فمنها أَن ننظر في الخيرات والشرور التي يذكر بها الخصم بالمدح أَو بالذم مما هو خارج عن ذلك الأَمر الذي فيه القول، وذلك ما كان منها متحدثا به عند الناس وجاريا على أَلسنتهم وأَفواههم، أَو كانوا مستعدين لأَن ينطقوا به، وإِن لم ينطقوا به بعد، أَعني من أَفعال الخصوم وأَقوالهم الماضية والحاضرة، فسيتعلمون توبيخ الخصوم بذلك عندما يلزمونها أَمرًا ما، كما قيل: إِنكم قوم تحبون حبا يجمع الاَسم والحد، يريد أَن مودتهم صادقة وأَنها من قلوبهم. وكما قيل: إِنه لم يعط أَحدٌ منكم قط شيئا، وأَما أَنا فقد وهبت للكثير منكم. وبالجملة فليكن النظر هاهنا في كل ما يذكر به المتخاصمان معا مما هو خارج عن المقدمات التي تستعمل في بيان الشيء.
[ ٩٥ ]
وموضع آخر مأخوذ من أَشباه الأَفعال التي يوبخ بها ومن خيالاتها وأَشباه الخصوم من الناس، وذلك إِذا لم يقدر المشكو به أَن يثبت العلة في ذلك الأَمر والسبب فيه، أَعني في ارتفاعه عنه حتى يزول قبح ما ذكر به. فإِنه قد يعتذر المشكو به بأَن شبيه ذلك الفعل قد كان من الشاكي، أَو قد كان ذلك الفعل بعينه من شبيهه من الناس. وهذا هو التأَسي. وإِنما يفزع إِليه حيث لا يقدر الخطيب على إِعطاءِ السبب الذي يزيل التهمة عنه.
وموضع آخر أَن يجعل الشيء نفسه هو العلة، وهو في الحقيقة مصادرة، لكن هو هاهنا مقنع من جهة شهرته، وليس يرى الجمهور فيه أَنه مغالطة. وذلك يكون بتغيير اللفظ أَو بتبديله، لا بأَن يأتى بذلك اللفظ بعينه، مثل أَن يقول إِنه موجود أَو إِنه ليس بموجود لأَنه ليس بموجود بل كما قال بعض القدماءِ حيث نفاه إِنسان عن بلده ونسبه: إِنه في نسبه وبلده كذا، لأَن هذا مكتوب في رأس المدينة على صومعة هنالك. وذلك أَن العادة كانت عندهم أَن تكتب أَسماءُ أَهل بيوت المدينة في صوامع مشهورة. وذلك عندنا مثل أَن يقول القائل: إِن نسب فلان كذا، لأَن به تقع شهادته في العقود.
وموضع آخر من التوبيخ: وذلك إِذا فعل فعلا وترك ما هو أَفضل منه مع إِبطاله له.
وموضع آخر: أَن ننظر هل يفعل المشير بالأَمر ذلك الشيءَ الذي أَشار به، إِذا كان ممكنا له فعله. فإِنه إِن لم يفعل ما أَشار به وهو له ممكن كان فيه موضع توبيخ له. لأَن الذي أَشار به: إِن كان خيرا يكتسب أَو شرا يجتنب، فليس يختار أَحد ترك فعل الخير أَو اجتناب الشر طوعا. وهذا الموضع كاذب. فإِنه قد يشير الإِنسان بالشيءِ وهو يظنه في وقتٍ ما يشير به خيرا، ثم يتبين له أَنه ليس بخير، فلا يفعله، وهو قد كان أَشار به. ومن هذا عندنا أَن يَرْوى الراوي الحديث ويترك العمل به.
وموضع آخر: وهو أَن ينظر إِلى الفعلين اللذين يفعلهما الإِنسان، هل أَحدهما يلزم عنه - إِذا فعله - أَلا يفعل معه الآخر، فيكون في ذلك موضع توبيخ. قال: مثل أَن يبكى على الميت، ويتقرب بالصدقة عنه. فإِن البكاءَ يدل على موته، والتقرب على حياته.
وموضع آخر: أَن ينظر في الشيءِ الذي يجعل دليلا على الشكاية، فيقيم منه دليلا - إِذا أَمكن - على الاعتذار، أَو يكون الشيءُ الذي يعتذر به يفهم منه نفسه دليل على الشكاية. وذلك يكون على وجهين: إِما أَن في طباع الدليل ذلك، مثل أَن يوجد إِنسان في وسط الدار واقفا، فيقال إِنه لص، لأَنه وجد في هذا الموضع، فيقول هو: لو كنت لصا، لم أَكن واقفا في وسط الدار.
والوجه الثاني: أَن يوجد في ذلك القول الذي يعتذر به المعتذر أَو يشكو منه الشاكي موضعٌ يستدل به منه ضد استدلاله. فإِن كان في اعتذار، استدل منه على الشكاية، وإِن كان في شكاية، استدل منه على الاعتذار. وذلك من خطاء يعرض في القول من زيادة أَو نقص أَو إِهمال شرط من شروطه. مثل أَن يتهم إِنسان بأَنه سرق شيئا من منزل اتفق أَن قُتل صاحبه فيه، فيقول: لم أَسرق منه شيئا، ولا قتلت صاحبه. فإِن في مثل هذا الموضع تتأَكد التهمة عليه، إِذ كان قد أَخطأَ وزل في أَن أَجاب عن ما لم يُسئل عنه. وقد كان بعض المشاهير في هذه الصناعة إِنما يؤلف خطبه من هذا الموْضِع.
[ ٩٦ ]
وموضع آخر تكتسب المقدمات فيه من اسم الشيء. وذلك إِما باشتقاق وإِما بنقل وإِما باستعارة. مثال ذلك أَن يكون رجل اسمه حديد أَو مقاتل، فيتفق أَن يكون في نفسه حديدا أَو مقاتلا، فيقول: أَنت حديدٌ، يا حديد؛ وأَنت مقاتلٌ، يامقاتل. وربما كان بنقل الاسم كما هو، وربما كان بتغيير قليل كما قيل: أَمتك آمنة. وكما قال بعض الملوك لرجل شاعر يعرف بابن فاتك: أَنت ابن باتك فقال: أَنا ابن بابك. فهذه جملة المواضع التي تشتمل على التثبيتات والتوبيخات بحسب ما ذكر أَرسطو. والتوبيخات بالجملة أَنجح وأَنجع من التثبيتات، لأَنها تخيل إِلى السامع مع الشيءِ ضده. فيكون تصوره أَتم وأَلذ. وأَيضا فإِن الموبخات لقرب بيانها تؤلف من أَلفاظ أَقل، فتكون أَسهل حفظا وأَسرع إِبانة للشيء. وهما بالجملة متقاربان، لكن الموبخات أَبين وأَظهر عند السامع، وكلاهما يفعل الاقناع المحرك للنفس لا سيما ما كان منها إِذا ابتدأَ الخطيب بصنعته أَحس هو والسامعون بالغاية المقصودة منه. وبالجملة فيقفون منه على الشيء اللازم التالي لصدر القول. فإِن الضمائر التي بهذه الصفة قد يفرح بها المتكلمون إِذا أَحسوا منها بهذا المعنى، فضلًا عن السامعين. وهذه المواضع بالجملة إِذا تحصلت للإِنسان أَمكنه أَد يدرك بها من هذه الصناعة في زمانٍ قصير وتعبٍ يسير ما شأنه أَن يدرك في زمانٍ طويل وتعبٍ كثير.
ولما كان هاهنا في الصناعتين المتقدمتين، أَعني صناعة البرهان والجدل، صنفان من القياس: أَحدهما هو قياس بالحقيقة في تلك الصناعة والآخر مموه يظن به أَنه من مقاييس تلك الصناعة وليس هو من مقاييسها، كذلك الأَمر في صناعة الخطابة فإِن فيها ما هو ضميرٌ بالحقيقة ومنها ما هو ضمير مموه. والأَشياءُ التي تفعل ذلك هي التي أُحصيت في كتاب سوفسطيقي، إِلا أَنه يذكر المشهور منها هاهنا، أَعني المشترك وما هو أَيضا منها خاص بهذه الصناعة. إِذ كانت القياسات السوفسطائية منها ما هي مشتركة للصنائع كلها ومنها ما يخص صناعة دون صناعة، وذلك أَنه كما أَنه قد يكون قياس مموه في صناعة البرهان، ولا يكون في صناعة الجدل، كذلك قد يكون قياس مموه في صناعة الجدل ويكون هاهنا ضميرا بالحقيقة، مثل قياس العلامة الذي في الشكل الثاني.
والمواضع المغلطة صنفان: أَلفاظ ومعان. فأَما الضمائر المغلطة من قبل الأَلفاظ فأَحد أَنواعها أَن تكون أَشكال الأَلفاظ واحدة وما تدل عليه الأَشكال من تلك الأُمور مختلفة. وهذا الموضع هو مبدأ لقياسات كثيرة مغلطة، مثل قولنا: إِن كان الرجاءُ هو المرجو، فالذهاب هو المذهوب به، وإِن كان الذهاب فعلا، فالرجاءُ فعل لا مفعول. فإِن هذه إِذا أَلفت على هذا الوجه حدث منها ضمير مظنون من غير أَن يكون في الحقيقة ضميرًا. ومنها الذي يكون باتفاق الاسم واشتراكه مثل قولنا فيمن نسبه كلبي: هو من كلب، والكلب خسيس، فهو خسيس. وإِنما غلط في ذلك أَن اسم الكلب يقال على القبيلة وهذا الحيوان النابح.
وموضع آخر من الكلام المفرد إِذا قيل مؤلفا، ومن المؤلف إِذا قيل مفردا، لأَنه يظن أَنه شيء واحد. مثال ما يصدق مفردا ويكذب مؤلفا أَن يقال إِن الذي يعرف حروف المعجم كل واحد على حاله يعرف الشعر، لأَن الشعر مؤلف من حروف المعجم. ومن هذا الموضع، أَعني من الإِفراد والجمع، عرض ما عرض في مسائل القول في المواريث، فإِنه لما وضع لكل واحدٍ من الوارثين شريعة في حظه من المال كان ذلك صادقا، فلما جمع ذلك مع الغير لم يصدق. فإِنه لا يوجد مال له نصف وثلثان، فاختلف الفقهاء في ذلك. فهذه كلها مواضع سوفسطائية مشتركة للصنائع الثلاث، أَعني البرهان والجدل والخطابة.
وموضع خاص بالخطابة وهو أَن يُصير القائل السامعين بحيث يشتبه عليهم الأَمر حتى يقع في نفوسهم أَن المدعى عليه فعل ذلك الأَمر الذي ادعى به عليه من قبل أَن يثبت المدعى ذلك أَنه فعل ذلك، أَو يقع في نفوسهم أَن المدعي كاذب في دعواه من قبل أَن يعتذر عنها المدعي عليه. فالأَول يكون مما يقوله المدعي أَو يفعله، مثل أَن يعظم الذي ادعى به أَو يقلق منه ويظهر منه تأَذٍ وضجر.
والثاني مما يفعله المدعي عليه أَو يقوله، مثل أَن يبكي أَو يقوم فيلتطم ويضع التراب على رأسه أَو يقول أَقاويل يذهل بها السامع أَو الحاكم حتى يتشاغل فيسهو عما يعني به ولا يقدره قدره.
[ ٩٧ ]
وموضع آخر عام وهو المعروف بموضع اللاحق، مثل قول القائل: فلان سارق لأَنه شرير، فإِنه يصدق أَن السارق شرير وليس ينعكس، أَعني أَن مكل شرير سارق.
وموضع آخر مما بالعرض، كما قيل إِن الجرذان أَعانتنا على عدونا، لأَنها قرضت أَوتار قسيهم.
وموضع آخر وهو أَن يجعل ما ليس بعلة للشيءِ علة له، وذلك بأَن يؤخذ الكائن مع الشيءِ أَو بعده سببا لوجود الشيء من غير أَن يكون سببا. فإِن الخطباء يستعملون ما بعد الشيء مكان ما من أَجله يكون الشيء ولا سيما في المشورة، كما لو قيل إِن تدبير أَبن أَبي عامر كان من أَجل شيء قصده، لأَن الفتنة بالأَندلس كانت بعده.
وموضع آخر وهو أَن يكون الشيء سبيله أَن يؤخذ بحال ما فيؤخذ بحال أُخرى، وذلك إِما من زمان أَو مكان أَو جهة أَو حال، أَو يكون مما سبيله أَن يؤخذ بحال ما فيؤخذ مطلقا. وهذا الموضع مشترك في التغليط لصناعة البرهان والجدل والخطابة؛ إِلا أَن مواده تختلف في هذه الصنائع الثلاث. فالتغليط به في الجدل يكون بالأُمور الكاذبة الممكنة، فإِنه إِذا أخذ فيها مطلقا ما ليس بمطلق بالفعل، فإِنه ممكن أَن يكون مطلقا. والتغليط به في صناعة البرهان يكون بالمعدومة، وهي الكاذبة الممتنعة. ومواده في الأُمور الخطبية هي الأُمور الواجبة. وإِنما كان هذا الموضع مقنعا لأَن كثيرا من الأَشياءِ يصدق جزئيا وكليا، فيظن بكل ما يصدق جزئيا أَنه يصدق كليا. وإِنما يوقف على كذب هذه المقدمات المطلقة في هذه الصنائع الثلاث، إِذا زيد في القول شريطة يظهر بها كذب المقدمة المطلقة، مثل أَن يقال فيمن هو عادل في الأَموال إِنه عادل على الإِطلاق. فإِذا أَظهر أَنه غير عادل في النكاح، اشترط في الأَموال، فتصح حينئذ المقدمة، ويظهر كذب إِطلاقها. وإِذا كان الشيء يصدق جملة على الشيءِ إِذا أخذ بحال ما، ويكذب إِذا أخذ بحال أُخرى، أَمكن إِذا أخذ مطلقا أَن نقنع به في المتقابلات معا، وتنشأ من ذلك أَقاويل مقبولة متضادة خطبية. مثال ذلك أَن يكون إِنسان ما أَصاب أَمرا أَوجب عليه حدا من الحدود الشرعية وهو مريض، فإِنه يمكن أَن يقال فيه إِنه واجب وأَن يقام عليه الحد وإِنه ليس بواجب؛ وذلك أَن من جهة ما جني، فقد وجب عليه الحد؛ ومن جهة ما هو مريض، فليس واجبا عليه. ومن هذا الموضع يصير الشيءُ القليل الخسة خسيسا بإِطلاق، ويؤخذ الشيء القليل الشرف على أَنه شريف بإِطلاق. ويشبه أَن يكون هذا الموضع إِنما هو سوفسطائي بالإِضافة إِلى صناعة البرهان، وأَما بالإِضافة إِلى صناعة الجدل وهذه الصناعة، فإِنه جزء منهما. فإِنه من المقنع أَنه إِذا كان الذي ليس موجودًا بإِطلاق ليس موجودا بحال ما، فمن الواجب أَن يكون ما هو موجود بحال ما موجودًا على الإِطلاق. وقد ذكر هذا الموضع في المقالة الثانية من كتاب الجدل على أَنه جزء من تلك الصناعة.
فقد قيل في المواضع التي تعمل منها الضمائر الحقيقية والضمائر المموهة.
وقد بقي أَن نقول في المناقضات التي تتلقى بها الضمائر وهي التي يستعملها السامع؛ فإِن التي سلف فيها القول إِنما يستعملها المبتدئ بالكلام، فنقول:
[ ٩٨ ]
إِن النقض بالجملة للقول القياسي يكون على وجهين: إِما بأَن ينقض شكله بأَن يبين أَنه غير منتج؛ وإِما بأَن تقاوم مقدمات القياس أَو النتيجة. فأَما مناقضة النتيجة فإِنما يكون بالضمائر المستخرجة من هذه المواضع؛ لأَن الضمائر إِنما تؤلف من الظنون، والظنون يلحقها أَن تكون في الشيءِ الواحد متضادة، فينتج عن ذلك أَشياء متضادة، أَعني أَنه يؤلف منها ضمير ينتج الشيءُ وضمير ينتج مقابله. وهذا أَيضا يلحق في المقدمات المشهورة في الجدل، بخلاف ما عليه الأَمر في صناعة البرهان. فأَما معاندة مقدمات القياس فإِنها أَربع، كما قيل في الثامنة من طوبيقى: إِما معاندة المقدمة التي لزمت عنها النتيجة، وإِما معاندة القول، وإِما أَن تكون المعاندة بحسب السائل، وإِما أَن تكون من قبل تطويل زمان المناظرة. والمواضع التي تؤخذ منها معاندة المقدمات هاهنا أَربعة: إِما الأَشياءِ التي هي موجودة في الشيءِ الذي تقصد معاندته، وذلك مثل الكلي والجزئي، وإِما من الأُمور التي من خارج، وهذا صنفان: إِما من الضد، وإِما من الشبيه. والرابع: المقاومة التي تكون بحسب رأي الرجل المشهور المقبول الحكم، أَعني إِذا كان رأيه مضادًا للمقدمة الموضوعة.
أَما الإِبطال الذي يكون من نفس الأَمر فمثل لَوْ وضَع واضعٌ أَن الرياسة خير وأَنه أَن يكون المرءُ مرءُوسًا خير، فإِنه إِن أَبطلها بالكلية، قال: كون الإِنسان مرءُوسا يحتاج إِلى غيره، والحاجة شر، فالرياسة شر؛ وإِن أَبطلها بالجزءِ، قال: ليس كل رياسة نافعة. وذلك أَن التغلب رياسة وليست خيرا. فهذان هما صنفا الإِبطال الذي يكون من الأَشياءِ الموجودة في الشيءِ المقصود إِبطاله.
ومثال الإِبطال الذي يكون من الضد أَن تكون المقدمة الموضوعة أَن الرجل الخير هو الذي يحسن إِلى إِخوانه أَجمعين، فيقاوم ذلك بأَن يقال لَوْ كان هذا حقا، لكان الشرير هو الذي يسيءُ إِلى إِخوانه، وليس كذلك.
ومثال المقاومة والمعاندة من الشبيه أَن يوضع أَن من لقي آخر بشر فهو يبغضه، فيقاوم ذلك بأَن يقال: إِن هذا ليس بصادق لأَن مَنْ يلقى آخر بخير قد لا يحبه. ووجه الشبه في هذا المثال إِنما هو بالمناسبة. وذلك أَن نسبة البغضة إِلى من يلقى منه شرا نسبة المحبة إِلى من يلقى منه خيرا. وقد جمع هذا المثال المقاومة من جهتين: من جهة الشبيه ومن جهة الضد. وذلك أَن المحبة ضد البغضة والشر ضد الخير.
وأَما مثال المقاومة التي تكون بحسب رأْي الحاكم، فذلك موجود كثيرا في المصالح التي تضادها الشرائع. وأَكثر ما يوجد هذا التضاد بين الشرائع العامة والخاصة؛ وأَعني بالعامة المشتركة لجميع الأُمم، وأَعني بالخاصة ما تخص أُمة أُمة.
وإِذ قد تقرر كيف تقاوم المقدمات في الضمائر بالجملة، فلنقل كيف يقاوم ضمير ضمير من أَصناف الضمائر المستعملة في الخطابة. والضمائر كما قيل أَربعة: فمنها المسمى الواجب، وهو الضمير الكائن من المحمودات في أَي شكل كان، ويسمى ما كان من هذه في الشكل الأَول بالأَشبه أَو المشبه. ومنها المسمى برهانا، وهو الضمير الكائن من العلامات في الشكل الأَول. وإِنما خص هذا باسم البرهان بحسب أَنها اضطرارية.
[ ٩٩ ]
والصنف الثالث المسمى علامة وهو المؤتلف من العلامات في الشكل الثاني. والصنف الرابع المسمى بالرسم وهو مؤتلف من العلامات في الشكل الثالث. ولما كان الضمير الذي يسمى الواجب وهو المؤتلف من المحمودات في الأَشكال المنتجة لم يمكن أَن يقاوم من جهة تأليف القياس، بل من جهة مقدماته. ولما كانت مقدماته محمودة، وكان هذا الصنف إِنما يأتلف فيه المواد الممكنة على الأَكثر، أَعني التي توجد لأَكثر الموضوع مثل وجود الشيب للإِنسان في سن الاكتهال أَو التي توجد في أَكثر الزمان مثل اشتداد الحر عند طلوع الشعري العبور، أَمكن نقضه من ثلاث جهات: إِحداها أَنها ليست بمحمودة، والثانية أَن الذي على الأَكثر ليس باضطراري، وما ليس باضطراري، فقد يمكن أَن يكذب. وهذا نقض مموه إِلا أَنه يستعمل في هذه الصناعة؛ فإِنه قد يظن السامع، أَعني الحاكم، أَن المقدمة، إِذا كانت ليست باضطرارية، أَنها ليست بمحمودة، فيعرض للسامع إِحدى حالتين: إِما أَن يظن أَنه ليس كان ينبغي له أَن يحكم بشيء، وإِما إِن حكم، فلا بالسنة الخاصة المكتوبة بل بالعامة. وهو ما يقتضي الأَصلح في تلك النازلة. فإِن الحاكم إِنما يحكم بأَحد هذين الأَمرين: إِما بالسنة المكتوبة، وإِما بالعامة. والوجه الثالث أَن نبين أَن الذي أَخذ على أَنه على الأَكثر ليس على الأَكثر، بل هو إِما أَقلي وإِما مساوٍ، وذلك إِما في الموضوع، وإِما في الزمان. مثال ذلك أَن شاكيا إِن قال عند الحاكم: هذا قتل زيدا، لأَنه وُجد واقفا وبيده سيف، فيقول الخصم: إِن هذا وإِن كان أَكثريا فليس ضروريا. وذلك أَنه ليس كل من وجد واقفا وبيده سيف هو قاتل. أَو يقول: إِنه ليس هو أَكثريا، بل هو على التساوي، لأَن مَنْ هذه صفته يمكن أَن يكون قاتلا، ويمكن أَن يكون ناصرا.
وأَما النوع من الضمائر التي تأتلف من العلامات في الشكل الثالث فهو يبطل بوجهين: أَحدهما أَنه ليس بقياس، وذلك أَنه إِنما ينتج جزئيا لا كلية. والثاني بإبطال النتيجة لإِبطال المقدمات. فإِن المقدمات في هذا الضرب من الضمائر هي محسوسة. مثل قولنا: الكُتَّاب أَشرار؛ لأَن زيدا كاتب وزيد شرير. فإِن بإِبطال النتيجة تبطل المقدمات. لكن ليس ينبغي أَن يستعمل في إِبطال النتيجة المقابل المضاد ولا المهمل. فإِنها إِذا كانت كلية وأَبطلت بالضد، كان ذلك إِبطالا للكاذب بالكاذب، وللشنيع بالشنيع، مثل أَن يبطل قول القائل: كل كاتب شرير، بأَنه ولا كاتب واحد شرير. وإِن كانت مهملة وأَبطلت بالمهمل، كان إِبطال الصادق بالصادق والمحمود بالمحمود. فإِنه يصدق أَن الكُتَّاب أَشرار، والكُتَّاب ليسوا بأَشرار، كما يكذب أَن كل كاتب شرير، وأَن كل كاتب ليس بشرير، بل إِنما ينبغي أَن يكون الإِبطال بإِنتاج المقابل الذي هو موجود على الأَكثر. فإِنه إِذا كان المحمود الثاني المنتج مقابلا للمحمود الأَول وهو أَكثري، كان المحمود الأَول أَقليا. فإِذن إِنما ينبغي أَن يتحرى المبطل أَن يكون المقابل الذي ينتجه للنتيجة التي يروم إِبطالها أَكثريا، أَعني أَنه يوجد لأَكثر الموضوع أَو في أَكثر الزمان. وإِنما كان هذا مبطلا لأَنا إِذا تحققنا أَن المحمول موجود لأَكثر الموضوع، ولم يكن ذلك بحسب الظن والاشتباه، فإِما أَن يكون ضروريا، وإِما أَن يكون ذلك الأَقل من الموضوع الذي ليس هو فيه معلوما محدودا.
وأَما العلامة التي في الشكل الثاني فإِنما تبطل من جهة أَنها ليست بقياس. وأَما العلامة التي في الشكل الأَول فليس يمكن إِبطالها لا من جهة شكلها ولا من جهة موادها، فلذلك هي ضمير مثبت ضرورة.
[ ١٠٠ ]
فأَما تكبير الشيء وتصغيره وإِن كان قد يلزم عنهما اطراح الشيء واكتسابه، فإِنهما ليسا من أَنواع الضمائر المبطلة والمثبتة. وإِن كان التعظيم والتخسيس إِنما يكونان عن ضمائر، لكن أَن يقبل الشيءَ ويصدق به من نفس التعظيم أَو يطرح ويكذب به من نفس التخسيس ليس إِثباتا له ولا إِبطالا بالذات ولا هو من أَنواع الضمائر. وأَيضا فليس كل ما يكون به الإِبطال يكون ضميرا. وذلك أَن الإِبطال صنفان: إِما إِبطال لشكل القياس، وإِما إِبطال للقضايا المنسوبة إِلى القياس. وهذا أَيضا صنفان: إِما إِبطال للنتيجة نفسها بأَن ينتج مقابلها، وإِما إِبطال لمقدماتها المنتجة لها. فأَما إِبطال القضايا سواء كانت نتائج أَو مقدمات، فإِنه يكون بالضمائر وهي تأتلف من المواد الخاصة بهذه الصناعة. والمثبت هاهنا والمبطل يستعملان جنسا واحدا من أَجناس القياس. وإِما إِبطال أَشكال المقاييس في هذه الصناعة وغيرها فإِنما يكون بالمقاييس المنطقية، أَعني التي تؤلف من مواد منطقية. فإِن في كل صناعة صنفين من القياس: قياس مؤلف من المواد الخاصة بتلك الصناعة، وقياس مؤلف من مواد صنائع أُخر. وكلا الصنفين مستعمل في كل صناعة. وإِبطال تأليف القياس في أَي صناعة كانت يكون ضرورة بقياس معمول من مواد منطقية، إِذ كان تصحيح المقاييس وإِبطالها إِنما يكون بصناعة المنطق.
وهنا انقضى تلخيص هذه المقالة.
بسم الله الرحمن الرحيم