قال: ومن أَجل أَن ضد الغضب هو سكون الغضب، فقد ينبغي أَن ننظر من أَمر سكون الغضب في أَضداد تلك الأَشياءِ الثلاثة التي ذكرناها، أَعني بأَية حال يكون الناس الذين يسهل سكون غضبهم، وبأَية حالة يكون الناس الذين يسهل سكون الغضب عليهم، وأَما الأَشياء المسكنة للغضب.
[ ٥٨ ]
قال: والسكون هو عدم الغضب أَو فتوره. وإِذا كان الغضب إِنما سببه التهاون الذي يكون بالمشيئة والطوْع، فهو بيّن أَن الذينلا يتهاونون - وإِن تهاونوا، فبكره، أَو بغير روية - أَو الذين يظنون أَنهم بهذه الحال، أَنه لا يغضب عليهم؛ وإِن غضب عليهم، فيكون عنهم سكون الغضب سريعا. وقد يكون سكون الغضب بأَن يفعل بالغاضب آلام ومكاره تنسيه الاحتقار به الذي كان سبب غضبه على جهة القصد والتعمد لذلك. وهذا إِنما يفعله الدهاة ذوو الشرور العظيمة. ومما يفعل السكون أَن يفعل المرءُ بنفسه الأَشياء التي ظنها الغاضب احتقارا به. فإِن هذا يوهم فيه أَنه ليس يرى فيها أَنها احتقار، إِذ كان أَحد لا يرى أَنه محتقر لنفسه.
قال: ومما يفعل الكون الاعتراف بالذنب أَو أَن يجعل على نفسه أَلا يعود إِليه وهو المسمى عندنا توبة، أَو أَن ينقلب إِلى ضد الاستهانة وهو الإِجلال. وإِنما كان الاعتراف مسكنا للغضب لأَنه يوجب العقوبة. ووجوب العقوبة مما يفتر الاهتمام بما فعل والارتماض له. وذلك بيّن عند مشاهدة المعاقبات المحسوسة، فإِنا قد نعاقب أَكثر ذلك بشدة وزيادة الذين يجحدون ويحتجون عن أَنفسهم. فأَما الذين يقرون ويعترفون أَن العقوبة النازلة بهم عدل، فقد يفتر الغضب عن هؤلاءِ. وأَيضا فإِنه قد تكون علة الجحود للأَمر الظاهر وقاحة الوجه والصلف. والوَقاح مستهزيء مستهين. فإِن الذين لا يُستحى منهم ليس لهم قدر، فيشتد الغضب لذلك على الجاحد. وأَيضا فإِن الإِقرار ذلة واعتراف بالنقيصة، وهذا يتنزل منزلة العقوبة الواقعة بهم. وأَما الذين لا يعترفون فإِنهم يرون غير خائفين ولا متذللين للغاضب عليهم. وذلك مما يخيل فيه الاستهانة بالغاضب عليهم.
قال: وقد يدل على أَن الغضب يفتر عن الذين يذلون ويتواضعون ما يظهر من فعل الكلاب، وذلك أَنه تكف عن الناس الجلوس والمتدين وتنهش المستعجلين. وقد تأْتي مواضع ليس يظن بالجحود فيها أَنه استهانة بل دعوى الحق، وذلك إِذا لم يكن الذنب ظاهرًا.
قال: ومن الأَصناف الذين لا يغضب عليهم، أَو شأْن الغضب أَن يفتر عنهم، الصنف من الناس الذين هم طيبو النفوس، سلسو القياد، حسنو الخلق يحتملون، وهم الذين يسميهم أرسطو مفراحين. والصنف المحتاج أَيضا يقل الغضب عليه لمكان الرحمة له، إِذ كانت الحاجة النازلة به بمنزلة العقوبة. والصنف من الناس الذين يستعفون من الخصومات ويتفادون من المنازعات، فإِنه أَيضا يسكن الغضب عنهم لمكان الذلة والتواضع الموجود فيهم. والذين لا يشتمون أَحدا ولا يطنزون به ولا يحتقرونه. أَو الذين إِن فعلوا ذلك فعلوه في الأَقل فليس يغضب عليهم. وإِن غضب، فيسكن الغضب عنهم سريعا.
قال: وبالجملة فينبغي أَن تؤخذ مسكنات الغضب وذلك في الأَكثر من أَضدادها التي عددت قبل في باب الغضب.
قال: والذين يُهابُون أَو يَستحى منهم لا يُغضب عليهم ما داموا بهذه الحال، لأَنه لا يمكن أَن يغضب المرءُ على إِنسان ما ويخافه معا في حال واحدة. والذين فعلوا الاحتقار والاستهانة بالمرءِ في حال غضبهم عليه، فإِما أَلا يغضب عليهم، وإِما إِن غضب عليهم فيسير، لأَن الغاضب على إِنسان ما ليس يظن به أَنه يحتقره، ويغضب عليه معا. وذلك أَن الاحتقار ليس فيه أَذى للمحتقر سواء كانت فيه لذة أَو لم تكن. وأَما الغضب فهو لذة مع أَذى كما تقدم في حَده. والإِنسان المغضوب عليه فقد يسكن الغضب عنه أَن يكون يستحي مما فعل.
[ ٥٩ ]
قال: والأَحوال التي يكون فيها الغضب قبيحا أَو غير جميل، فأَما أَلا يغضب فيها الإِنسان من الأَشياءِ المغضبة الواردة عليه من خارج، وإِما إِن غضب فيسكن غضبه سريعا، وذلك كأَفعال الاحتقار التي يؤدب ويعلم بها الإِنسان مثل انتهار المتعلم، ومثل أَفعال الاحتقار التي يقصد بها المزح في الحالة التي يكون المقصود منها المزح، أَو التي يقصد بها اللهو في الحالة أَيضا التي يكون المقصود منها اللهو. والفرق بين المزح واللهو عند أَرسطو أَن المزاح يقصد به تطييب نفس الممزوح به، لا أَن ينال بذلك المازح لذة. واللهو يقصد به أَن يلتذ اللاهي لا الملهو به. ولذلك يمزح الأَخيار ولا يلهون. وكذلك أَيضا أَفعال الاحتقار التي يقصد بها التأْنيب والموعظة عند الزلات والعوارض الرديئة. ومنها أَيضا سد الخلة بالشيءِ اليسير المحتقر، فإِن المحتاج لا يغضب منه إِذا كان فيه سد خلته، ولو كان نزرًا محتقرًا.
قال: وبالجملة فكل فعل من أَفعال الاحتقار أَو المحتقر إِذا لم يقترن به أَذى للمحتقر به ولا لذة قبيحة، أَو اقترن به رجاء وأَمل فليس يغضب منه. فمثال ما لا يقترن به أَذى الاحتقار الذي يؤدب به. ومثال ما لا يقترن به لذة قبيحة المزاح الذي لا يخرج إِلى الفحش. ومثال ما يقترن به حسن رجاء سد الخلة.
قال: وإِذا طال الزمان ولم يتكرر من المغضوب عليه فعل يوجب تجدد الغضب، فقد يسكن طول الزمان الغضب.
قال: ومما يسكن الغضب العظيم الأَخذ بالثأْر إِما أَولا فمن الجاني نفسه وإِما ثانيا فممن يتصل بالجاني. وربما لم يسكن الغضب أَخذ الثأْر من الجاني الأَول حتى يأْخذه ممن يتصل به، إِذا لم ير الجاني الأَول كفؤا له، ورأَى أَن من يتصل به هو كفؤ له. ولذلك ربما ترك الجاني نفسه وأَخذ الثأْر ممن يتصل به. وقد يسكن الغضب الانتقام من غير الظالم ومن غير من يتصل به بل ممن اتفق من الناس. وكذلك قد يسكن الغضب نزول الشرور العظيمة بالجانين، وإِن لم يكن ذلك من قبل المجني عليهم، لأَنهم يرون كأَنهم قد أَدركوا ثأْرهم.
قال: والذين يعتقدون في أَنفسهم أَنهم ظالمون فليس يغضبون من الأَفعال الواردة عليهم من المظلومين، لأَنهم يرون أَو تلك الأَفعال هي عدل، والعدل لا يغضب منه.
قال: ولذلك ما ينبغي أَن يتقدم المعاقِب أَولا فيبين بالقول أَن المعاقَب ظالم، وحينئذ يعاقب. فإِنه إِذا كان الأَمر كذلك، لم يلحقه أَذى من المعاقَب.
وقد ينفق في أَفراد من الناس وهم الشرار والعبيد العُتاة أَن يعلموا أَنهم ظالمون، ولكن مع ذلك يغضبون ويتذمرون، وإِنْ كانت العقوبة التي نالتهم بعدل، لأَن هؤلاءِ لا يرون أَن ينالهم أَذى.
والذين لا يشعرون بالاحتقار والضيم النازل بهم لا يغضبون أَيضا. وهذا قد يعرض من قبل الجهل، وقد يعرض من قبل كبر النفس لأَنهم يرون أَن الأَفعال التي يضامون بها ويحقرون ليس هي مما يوجب لهم تحقيرا. ولذلك قد يختبر كبار النفوس بأَن يسلب عنهم كثير من أَفعال الفضائل التي تنسب إِليهم ليرى كيف تأَثرهم عن ذلك، فإِنه كلما كان الفعل المسلوب عنه أَكبر ولم يغضب منه، كان أَدل على كبر نفسه.
قال: ولموضع هذا لما أَراد فلان أَن يختبر كبر نفس فلان لرجل معروف عندهم بكبر النفس، قال له إِنك لست معدودًا في فتاحي المدائن، ليعلم هل يغضب من ذلك أَم لا. وبالجملة فكل من لا يتأَذى بالاحتقار إِما من قبل صغر قدر المحتقر وإِما من قبل كبر قدر المحتقر به. والمستضام فإِنه لا يغضب، لأَن الغضب قد قيل في حده إِنه أَذى مع شوق إِلى الانتقام. والهالكون لا يغضب عليهم لأَنهم قد صاروا إِلى شر أَعظم من الشر المؤمل فيهم.
قال: ولذلك ما استعمل أُوميروش هذا المعنى في تسكين غضب فلان على فلان لناس مشهورين عندهم بأَن قال في المغضوب عليه: إِنه الآن معانق للأَرض البكماءِ التي لا يفارقها أَبدا. وإِنما كان الأَمر هكذا لأَن الذي تنزل به مصيبة الموت يرثى له، إِذ كانت أَعظم المصائب. ولهذا الذي قاله ينبغي أَن يعتقد أَن الناس الذين لا يكفون عن الأَموات، إِذا لم يكن من يتصل بهم ممن يغضب عليه أَو ينافس في دنيا، أَنهم من شر الناس.
قال: فقد تبين أَن الذين يريدون أَن يسكنوا الغضب أَو يفتروه أَن من هذه المواضع ينبغي أَن يأْخذوا المقدمات المسكنة له، أَعني جزئيات هذه المواضع.
[ ٦٠ ]
والغضب بالجملة يفتر ويسكن عن ستة أَصناف من الناس كما قيل: أَحدها الصنف المخوفون، والصنف الثاني المستحى منهم، والصنف الثالث المفراحون من الناس، والرابع الذين يفعلون الاحتقار لا بالاختيار، والخامس أَن يكون قد نزل بهم من الشر ما هو أَعظم من الذي يتشوقه الغاضب عليهم، والسادس أَن يكونوا قد بادوا وهلكوا.
وهذا آخر ما قاله في الغضب وضده.