحد من الناس، وكلاهما يشتاق إِليه هذا الصنف من الناس. وأَما ضد هذا، وهو الاغتمام بالخير الذي ناله المستحق له، فهو موجود لضد هذا الخُلق، لأَن الذي لا يفرح بهذا ويحزن له هو صنف واحد من الناس وهم أَهل الشرارة والحسد. فإِنه ولا بد إِذا كان المرءُ يحزن لكون شيء ووجوده أَن يكون يفرح بعدمه وفساده. ولذلك مَنْ كان من الناس يحزن لوجود الخير لمن لا يستأهله، فهو يفرح بعدم الخير لهم ووجود الشر. وبالعكس. أَعني أضن الذين يفرحون بوجود الخير لمن يستأهله، يغتمون بعدمه ووجود الشر لمن يستأهله، وهو الذي يسمى أَسى وأَسفا.
قال: وكل هذه الانفعالات التي تتركب من هذه الأَشياء، أَعني من الخير والشر وممن يستأهل ومن لا يستأهل، تشترك كلها في أَنها تضاد الهم. وهي وإِن كانت مختلفة لمكان التركيب، فهي كلها تجتمع في أَنها تصلح أَن تستعمل في نفي الهم.