[ ٣٣ ]
قال: وإِذ قد تكلمنا في الأُمور المشورية، وفي المدح والذم، فقد ينبغي أَن نتكلم في الجنس الثالث من موضوعات هذه الصناعة وهو الشكاية والاعتذار، وذلك يكون بأَن نخبر من كم صنف من أَصناف المقدمات تأْتلف القياسات التي تعمل على طريق الشكاية وطريق الاعتذار، ونعرف ماهية واحد واحد من تلك الأَصناف. وأَصناف المقدمات التي تعمل منها أَقاويل الشكاية هي بالجملة ثلاثة أَصناف: أَحدها المقدمات المأْخوذة من الفاعل، أَعني الجائر. والصنف الثاني المقدمات المأْخوذة من المفعول، أَعني المجور عليه. والثالث المقدمات المأْخوذة من الفعل نفسه. أَما المأْخوذة من الفاعل فمعرفتها تكون بأَن تحصى الأَشياء التي إِذا كانت في الإِنسان ظن به أَنه قد جار، وأَن نخبر ما تلك الأَشياء. وأَما المأْخوذة من المفعول به فأَن نحصى أَيضا الأَشياء التي إِذا كانت في الإِنسان كان معدا لأَن يجار عليه. وأَما المأْخوذة من الفعل فأَن نخبر أَيضا بماذا من الأَفعال يكونون جائرين، وبأَي أَحوال من أَحوال الأَفعال يتأَتى الجور، وكيف يتأَتى ذلك لهم.
قال: وقد ينبغي قبل ذلك أَن نخبر ما الجور، ثم نصير إِلى القول في واحد واحد من هذه الأَشياءِ الثلاثة، فنقول: إِن الجور: هو إِضرار يكون طوعا على طريق التعدي للسنة. والسنة على ضربين: منها خاصة، ومنها عامة.
والسنن الخاصة هي السنن المكتوبة التي لا يؤمن أَن تنسى إِن لم تكتب، وهي التي تخص قوما قوما وأُمة أُمة.
وأَما العامة فهي السنن الغير المكتوبة التي يعترف بها الجميع، مثل بر الوالدين وشكر المنعم.
والفعل يكون طوعا إِذا فعله الفاعل عن علم به غير مكره عليه إِكراها محضا، أَو غير ذلك مما يذكر بعد، ويكون مع هذا ذلك الفعل مما يهواه ويتشوقه. والأَفعال التي تكون طوعا: منها ما يكون عن روية واختيار متقدم لها، ومنها ما يكون لا عن روية متقدمة، لكن عن ضعف روية، لمكان خلق رديء أَو عادة. وهو بيّن أَن الذي يفعل الشيء عن روية متقدمة أَنه يفعله عن علم. وإِذا كان الأَمر هكذا، فهو بيّن أَن الذين يفعلون عن الروية أَو عن ضعف الرأي أَفعالا ضارة أَو غاشة، أَعني مختلطة من ضرر ومنفعة، يتعدون فيها السنة، أَنهم جائرون، وأَن ذلك شر منهم أَو ضعف رأي. وأَن من كانت فيه واحدة من الأَشياءِ التي هي سبب ضعف الرأي، وكان هو سبب وجود ذلك الشيء فيه أَنه جاهل شرير جائر، مثل الجور في المال الذي يكون سببه الرغبة فيه، والجور في اللذات الذي سببه شدة الشبق والشره، والكسل الذي هو سبب الجور في أَشياء كثيرة، وكذلك الجبن. ولذلك قد يفارق الجبان أَصحابه ويسلمهم عند أَدنى شدة تنزل به. وكذلك محب الكرامة قد يفارق أَصحابه من أَجل حب الكرامة. وكذلك المحبون للغلبة يفارقون أَصحابهم من أَجل حب الغلبة. والسريع الغضب وذو الحمية أَيضا والأَنفة قد يضر بأَصدقائه من أَجل عار يلحقه. وأَما الجاهل الأَحمق فإِنما يفعل الجور من أَجل أَنه يلتبس له العدل بالجور. وأَما الوقاح فيفعل الجور لقلة رغبته في الحمد.
وكذلك ما أَشبه هذا من الأَحوال التي تكون سببا للجور لا عن روية. وهذه الأَحوال تعرف من قبل ما تقدم من ذكر الفضائل، ومما يأتي بعد من ذكر الانفعالات، وأَنها بالجملة: إِما خلق رديء وإِما انفعال رديء. والأَخلاق الرديئة تعرف مما تقدم، أَعني من معرفة أَضدادها، وهي الفضائل. والانفعالات تعرف مما يقال بعد في المقالة الثانية.
[ ٣٤ ]
قال: وإِذا تقرر هذا، فقد انتهى القول بنا إِلى أَن نخبر من أَجل ماذا يجور الجائرون، وكيف يكون للجائرين أَن يجوروا، وفي أَي الأَشياءِ يجورون. غير أَنه يجب أَن نبتدئ فنبيّن أَيّ الأَشياء التي من أَجلها يجورون، أَعني الأَشياء التي إِذا اشتاقوها جاروا، أَو إِذا كرهوها جاروا أَيضا. وهو بيَّن أَن القول في الشكاية ينبغي أَن يقدم على القول في الاعتذار، لأَن الذي يريد أَن يشكو يجب أَن يكون معروفا عنده الأَشياء التي يُشكى منها، وكم هي، وأَي هي. وأَما مواضع الاعتذار فليست محدودة كمواضع الشكاية. وإِنما تتحدد مواضع الاعتذار بحسب مواضع الشكاية. والشكاية أَمر وكيد في الاجتماع الإِنساني. ولذلك ترى كثيرا من الناس، إِذا لم يشكوا، أَضروا بأَقربائهم وإِخوانهم. وكل فاعل شيئا على طريق الجور، فإِما أَن يفعله من أَجل نفسه ومن ارادته واختياره فقط، وإِما أَلا يفعله بحسب نفسه واختياره. وهذا إِما أَن يفعله باتفاق وهو الذي يسمى هفوة وفلتة، وإِما أَن يفعله باضطرار: منه ما يفعله من أَجل طبيعته مثل أَن يكون سيء الخلق بالطبع، ومنه ما يفعله من أَجل قاسر من خارج، أَعني أَن لا يكون الفعل الذي يفعله طوعا، بل عن وعيد من خارج أَو تهديد وما أَشبه ذلك. والذي يفعله من تلقاءِ نفسه هو الذي تكون نفسه ومفردا علة كونه، لا شيء آخر يقترن به من خارج. والذي يفعله من تلقاءِ نفسه: منه ما يكون من قبل عادة رديئة أَو خلق رديء، ومنه ما يكون بحسب شهوة وشوق. والذي يكون بحسب الشوق: منه ما يكون بحسب شوق مظنون نطقي، ومنه ما يكون بحسب شوق خيالي. والذي يكون بحسب شوق خيالي: منه ما يكون بحسب شوق غضبي، ومنه ما يكون بحسب شهوة. وإِذا كان هذا هكذا، فالجائرون يجورون لا محالة لمكان سبعة أَسباب: أَحدها لمكان الاتفاق، والثاني لمكان الطبيعة، والثالث لأَجل الاستكراه، والرابع لأَجل العادة والخلق، والخامس من أَجل النطق، والسادس من أَجل الغضب، والسابع من أَجل الشهوة؛ وكلها ما عدى الذييكون عن النطق هي أَقسام ضعف الرأي الذي تقدم.
قال: وليست قسمة الأَفعال الجائرة من طريق الأَسنان والهمم والجدود قسمة ذاتية. لأَن الغلمان وإِن كان جورهم أَكثر فليس ذلك أَولًا وبالذات من جهة ما هم غلمان، بل من جهة أَن الغلمان يكونون غضوبين أَو شهوانيين. وكذلك يعرض للفقراءِ أَن يشتاقوا إِلى المال أَكثر من الأَغنياءِ بسبب فاقتهم، كما يعرض للأَغنياءِ أَن يشتاقوا إِلى المال لمكان اللذات الغير الضرورية أَكثر من الفقراءِ. فمتى نسب الأَغنياء أَو الفقراء إِلى الجور في جنس ما من الأَجناس فليس سبب ذلك القريب الغنى والفقر، بل الشهوة والخلق الذي تكتسب النفس عن الفقر والغنى. وكذلك الحال في الهمم، أَعني أَنه إِن نسب شيء منها إِلى الجور فليس ذلك بذاته وأَولا، بل من قبل أَن الهمم تكون سببا لواحد أَو لأَكثر من واحد من تلك الأَسباب السبعة التي هي أَولا وبالذات أَسباب الجور. ولذلك كان الأَبرار والفجار وسائر الذين يقال فيهم إِنهم يفعلون بحسب هممهم إِنما يفعلون: إِما عن واحد من تلك الأَسباب السبعة المتقدمة أَو عن أَكثر من واحد، وإِما عن أَضدادها، وهم ذوو الهمم الجميلة؛ أَعني أَن الفجار يفعلون عن تلك الأَسباب، والأَبرار عن أَضدادها. مثال ذلك أَن العفيف تلزمه شهوات فاضلة لذيذة، والفاجر تلزمه شهوات رديئة. ولذلك قد يجب أَن يترك هذا النحو من التقسيم هاهنا وتذكر هذه الأَشياء بأَخرة على أَنها أَسباب لهذه الأَسباب السبعة، لا على أَنها أَسباب أُولى لأَفعال الجور. وأَما التي هي أَسباب بالعرض فينبغي أَن نتجنب ذكرها هاهنا أَصلا، مثل أَن يكون المرءُ أَسود أَو أَبيض أَو ضخما أَو نحيفا. فإِن هذه قد يلحقها بالعرض اختلاف الأَخلاق والشهوات. وإِنما ينبغي أَن نذكر هاهنا من أَسباب هذه الأَشياء، أَعني الأَسباب السبعة التي عددنا قبل، الأَعراض التي تغير الخلق بالذات سواء كان نفيسا أَو جسمانيا أَو من خارج مثل الشيخوخة والصّبا والفقر والغنى. فإِن المرءَ إِذا افتقر ظن بنفسه صغر القدر واستحيا من كل شيء يصنعه، وإِذا أَثرى ظن بنفسه العظم ولم يستح من شيءٍ. لكن هذه سيقال فيها فيما بعد.
[ ٣٥ ]
وأَما هاهنا فنرجع إِلى ما كنا بسبيله، فنقول: إِنه إِذا تبينت الأَسباب الفاعلة للجوْر، تبينت الأَسباب الغائية لواحد واحد منها. أَما الذين يجورون بالاتفاق فليس لهم غاية محدودة، ولذلك لا يكون جوْرهم دائما ولا أَكثريا ولا يكون عن ملكة وهيئة ثابتة. وهذا معلوم من قبل طبيعة ما بالاتفاق. وذلك أَن الاتفاق إِنما يكون سببا للأَشياءِ على الأَقل، على ما قيل في كتاب البرهان. وأَما الجور الذي يكون عن طبيعة الجائر وغريزته فهو عن هيئة ثابتة راسخة.
والأَفعال التي تصدر عن هذه الطبيعة هي أَبدًا بصفة واحدة، وذلك إِما دائما وإِما أَكثريا. وغايتها هي غاية الانفعالات الرديئة التي سيقال فيها فيما بعد. وأَما ما كان منه عن حالة خارجة عن الطبع مثل الجنون وغير ذلك من الآفات التي ليست تجرى مجرى الطبع فقد يظن أَنه منسوب إِلى الاتفاق، وليس ينسب إِلى شيءٍ بالذات. وأَما الأَفعال التي تكون عن الإِكراه، أَعني التي هي باختيار ولكن مبدؤها الإِكراه، فغايتها هي غاية الأَفعال الجائرة التي تكون باختيار؛ إِذ كان الإِكراه يعرض لجميع الأَفعال التي تفعل باختيار. وأَما الجور الذي يكون عن الروية والفكر فغايته: إِما الأَشياء التي يظن بها أَنها نافعة وهي الأَشياءُ التي ذكرت في باب المشورة، وذلك هو الشيء الذي يظن به أَنه خير إِما من جهة أَنه يظن به أَنه غاية نافعة أَو أَنه نافع في الغاية النافعة، وإِما الأَشياءُ اللذيذة.
ولذلك قد يفعل الفجار النافعة كثيرًا من أَجل اللذة.
وأَما الجور الذي يكون عن الغضب فغايته الأَخذ بالثأر. والأَخذ بالثأر هو شيء غير العقوبة، لأَن العقوبة إِنما تكون لمكان المعاقب وذلك إِما للأَصلح له أَو للأَصلح للمدينة، أَو لمكان الالتذاذ بنفس معاقبته. وهذه هي المعاقبة السبعية. وأَما الثأر فإِنما هو قصد مساواة الجناية التي جنى، أَعني أَن يجني عليه بمثل ما جنى. وهذه هي الغاية من الثأر التي يعرضها في نفسه الآخذ به. فأَما معرفة حد الغضب ما هو ومعرفة لواحقه فسيقال فيه بعد، وذلك عند ذكر الانفعالات. وأَما التي تكون بالخلق أَو بالعادة فإِنما تكون لمكان اللذة، وكذلك التي تكون عن الشهوة. ولذلك جميع الأَشياء التي يظن بها أَنها لذيذة فإِنما تفعل من قبل سبب واحد من هذه الأَسباب الأَربعة التي يفعل بها المرءُ من تلقاءِ نفسه، أَعني الروية والغضب والخلق والعادة والشهوة.
واللذات التي تكون عن الخلق والعادة قد تكون على وجوه شتى، أَعني أَن منها ما هو طبيعي، ومنها ما ليس هو طبيعيا، وإِنما يلتذ بها من قبل العادة. وبالجملة فجميع الذين يفعلون الجور من تلقاءِ أَنفسهم، فإِنما يفعلون ذلك إِما من قبل أَشياء هي في الحقيقة خيرات أَو يظن بها أَنها خيرات، وإِما من قبل أَشياء هي في الحقيقة لذيذات، أَو من قبل أَشياء يظن بها أَنها لذيذات. لأَن الذين يفعلون من تلقاءِ أَنفسهم إِنما يفعلون لمكان خير عاجل أَو آجل. ولذلك قد يفعلون لمكان شر ينالهم، إِذا اعتقدوا أَنهم ينالون به خيرًا أَعظم من الخير الذي يفقدون بحدوث الشر، أَو اعتقدوا أَنه يندفع عنهم بذلك شر عظيم أُو يكون اللاحق منه يسيرًا. ولذلك قد نختار أَيضا تعجيل المحزنات والمؤذيات، إِذا اعتقدنا أَننا ننال بها في الآجل خيرًا أَعظم أَو شرًا أَقل من الشر العظيم الذي يتوقع حدوثه إِن لم نفعل ذلك الشيءَ. ويستعمل هذا النحو من القصد في وجوه شتى. وإِذ قد تبين أَن الذي يشتاقه الجائر فهو إِما نافع وإِما لذيذ، فقد ينبغي أَن ننظر هاهنا في النافعات واللذيذات كم هي وأَي هي. لكن الأَشياء النافعة قد تقدم القول فيها في باب المشورة. والذي بقي أَن نفرد القول فيه هاهنا هو القول في اللذيذات. والقول فيها هاهنا وتوفية حدودها إِنما يكون بحسب الكافي في هذه الصناعة وهي الحدود المشهورة وإِن لم تكن حقيقية، فنقول الآن:
[ ٣٦ ]
إِن اللذة هو تغير إِلى هيئة تحدث بغتة عن إِحساس طبيعي للشيء الذي أَحس، أَعني إِذا كان المحسوس طبيعيا للحاس. والحزن والأَذى ضد هذا، أَعني أَنه تغير إِلى هيئة تحدث بغتة عن إِحساس غير طبيعي. وإِذا كانت اللذة هذه صفتها، فهو بيّن أَن الذيذ هو المحسوسات التي تَفعلُ هذه الهيئة في النفس. والمؤذيات ضد هذه، أَعني المفسدات لهذه التي تفعل ضد هذه الهيئة في النفس الحسية. وإِذا كانت اللذيذات هي هذه، فمن الواجب أَن ما كان منها بالطبع بهذه الصفة أَن يكون أَكثر لذة ولا سيما إِذا كانت هذه الهيئة انفعالا لا فعلا. وإِنما صار الذي بالخلق والعادة لذيذا، لأَن الشيء الذي يتخلق به أَو يعتاد يصير كالشيءِ الذي هو بالطبع لذيذ دائما من قبل أَن العادة تشبه الطبيعة. وذلك أَن الذي يكون مرارًا كثيرة قريب من الشيء الطبيعي وهو الذي يكون دائما. والعادة تكون مرارًا كثيرة، فهي قريبة من الأَمر الطبيعي. والأَمر الطبيعي يكون بلا استكراه. ولذلك كان الإِكراه مؤذيا محزنا، كما قال شاعر اليونانيين: إِن كل أَمر يكون باضطرار فهو مؤذٍ محزن.
قال: والعناية بالشيءِ والجد والتعب مؤذيات، لأَنها تكون قسرًا وبالكره إِن لم يعتدها. فأَما أَضداد هذه فلذيذات، مثل الكسل والتواني ومخالفة تقديرات الشرع للأَفعال والتودع والنوم من الأُمور اللذيذة، لأَنه ليس شيءٌ من هذه باضطرار. وحيث كانت الشهوة، فهناك اللذة، لأَن الشهوة هي تشوق إِلى اللذات. والشهوات منها نطقية، ومنها غير نطقية، وأَعني بغير النطقية كل ما اشتهى لا من قبل الرويّة والفكر. وهذه هي التي يقال فيها إِنها مشتهاة بالطبيعة كالشهوات المنسوبة إِلى الجسد مثل شهوة الغذاءِ المسماة جوعا، وشهوة الماءِ المسماة عطشا، وأَنواع الشهوات المختصة بنوع نوع من أَنواع الطعوم، وبالجملة: كل ما ينسب إِلى حس اللمس وحس الشم، مثل النكاح والطعام والشراب والروائح الطيبة. فأَما شهوات السمع والبصر فإِنهما يشتهيان مع نطق ما، أَعني أَنه ليس تنشأ شهواتهما معراة من النطق ابتداء، كالحال في شهوة المطعوم والمنكوح. والسبب في ذلك أَن هاتين الحاستين أَكثر مشاركة للنطق من غيرهما. وذلك أَن السمع يشارك النطق من جهة الأَلفاظ؛ ويشارك البصر النطق من جهة الخطوط والإِشارة المستعملة عند التخاطب. والسمع أَشد مشاركة للنطق من البصر؛ وذلك ما يشتهى المرءُ كثيرا أَن يرى ما سمع، وليس يشتهي أَن يسمع ما رأَى. لأَن الالتذاذ الحسي هو نوع من الانفعال الجسماني أَكثر.
[ ٣٧ ]
قال: فأَما التخيل فهو حس ضعيف، يفعل أَبدًا إِما ذكرًا، وإِما تأَميلا. وإِذا هو عَدِمَ الذكر، عَدِمَ التأميل. وذلك أَن التأميل هو ترتيب ممكن في المستقبل لأَشياء قد أَحست في الماضي وهو الذكر فمتى ارتفع الذكر ارتفع التأميل ضرورة. وإِذا كان التخيل حسا ما، فبيّن أَن اللذة إِنما توجد في الذكر والتأميل لأَنهما شيءٌ من الحس، حتى تكون اللذات كلها إِنما توجد اضطرارا في الحس. وذلك أَنه إِذا كانت المحسوسات حاضرة وبالفعل، كانت اللذة في مباشرتها وإِحساسها، وإِذا كانت فيما سلف، كانت اللذة في ذكرها؛ وإِذا كانت فيما يستقبل، كانت اللذة في التأميل. وذلك أَن الحس يختص بالأُمور الحاضرة، والذكر بالسالفة، والتأميل بالمستأنفة. والمدركات اللذيذة ليست هي القريبة من الزمان الحاضر فقط، بل قد يكون بعض الأَشياء كلما قرب عهده يوجد غير لذيذ، وإِذا بعد عهده وجد لذيذا. لأَن القريب كالمملول، والبعيد العهد يصير عند الذاكر أَحسن وأفضل لبعد عهده به فيشبه التأميل. وذكر المرء الكد والنصب الذي قد انقضى وتخلص منه لذيذ. وذلك أَن الرجل الكدود الحريص يلتذ بذكر الكد والتعب، إِذا كان قد أَنجح سعيه فيه أَو نجا به من الشر. فإِن النجاة من الشر أَيضا علة للذة. وأَما الأَشياءُ الملذة التي تؤمل فهي التي إِذا كانت قريبة سرت أَو نفعت، وذلك بأَن تظن جليلة أَو نافعة مع جلالتها إِذا كانت منفعتها ليس يلحق فيها أَذى. وبالجملة فالمؤملات الذيذة هي القريبة من الزمان الحاضر السهلة الوجود. ولذلك كان الغضب لذيذا، وذلك أَن الغضب إِنما يكون إِذا أَمل الإِنسان إِيقاع الشر بالمغضوب عليه، وكان مع ذلك ممكن الوقوع. ولذلك قال أُوميروش فيه: إِنه أَحلى من قطرات العسل. ولكون الغضب إِنما يكون إِذا كان الانتقام ممكنا، لا حاضرا، ولا ممتنعا، ليس يغضب أَحد على الضعيف الذي وقع الشر به، ولا على العظيم القدر الذي يُؤْيَس من وقوع الشر به وهو الذي ليس لرتبته نسبة إِلى رتبة الغاضب عليه، مثل السُّوَق والملوك. وكذلك لا يغضب على الصغير القدر جدا الذي ليس له إِليه نسبة. وكثير من الشهوات تلزمها اللذة وهي حاضرة بالفعل، أَي محسوسة، بل وتلزمها اللذة وهي متخيلة، ولذلك كان الذاكرون للشيءِ، المشتهى كيف ما يذكرونه، قد يجدون له لذة ما. وكذلك الآملون أَن يظفروا بشيء قد يجدون بعض لذة ذلك الظفر. ولهذا كان المحمومون الذين يمنعهم الأَطباءُ من شرب الماء يلتذون بتذكر شربه، وبالرجاءِ أَن يبرأوا فيشربونه. والذين يَسئلون من الناس ما هو خير لهم أَو يكتبون فيه أَو يسعون فيه فقد يلتذون بالطلب والسعي لأَنهم يرجون أَن ينالوا تلك التي سأَلوا حتى تكون موجودة لهم فيلتذوا بإِحساسها بالفعل. والأَشياءُ التي يحبها الكل محبة صادقة هي ثلاثة أَشياء: أَحدها أَن يكون الشيءُ اللذيذ حاضرا، والثاني أَن يتخيلوه إِذا لم يكن حاضرا وذلك إِما بتذكره وإِما بتأميله، والثالث سرعة السلو عن الغموم والأَحزان. ولذلك يكرهون أَن يشاهدوا المغتمين ولا يحضرون المآتم والمناحات لأَنها تزيد في الأَحزان. وبعض الشهوات يوجد فيها غم ولذة معا،. مثل تذكر المحبوب الغائب أَو المائت إِذا فكر وذكر أَيّ امرئ كان وأَيّ أَفعال كانت أَفعاله. ولذلك الذين يعملون المراثي تصيبهم لذة وغم معا.
قال: وقد أَجاد أُوميروش في هذا المعنى إِذ قال: إِنه لما تكلم الناعي بالمرثية صرخ السامعون لها صرخة فاجعة لذيذة.
والأَخذ بالثأر يشبه أَن يكون يُعَد من هذا الباب، فإِن الأَخذ بالثأر يلذ ويحزن معا، ويشبه أَن يعد من الأَشياءِ اللذيذة فقط. ومن الملذات أَلا ينجح العدو. والذي يغضب إِذا لم يبلغ ما يؤمل من العقوبة يلتذ ويغتم معا. أَما اغتمامه فمن قبل أَنه لم يبلغ ما يريده من العقوبة، وأَما التذاذه فمن جهة تأميله البلوغ.
[ ٣٨ ]
قال: والغلبة لذيذة ليس لمحبي الغلبة فقط بل المكل، لأَن الغلبة هي شوق ما إِلى الشرف، أَعني أ، يكون له فضل ما معروف عند الناس، والشرف يشتهيه الكل، وإِن كانوا يختلفون في ذلك بالأَقل والأَكثر. وإِذا كانت الغلبة لذيذة، فإِن الآداب والرياضيات التي تكون لمكان الغلبة لذيذة أَيضا، إِذ كانت نافعة في أَن يَنال بها اللذة، لأَن الغلبة بها تكون أَكثر ذلك، وذلك كاللعب بالكرة والمثاقفة والشطرنج والنرد والحذق بجميع الآداب المخرجة، أَعني الرياضيات التي يقصد بها تحصيل ملكة ما. وهذه الآداب المخرجة على صنفين: منها ما ليس يكون لذيذا من ساعته حتى يعتاده المرءُ فيكون لذيذا من قبل العادة، وهي الآداب التي ليس تلزمها اللذة التي تلزم الملكة الحاصلة بأَخرة عن تلك عن تلك الآداب، بل إِنما يلزمها من أَول الأَمر التعب فقط كالتأَدب بالحكمة؛ ومنها ما يكون لذيذا من ساعته مثل التصيد واللعب بالشطرنج، فإِن المبتدئ فيها يشارك الحاذق فيها، أَعني في الغاية التي يقصدها وهي الغلبة، فيلتذ بديا من أَول الأَمر، كما يلتذ الكامل فيها. والغلبة بالعدل لذيذة. والغلبة التي تكون بالمشاغبة والتمويه لذيذة عند السوفسطائيين الذين اعتادوا أَن ينالوا بذلك مقاصدهم وهممهم، أَعني من الخيرات الخارجة، مثل اليسار والكرامة. ومن الأُمور اللذيذة والجلالة، من قبل أَن الإِكرام يخيل للمكرم في نفسه أَنه فاضل أَو ممن يجتهد في الفضيلة إِذا صدر الإِكرام ممن شأْنه أَن يوقع بإِكرامه للمكرم مثل هذا الظن بنفسه والتخيل، أَعني أَن يتخيل أَنه فاضل. والحضور من المكرمين أَحرى بهذا الفعل من الغيوب. إِذ كان الحضور يشاهدون من أَمره مالا يشاهده الغيوب. فلذلك إِذا أَكرموا أَحدًا، خيل للإِنسان المكرم أَنهم أَكرموه من قبل فضيلة عرفوها فيه. وإِكرام العارف أَحرى بهذا من إِكرام من ليس يعرف المكرم، لهذا المعنى بعينه. وأَهل مدينته أَحرى بذلك من الأَباعد. والموجودون أَحرى بذلك من الذين يأتون من بعد، أَعني الذين يكرمونه في حياته أَحرى بهذا المعنى من الذين يكرمونه بعد موته. وإِكرام الأَكثر من الناس أَحرى بهذا المعنى من الأَقل. فإِن هولاءِ الأَصناف من الناس أَحرى أَن يصدق قولهم في ذي العقل واللب من الناس وشهادتهم فيه أنفع من الأَصناف الذين يتنزلون من الناس منزلة الأَطفال والبهائم وهم الجهال والعوام. ولذلك ليس أَحد يعتد بتكرمة هؤلاءِ لأَحد ولا يحمد أَحد بذلك إِلا يظن أَن ذلك منهم لمكان حسن الطاعة أَو الخوف منه.
والأَحباءُ أَيضا من اللذيذات، لأَن المحبة لذيذة. وكل من يحب شيئا فهو يستلذه. ولذلك لا يستلذ الخمر أَحد لا يحبها. والسبب في ذلك أ، المحبوب هو عند الحب من جملة الخير الذي يتشوقه الكل، وأَعني بالكل الذين يحسون ويتخيلون. وأَن يكون الإِنسان محبوبًا مقربًا من أَجل نفسه، لا من أَجل آخر، لذيذ عند الإِنسان المحبوب، أَعني أَن يحب من أَجل نفسه. وكذلك أَن يكون الإِنسان عجيبا عند غيره، أَي يتعجب منه الغير، لذيذ أَيضا من أَجل هذه العلة، أَني من أَجل الخير الذي يتشوقه الكل. لأَنه إِنما يتعجب منهإِذا انفرد بخيرٍ سبيلُه أَلا يكون في الأَكثر. وذلك أن الشيْ الذي يفضل به على الأَكثر هو لذيذ. والذين يقصدون أَن يتعجب منهم هم أَمثال القوم الذين يجمعون الناس ليروا ما يعملونه من تكلف الأَشياءِ العجيبة والأُمور الفاضلة.
قال: والتملق أَيضا لذيذ، لأَن المتملق يخيل للإِنسان أَنه يتعجب منه، وأَنه ممن يحبه. فالمتملق هو محب مُراء أَو مُعظم مُراء. وتكرير الشيء الواحد بعينه يستلذ، لأَنه بتكرره يستولي على النفس. والمعتاد مستلذ. والتبدل والتنقل من حال إِلى حال لذيذ بالطبع، لأَنه يستفيد به إِحساس شيء جديد. ولذلك ما توجد الأَشياءُ التي تحدث في العالم بالطبع وقتا بعد وقت لذيذة، مثل انتقال الفصول وتغير الدول. وبالجملة: التغييرات التي تحدث بالناس وتغير الناس. والسبب في هذا أَن الشيء الحاضر هو في حد ما قد استوفت النفوس منه حاجتها، ولم يبق لها فيه شيء تستفيده ولا سيما إِذا طال وجوده، فتطلب النفس أَن تستريح إِلى شيء جديد تستفيد منه ما ليس عندها. وكل ما كان الحادث كونه أَقل في الزمن، فهو أَلذ.
[ ٣٩ ]
قال: والتعلم أَيضا لذيذ أَكثر ذلك. وشهوة التعلم في الجمهور إِنما تكون من قبل شهوة الإِنسان لأَن يكون في نفسه عجيبا متعجبا منه، إِذ كان هذان الأَمران لذيذين في أَنفسهما. وأَيضا فإِن التعلم لما كان من جنس الإِدراك، الذي يصير بالطبع من القوة إِلى الفعل والكمال، كان أَيضا لذيذا.
وبالجملة فحسن الفعل وحسن الانفعال من الأُمور اللذيذة. وحسن الانفعال إِنما يلتذ به، لا لنفسه، بل لمكان التشوق إِلى الكمال الحاصل، أَو الذي يظن أَنه يحصل عنه. وأَما حسن الفعل فيلتذ به المرءُ لنفسه ولغيره وهو الذي يقع به حسن الفعل.
وتأَديب القرابات لذيذ. والكفاية وسد الخلة لذيذ.
قال: وإِذا كان التعلم لذيذا، وكذلك يكون المرءُ عجيبا أَو متعجبا منه، فإِن التخييل والمحاكاة أَيضا لشبههما بالتعلم لذيذة، وذلك مثل المحاكاة بالتصوير والنقش وسائر الأَفعال التي يقصد بها محاكاة المثالات الأُول، أَعني الأَشياءَ الموجودة لا الأَفعال التي تحاكي أَشياء غير موجودة. فإِن التي تحاكي بها أُمورا موجودة ليس تكون اللذة بها بأَن تكون تلك الصور المشبهة حسنة أَو قبيحة، بل ولأَن فيها ضربا من المقايسة. وتعريف الأَخفى وهو الغائب الذي هو المشبه بالأَظهر وهو المثال الذي أُقيم مقامه ففيه يضرب ما نوعٌ من أَنواع التعلم الذي يكون بالقياس. وذلك أَن خيال الشيء يتنزل منه منزلة المقدمة، والشءُ الذي قصد تخييله وتفهيمه يتنزل منزلة النتيجة. ولهذا الشبه الذي بين التخييل والتعلم كان التخييل لذيذا.
قال: والحيل والتخلص من المكاره لذيذ أَيضا؛ وإِنما صارت المحاكاة والتعلم لذيذين، لأَن ذلك إِنما يكون بأَخذ الوصل التي بين الأَشياءِ. ومعرفة الاتصالات التي بين الموجودات متشوقة للإِنسان بالطبع ولذلك كانت الأَشباه والأَمثال لذيذة فإِن الإِنسان يلتذ بالإِنسان الشبيه به، والفرس بالفرس، والغلام بالغلام. ومن هاهنا تنتزع الأَمثال، كما يقال: إِن الصبي يفرح بالصبي، واللص يألف اللص، والطائر يقتنص بالطائر، والسبع لا يعدو على السبع، وما أَشبه هذا. وبالجملة المتصلات والشبيهات كلها لذيذة في أَنفسها. وما يجد كل واحد من اللذة في شبيه هو أَمر مشهور. وليس يلحق المتشابهين تباغض إِلا بالعرض. واللذة إِنما هي في إِدراك الاتصال الذي يكون بين شيئين من الأَشياءِ الموجودة في العالم. وكل واحد يحب نفسه، لكن يفضل بعضهم في ذلك بعضا. فكل من وُجد له حب نفسه أَكثر، كان التذاذه ومحبته للشبيه أَكثر. ومن أَجل أَن الإِنسان يحب نفسه، تكون حالاته لا محالة لذيذة عنده، أَعني أَفعاله وأَقواله. ولذلك يوجد أَكثر الناس، وهم الجمهور، إِنما يحبون الأَفعال الجميلة والكرامة والبنين لمحبة أَنفسهم. وذلك أَن البنين أَثر من آثارهم. وسد الخلة لذيذ من هذه الجهة، لأَنه فعل من أَفعاله وكذلك السلطان. وأَن يظن بالإِنسان أَنه حكيم هو لذيذ من أَجل حب الإِنسان نفسه. وكذلك محبة الكرامة هي لذيذة من هذا المعنى. ونفع الأَقارب من هذا المعنى هو لذيذ، والتسلط عليهم. وأَن يرتاض الإِنسان بالأُمور التي ينال بها الفضيلة لذيذ وشريف، لأَنه يخيل له فيه أَنه قد حاز تلك الفضائل التي ارتاض بها. ولذلك مدح أوميروش إِنسانا قسم نهاره أَقساما يفعل في كل قسم منها فعلا يكتسب به نوعا من أَنواع الفضيلة. فإِنه قد حاز تلك الفضائل لما قسم نهاره بتلك الأَقسام، وأَنه رجل فاضل على التمام بها.
قال: والمضحكات لذيذة، والفكاهات المستطرفات لذيذة عند الناس لا محالة في الأَفعال والأَقوال. وقد حددنا الأَشياءَ التي تعمل منها الطرائف والنوادر في كتاب الشعر وكيف تعمل.
وإِذ قد تبين من هذا القول ما هي الأُمور اللذيذة، فقد تبين من ذلك ما هي الأُمور المؤذية والمحزنة، فإِنها أَضداد تلك؛ وإِذا عرف أَحد الضدين عرف الآخر.
ولإِذ قد تبين من هذا القول الأَشياءُ التي من أَجلها يجور الجائر وبها يجور الجائر، فقد ينبغي أَن يصير إِلى القول في الكيفيات والأَحوال التي تسهل الجور عليهم وتحركهم إِليه وأَية حالة هي الحالة التي يكون عنها الجور، فنقول:
[ ٤٠ ]
إنه قد يكون منهم الجور حين يظنون أَن ذلك الفعل مما يستطاع وهو ممكن لهم، وأَن يكون مما يجهل ولا يعلم، أَو يكون مما ينسى في مدة يسيرة إِن لم يكن مما يجهل. وإِن كان مما لا يجهل ولا ينسى فيكون مما لا يلحق الجائر في فعله شر أَصلا لا له ولا لبعض من يعنى به لأَنه عنده مثل نفسه، أَو يكون الشر اللاحق منه أَقل من المنفعة أَو اللذة التي ينالها بالجور وذلك إِما للجائر أَو لمن يعنى به. فأَما ذكر الأَشياء التي بها يكون الفعل ممكنا، فسيقال فيها بأَخرة وذلك في المقالة الثانية، لأَن القول في ذلك عام في جميع المخاطبات الثلاثة. وأَما الأَحوال التي لا يللحق الجائر بها شر أَصلا، أَو يلحقه دون الخير الذي يؤمله، أَو يكون الفعل مما يجهل أَو ينسى في زمان يسير، فيقال ها هنا، إِذ كان ذلك خاصا بهذا الموضع.
قال: وقد يظن أَنهم قادرون على الجور أَكثر من غيرهم: الصنف من الناس الذين يرون أَن لهم فضل قوة على غيرهم، وأَنهم يأْمنون من الشر اللاحق لهم، إِذا جاروا، وذلك إِما في أَنفسهم، وإِما في من يعنون به، وهؤلاءِ هم أَحد صنفين يفعل الجور بفضل قوة، وإِما صنف يفعله بتجربة وروية حتى يقدر في نفسه النحو والجهة التي بها يسلم من الشر، وذلك بطول تجربته ومزاولته المتقدمة. والجائرون يسلمون من الجور في عاقبة أَمرهم إِذا كانوا كثيري الأَخوان، أَو كان أَخوانهم مياسير، ولا سيما إِن كان الإِخوان داخلين في الأَمر معه، أَعني أَن ينالهم من الجور نفع أَو لذة، فإِنه تكون قدرته على الجور أَكثر. وكذلك إِن كان الداخلون فيه المشاركون إِخوان الإِخوان أَو خدم الإِخوان أَو أٌجراء الإِخوان أَو شركاؤهم أَو المنقطعون إِليهم، فإِن الجائرين إِذا كانوا بهذه الصفة كانت لهم قدرة على الجور والامتناع من أَن يعطوا طائلة أَو غرما. وقد يعرض لهم أَن تجهل أَفعالهم وتنسى، أَما جهلها فمن قبل المشاركين لهم، وأَما نسيانها فمن قبل أَنه لا يبدأ بالتظلم من االجائر أَولًا.
قال: ومما يسهل الجور أَن يكون الجائرون أَصدقاء للذين يجورون عليهم، أَو يكونوا أَصدقاء للحكام. أَما كونهم أَصدقاء للذين يجورون عليهم فلأَمرين: أَحدهما أَن الصديق لا يتحفظ من صديقه فيسهل الجور عليه. والثاني أَنه إِذا جارعله أَرضاه بأَدنى شيء قبل الوصول إِلى الحكومة، لأَن اليق يتغابن لصديقه. وأَما كون الحكام أَصدقاء فلأَن الحكام يقضون لمن أَحبوا بالميل والهوى، وذلك إِما بأَن يعفوه من الغرم البتة، وإِما أَن يغرموه اليسير. وهنا أَحوال أَضداد هذه الأَحوال المنسوبة إِلى القوة إِذا كانت في الجائر كانت سببا إِلى وقوع الجور منه، وذلك كالمرض والضعف والفقر. فإِن الضعيف والمريض قد يظن به أَنه لا يجور لأَنهم لا يحتملون العقوبة في أَبدانهم. وأَما الفقير فلأَنه لي عنده ما يغرم. وفعل الجور إِذا كان في الغاية من العلانية يخفيه ويوهم أَنه ليس بجور، وذلك أَن فعل الجائر، إِذا أَشبه فعل المخاتل أَو الهازل، غالط، فظن به أَنه ليس بجور. وأَيضا فإِن أَحدًا لا يتحفظ من الجور الذي يكون علانية لقلة وقوعه، وإِنما يتحفظ من الجور بالجهة التي أَعتيد أَن يكون منها وهو الإِخفاء. فإِن الجهة التي لم يعتد منها فليس أَحد يحذرها. ولذلك لا يتحفظ منا ممن لا قدر له ولا من الإِخوان والولد. ومن الناس من لا يتحفظ بأَفعاله فيوهم بذلك أَنه يجهل ما يفعل أَو ما ينسى. وربما تغافلوا عن أَشياء تقع بهم حتى لا يتوهم عليهم أَنهم يبتدئون بالجور أَصلا. ومما يعين الجائر القوة على الإِخفاء، وذلك إِما بأَمكنة خفية تكون عنده وأَما بحالات فيه من شأْنها أَن تخفى أَفعاله، مثل أَن يكون ظاهره ظاهر من لا يظن به الفعل القبيح. وقد يتمكن من الجور الذين لا يجهلون ولا يجهل جورهم إِذا كان الحكام يجورون بأَحد معنيين: إِما بأَن يحرفوا السنة، وإِما بأَن يسوفوا الحق حتى يمل صاحبه ويترك طلبه. ولذلك اذا كان الجائر له قدرة على التراوغ عن الغرم أَو المماطلة أَو كان عديما سهل عليه الجور.
[ ٤١ ]
والذين تكون لهم المنافع التي يستفيدونها من الجور ظاهرة بينة أَو عظيمة أَو قريبة حاضرة، والمضار اللاحقة عنه إِما قليلة وإِما مجهولة وإِما بعيدة في الزمان بطيئة، يسهل عليهم الجور، وذلك أَنهم لا يتركون النافع المتيقن به للضار المجهول وقوعه، وكذلك لا يتركون النافع العاجل لمكروه آجل، ولا المنافع الكثيرة لمكروه يسير. ومما يسهل الجور أَن يكون فعلا يمدح به الجائر ويذكر، مثل ما يعرض للذي يأْخذ ثأْره في الجائر عليه أَو في أَبيه وأمه. والذي يكون له ثأْر عند واحد من أَهل مدينة فيقتل أَهل المدينة بأَسرها، وبخاصة إِذا كان الضرر اللاحق لهم في المال والاغتراب فإِن هذا كثيرا ما يمدح به، كما قال الشاعر:
عليكم بداري فاهدموها فإِنها تراث كريم لا يخاف العواقبا
وهؤلاءِ يظلمون في الأَمر والمنع، أَعني أَخذ ما ليس لهم ومنع ما عليهم. فهذه هي الأَشياءُ التي تسهل على أَهل الهمم والروية والجور. فأَما أَضداد هؤلاءِ في الأَخلاق والرأي وهم الضعفاءُ الرأي والخلق فقد يحركهم إِلى الجور توقع نفع يسير مجهول، أَعني غير متيقن أَن ينال أَو لا ينال، وقد يحركهم إِلى الجور خوف خسران يسير يدخل عليهم لا أَن يستفيدوا بجورهم شيئا يدخل عليهم سوى أَلا يخسروا شيئا يسيرا من كثير ما معهم وقد يحرك هذا الصنف من الناس إِلى الجور أَن يجوروا فيخطئوا غرضهم ولا يظفروا بما راموا من الجور فيحركهم ذلك على أَن يجوروا مرة بعد مرة، كما يعتري كثيرا من المنهزمين أَن يعودوا إِلى القتال على جهة اللجاج بعد أَن يهزم مرة ثانية. والذين تحركهم إِلى الجور اللذة في أَول الأَمر مع الحزن الذي يكون بأَخرة أَو يستعجلون المنفعة أَولا مع وقوع المضرة بهم في العاقبة، وأُخر هم أَيضا من هذا الصنف. فإِن الضعفاء الرأي قد يوجدون بهذه الحال عند كل ما يشتاقون إِليه. وأَضداد هؤلاءِ هم الذين يحركهم إِلى الجور أَن يكون المؤذي الضار متقدما لهم، واللذيذ النافع متأَخرا أَو بعد زمان. وهؤلاءِ فهم ذوو الأَصالة واللب الذين في الغاية، وهم أَهل الشر العظيم لأَنه يظن إِن تلك المنافع واللذات المتأَخرة لم ينالوها بجورهم، وإِنما نالوه بوقوع الجور منهم والضرر الذي يتعجلونه أَو الأَذى، فلا يظن بهم الجور أَصلا. وقد يحرك ذوي الدهاءِ والمكر إِلى الجور أَن يخرجوه في صفة ما لا يظن به أَنه جور. وذلك يكون بوجوه: أَحدها أَن يظن أَن ذلك الفعل كان باتفاق، أَو يظن أَنه كان بإِكراه، أَو يظن أَنه كان من أَجل طبيعة، أَو أَنه كان عن خطأ وجهل لا عن تعمد، أَو أَنه كان عن عادة تقدمت له، أَو يكون الفعل بحيث لا يستفيد منه شيئا ينتفع به في الحاضر بل في المستقبل. فإِن الذي لا يستفاد منه شيءٌ في الحاضر يظن به أَنه غير مقصود لأَحد وأَنه غير محتاج إِليه وأَنه لا يجار إِلا من قبل ما يحتاج إِليه. والمحتاجون على ضربين: إِما بالضرورة كالفقراءِ، أَو بالشره كالأَغنياءِ. والجور على جهة الضرورة أَعذر على جهة الشره، ولذلك يهون هؤلاءِ جدا، وإِن كانوا كثيرا ما ينجحون. وذو اللب والحزم إِذا ظفر بالشيءِ الذي جار من قبله يُرى كأَنه لا يستحسن ذلك الشيءَ ولا يسر به. وأَما ذوو الرأْي الضعيف فهم يظهرون السرور بما ينالونه بالجور. والجائرون من قبل واحد من هذه الأَسباب المخفية للجور والمسهلة له، إِذا ظفروا بما أَملوه من ذلك، فقد صدقت ظنونهم.
فهذا جملة ما قاله في الأَشياءِ التي تسهل الجور على الجائرين وتبعثهم عليه.
[ ٤٢ ]
وأَما الذين يضر بهم الجائرون وهم المظلومون بالطبع، أَعني الذين يطمع فيهم أَهل الشر، فهم الذين يجهلون ما يفعل بهم فلا يرون أَنه جورٌ، أَو الذين ينسون ما يفعل بهم من الجور بسرعة، وإِن لم يجهلوه، وما أَشبه هؤلاءِ من الذين لا إِخوان لهم أَو لهم إِخوان فقراء. والجور الذي يكون في المال إِنما بمن يقع بمن عنده مال، إِذا كان في ذلك المال الشيءُ الذي يحتاج إِليه الجائر، وذلك إِما لموضع الضرورة إِن كان فقيرا أَو لموضع الشره إِن كان غنيا قصده جمع المال فقط أَو لموضع التنعيم إِن كان قصده إِنفاق المال والتمتع به. والمسوفون بطلب حقوقهم يقع بهم الجور كثيرا، وكذلك القرابة والإِخوان، وذلك أَن المرءَ لا يتحفظ من صديقه. وإِذا جار عليه فقد يجهل أَنه جار عليه. فجميع هؤلاءِ الأَصناف يمنعهم من الانتقام من الجائر إِما عدم الناصر كالفقر وعدم الإِخوان، وإِما تسويف الانتقام وتأْخيره. ولذلك كثيرا ما ينجح الذين يسلبون أَقرباءَهم حين يجهلون جورهم من أَول الأَمر حتى يدرس وينسى.
والصنف من الناس المتوَقَّين من الشر المتباعدين منه الذين يصونون أَنفسهم عن أَن يبتذلوها في الخصومات كثيرا ما يجار عليهم.
[ ٤٣ ]
وكذلك يعرض للناس الذين لا يتحفظ من شرهم الصحيحي المعاملة الموثوق بهم المنصفين، أَعني أَن يطمع في الجور عليهم. وهؤلاءِ قد يمكن أَن تجهل منهم هذه الأَحوال فلا يتصدى أَحد للجور عليهم. وذوو الكسل والتواني يطمع في الجور عليهم. وكذلك الجاهلون بما هو جور وعدل، وبالجملة: بما يحكم به الحاكم، لأَن استخراج الحقوق عند الحكام إِنما هو للرجل البصير النافذ، أَعني العارف بما يحكم به الحكام. ومن الذين يجار عليهم الصنف من الناس الذين يغلب عليهم الحياءُ، لأَنه ليس عندهم صخب ولا مغالطة في طلب منافعهم. والذين أَيضا قد ظلمهم ناس كثيرون يجار عليهم لأَنهم يلفون قد ذلت نفوسهم وأَمن شرهم. والذين ليس تخرج لهم الأَحكام إِذا حضروا مجالس الحكام والسلاطين، إِذ ليس لهم قدر، يجار عليهم. لأَن هؤلاءِ كما قيل منحون أَبدًا. والذين أَيضا يرومون الأَخذ مرارا كثيرة فلا يأْخذون شيئا يجار عليهم. لأَن كلا الصنفين مزدرى به لا يتحفظ منه إِلا على الإِطلاق وإِما في وقت ما. لأَن هؤلاءِ القوم مذمومون، والمذمومون لا يتحفظ منهم، لأَنه لا ناصر لهم. وإِنما كان ذلك كذلك، لأَن هؤلاءِ لا ينفذون إِراداتهم ولا آراءهم، لأَنهم يخافون الكلام ولا يستطيعون أَن يأْذنوا أَو يمنعوا. وذلك أَنه لا يخلوا واحد من هؤلاءِ أَن يكون متقدما عليه في المجلس أَو مستهانا به أَو منفورا عنه. والذين عندهم لقوم ترة قديمة أَو سوءُ بلاء إِما من قبل أَجدادهم أَو من قبل آبائهم أَو من قبل أَنفسهم أَو من قبل إِخوانهم مهيئون أَن يجور عليهم أُولئك القوم جورا أَكثر من الجور المتقدم. وكذلك إِن كانوا تهاونوا بهم أَو بآبائهم أَو بمن يعنون به. ولذلك يقال في المثل: إِن الشر اليسير يستثير الكثير، وإِن الشر قد تبديه صغاره. والذين تقدمت منهم ترة قديمة: إِن كانوا أَصدقاء وتقدمت منهم ترة يسيرة، فإِن القول فيهم واستماعه يكون سهلا، لا يقع من المقول فيه موقع مكروه. وإِن كانت الترة كبيرة، كان القول فيهم أَو استماعه لذيذا عند الذين لهم الترة عندهم. وإِن كانوا أَعداء، كان القول فيهم واستماعه مع تهاون بهم وأَلا يرى لهم قدر. فالمستمعون إِما أَلا يقولوا فيه شيئا، وإِما أَن ينكروا على القائلين، وإِما أَن يمالئوا على القول ويزيدوا فيه. وهنا صنف من الناس يجار عليهم وينالون بالضر والانتقام، لا لمنفعة، لكن لمكان الاستلذاذ بذلك. وهؤلاءِ هم الغرباءُ: إِما في المدينة، وإِما في الجنس، وإِما في الشيم، وإِما في اللسان، وإِما في المللة. فإِن الإِنسان يستلذ الجور على الغرباءِ بأَحد هذه الخمسة الأَنحاء. والجور الواقع بهؤلاءِ هو التهاون. فإِن الجور يكون في المال والكرامة والسلامة. وأَهل الغفلة يجار عليهم أَيضا. وإِنما يستلذ الجور على الغرباءِ لأَنهم لا يعرفون ما هو إِهانة واستخفاف عند أَهل تلك المدينة، أَو عند ذلك الجنس وكذلك الحال في أَهل تلك الغفلة. ومن الذين يستلذ الجور عليهم الصنف من الناس الذين يقلقون بالأَشياءِ اليسيرة ويصيبهم منها كرب، وذلك بيّن في أَفعال أَهل اللعب في هذا الصنف من الناس.
[ ٤٤ ]
قال: والذين جاروا كثيرا على الناس قد يستلذ الجور عليهم لا لمنفعة، ويظن به أَنه قريب من أَلا يكون الجور عليهم جورًا، وذلك مثل أَن يضرب أَحدٌ من قد تعود شتيمة الناس ونقصهم، فيشجه أَو يجرحه. والذين أَيضا أَتوا أَمرا قبيحا فاحشا عند الناس إِما بعمد وإِما بغير عمد، فإِن الجور عليهم لذيذ حسن عند الناس، والفاعل لذلك يرى غير جائر. والذين يسرون أَيضا بأَفعال هؤلاءِ أَو هم أَصدقاؤهم ويتعجبون من أَفعالهم. وبالجملة من أَتى سوءًا يستلذ الناس الجور عليهم، وكذلك بالجملة الذين يتعلقون بمن فعل سوءًا أَو يمشون معه. والصابرون من الناس المغضون بالحقيقة يستلذ الناس الجور على من جار عليهم. والذين يبتدئون بالظلم، فإِن الظلم الواقع بهم قريب من أَلا يكون جورًا، ولذلك قيل: البادئ أَظلم، وذلك مثل أَن يقتل إِنسان من قصده بالقتل. والقوم الذين يصادفون على شرف من الهلاك قد يبادر الناس للجور عليهم، لأَنه يخفى أَنهم كانوا سبب ذلك الجور. وقد يستلذ الجور على الطائفة التي تجور على من أَشرف على الهلاك، وبخاصة إِذا كانوا أَقوياء على دفعهم فتظالموا لهم وتعافوهم وأَبوا أَن يؤذوهم. ويعلم مع هذا أَنهم لو لم يصيروا إِلى هذه الحال بتظالمهم وتعافيهم عن الطائفة التي أَصارتهم إِلى هذه الحالة من الإِشراف على الهلاك لما تجرأَت الطائفة الأَخيرة أَن تجور عليهم، كما عرض، فيما حكاه، في جزيرة معلومة عندهم، وذلك أَن قوما سبوهم غصبا وجورا لأَنهم صادفوهم على شرف من الهلاك من قوم آخرين، وقد كانوا يقدرون أَن يدفعوا عن أَنفسهم ظلم الذين صيروهم بهذه الحال فلم يفعلوا ولكن تظالموا لهم وعفوا عنهم حتى صاروا من أَجل ذلك إِلى حالة أَمكن فيها هؤلاءِ الآخرين أَن يسبوهم جورا وغصبا.
فهذه هي الأَشياءُ التي إِذا كانت في الإِنسان حركت الجائر إِلى الجور عليه، وهم المظلومون بالطبع. وأَما الأَشياءُ التي يسهل الجور فيها فيجور فيها الكل والأَكثر من الناس فهي الأَشياءُ التي يكون فيها الصفح هي الأُمور اليسيرة الحقيرة. والأَشياءُ التي تستتر فتخفى هي الأَشياءُ التي تفسد أَعيانها سريعا مثل الطعام، أَو الأَشياءُ التي يسهل تغير أَشكالها أَو أَلوانها أَو التي تغير بالمزاج والخلط.
والأَشياءُ بالجملة التي يمكن أَن تغير أَشكالها في أَمكنة كثيرة منها هي أَسهل إِخفاء ولا سيما إِذا كان التغيير منها في أَمكنة صغار. فإِنه كلما كان إِمكان التغيير في الشيءِ أَكثر وأَسهل كان إِخفاؤه أَسهل. وكذلك تخفى الأُمور التي يعلم أَنه قد كان عند الجائر أَشباهها أَو ما لا يشبهها فيدخلها في جملة ما يشبهها أَو يغيرها إِلى التي لا تشبهها من التي تعلم أَنها عنده. ولذلك يتقدم كثير ممن يريد أَن يظلم فيقتني نوع الشيءِ الذي فيه يريد أَن يظلم أَو نوع الشيء الذي يريد أَن يغيره إِليه. وكل ما يستحي المظلوم من ذكره فهو مما يخفى مثل الجور في النساءِ، فإِن إِظهاره فضيحة وعار على المجور عليهم في أَولادهم.
فهذه الأَشياءُ وما أَشبهها هي الأَشياءُ التي يسهل فيها الجور، إِذ يكون فيها الصفح أَو الاستتار. فقد تبين من هذا القول الأَشياءُ التي من أَجلها يجور الجائر، والأَحوال التي إِذا كانت في الإِنسان طمع أَهل الجور فيه.
وبقي الصنف الثالث من الأَشياءِ الثلاثة التي منها تؤخذ المقدمات التي يتبين بها أَن الجائر قد جار، وهي معرفة الأَفعال التي إِذا تبين أَنهم فعلوها، فقد تبين أَنهم قد جاروا، والأَحوال التي إِذا كانت في الفعل كان جورا. وينبغي أَن نقدم أَولا أَصناف الظلم وأَصناف الواجب، أَعني ما ليس بظلم. وقد قيل فيما سلف أَن أَصناف الظلم تكون نحو شيئين وهما إِما اللذيذ، وإِما النافع، وإِنها توجد في الذين توجد فيهم على جهتين: إِما لدفع مضرة، وإِما لاجتلاب منفعة.
[ ٤٥ ]
والسنن التي توقف على ما هو جور وعلى ما ليس بجور منها خاصة بطائفة من أَهل المدينة، ومنها ما يعم جميع أَهل المدينة. وهذان الصنفان من السنن مكتوبة، ومنها غير مكتوبة، وأَعني بغير المكتوبة تلك التي هي في طبيعة الجميع وهي التي يرى الكل فيها بطبعه أَنها عدل أَو جور، وإِن لم يكن بين واحدٍ واحدٍ منهم في ذلك اتفاق ولا تعاهد. وهذه أَيضا قد تسمى عامة بهذه الجهة. وهذه السنن ليس يعلم متى وضعت ولا من وضعها. وهي كثيرًا ما تضاد المكتوبة. فيقنع بها، فيما اعتقد فيه أَنه جور بحسب المكتوبة، أَنه ليس بجور. كما حكى أَرسطو عن رجل مشهور عندهم لما أخبر عنه بأَنه دفن على غير سنة الدفن الخاصة ببلده، اعتذر عنه في ذلك بأَنه دفن على السنة العامة الموجودة في الطبيعة، وإِن دفنه كان عدلا لا جورا. وأَما السنن المكتوبة الخاصة بقوم قوم فهي مثل ما يرى بعض الناس أَنه لا ينبغي أَن تقتل ذوات النفوس كالحيوانات وأَنه جور. فإِن هذا ليس واجبا عند الجميع ولا بالطبع. وإِذا كانت السنن الموقفة على العدل وما ليس بعدل: منها ما هي نحو العامة والكل من أَجل المدينة، ومنها ما هي نحو واحد واحد، أَعني أَن منها سننا توقف على ما ينبغي أَن يفعل في أَمر العامة وأَلا يفعل، وسننا توقف على هذا المعنى في أَمر واحد واحد، فبيّن أَن أَصناف الظلم والواجب، أَعني ما ليس بظلم، تنحصر في هذين الصنفين، أَعني أَن الظلم وفعل الواجب: إِما أَن يكون نحو واحد واحد، وإِما أَن يكون نحو الجميع. مثال ذلك أَن الذي يزني أَو يضرب هو ظلم نحو واحد محدود، والذي يمتنع من الدخول في الشرطة، وهي عند أَرسطو حراسة أَهل المدينة بعضهم من بعض، فقد يظلم ظلما عاما. وكذلك الذي يمتنع من الحراسة، وهو الذي يحفظ المدينة مما يرد عليها من خارج ولا يتعدى في حفظه حدود المدينة، أَو الذي يمتنع من القيادة وهو الذي يسير بجند المدينة وحماتهم إِلى قوم غرباء للغلبة على نفوسهم أَو على أَموالهم أَو على مدينتهم. وكل واحد من هؤلاءِ متى لم يفعل فعله، لحق المدينة منه جور عام وضرر شامل. فهذه القسمة واقعة في جميع أَصناف الظلم، أَعني أَن منه ما هو عام، ومنه ما هو نحو واحد واحد.
وإِذ قد وصفنا أَصناف الظلم، فقد ينبغي أَن نصف ما هي الظلامة، أَعني المعنى الذي إِذا وقع بالإِنسان وانفعل له سمى مظلوما، فنقول: إِن الظلامة هي أَن يمس إِنسانا شيء من الجور من إِنسان آخر بمشيئته واختياره. وذلك أَن الجور، كما قد قيل، إِنما هو إِضرار يكون بالمشيئة. فالظلامة هي أَن يستضر آخر بمشيئة الجائر.
وأَصناف الأَشياء الضارة إِحصاؤها في هذا الموضع واجب، إِلا أَنه قد ذكرت فيما تقدم، وذلك في باب المشورة، لأَنه لما ذكرت النافعات هنالك تبينت أَضدادها؛ وكذلك هي أَيضا مذكورة في باب الذم. وكذلك قد تقدم القول في أَصناف الأَشياء التي تكون عن طوع. والشكايات - بالجملة - العامة والخاصة تنحصر في أَربعة أَصناف: أَحدها ما يكون بلا علم من الفاعل وهو الكائن عن الاتفاق؛ والثاني ما يكون مع علم بلا مشيئة وهو الإِكراه؛ والثالث ما يكون عن اختيار وروية؛ والرابع ما يكون عن انفعال من الانفعالات، وأَكثر ما يكون ذلك عن الغضب. فأَما الغضب وما يكون عنه فسيقال فيما بعد. وأَما التي تكون عن تقدم الاختيار والروية فقد قيل فيها فيما تقدم. وليس يحتاج الشاكي إِلى معرفة أَصناف الظلامات والأَفعال التي هي جور أَو إِلى معرفة الشرائط التي يكون بها الفعل ظلما وجورًا بل وقد يحتاج إِليه المتنصل والمعتذر، لأَنه كثيرا ما يعترف المشتكي به بوجود الذي ادعى عليه، إِلا أَنه يجحد الشرط الذي به يكون ذلك الفعل جورًا؛ وذلك مثل أَن يعترف بأَنه أَخذ، لا بأَنه سرق؛ وبأَنه سب، لا بأَنه افترى؛ وبأَنه نكح، لا بأَنه زنى. ولذلك ينبغي للشاكي والمتنصل أَن يعرف ما السرقة وما الافتراءُ وما الزنا وذلك بحسب الشريعة العامة والخاصة بالقوم الذي هو منهم؛ فإِنه بمعرفة هذه الأَشياء يمكن الشاكي أَن يثبت أَن الفعل جور وظلم، والمتنصل أَنه ليس بجور. فإِن التنازع إِنما هو في أَنه ظالم أَو غير ظالم. والظلم بالحقيقة الذي لا يقبل المعذرة إِنما هو الظلم الذي يكون عن تقدم الروّية والاختيار.
[ ٤٦ ]
وهاهنا ظلامات أَسماؤها الدالة عليها كافية في الدلالة على أَنها ظلم في الغاية وعلى تقدم الاختيار والروية لها دون أَن يحتاج في ذلك إِلى تحديدها، مثل السرقة والزنا. فإِن أَحدًا ليس يتصور فيه أَنه يسرق أَو يزني غير مختار. ولذلك إِذا اعترف بهذه الأَسماءِ المدعى عليه، لم يبق له موضع اعتذار. فيجب على المتنصل أَبدا أَن يتحفظ من الاعتراف بهذه الأَسماءِ. وإِن اعترف فلا يعترف منها إِلا بالجنس فقط، مثل أَن يعترف بأَنه سب لا بأَنه افترى، ويقول: لأَن الافتراءَ إِنما هو قذف الرجل أَو قذف أَبويه بالزنا. وذلك أَن الذم بالنقائص يتفاضل. فإِن هاهنا نقائص لا يلحق الإِنسان منها بها عار وإِن كانت تضع منه، مثل البخل. وهاهنا نقائص تضع من الإِنسان ويلحقه منها عار عظيم، مثل الزنا. ولذلك غلظت الفرية في شرعنا. وكذلك يقول: إِنه أَخذ، لا أَنه سرق، إِذ كانت السرقة إِنما هي من حرز.