قال: وبعض الظلامات وما ليس بظلامات فيه سنن، وبعضها ليس فيها سنن. وما فيها سنن: فمنها ما هي سنن مكتوبة، ومنها ما هي غير مكتوبة. وكل واحدة من هذه ترسم العدل والجور، والخير والشر. فالخير بحسب السنن الغير المكتوبة هي الأَفعال التي كلما تزيّد الإِنسان منها إِلى غير نهاية تزيد حمده ومدحه أَو كرامته ورفعته، مثل معونة الأَصدقاءِ ومكافأَة المحسنين. والشر بحسب السنن الغير المكتوبة هو الفعل الذي كلما تزيد الإِنسان منه لحقته المذمة أَزيد، والهوان أَزيد، وذلك أَيضا إِلى غير نهاية، مثل كفر الإِحسان والإِساءة إِلى الأَصدقاءِ. وأَما الخير والشر في السنن المكتوبة فإِنه مقدر لا يزاد فيه ولا ينقص منه. ولما كان الأَمر على هذا وكانت السنة المقدرة لا تنطبق على كل شخص ولا في كل وقت ولا عند كل مكان، لم تكن كافية فيما تقدر من الخير والشر في معاملة شخص شخص من أَشخاص الناس، فاحتيج إِلى الزيادة والنقصان فيها بحسب ما تقتضيه السنة الغير المكتوبة. فوجب أَن يكون في هذه السنن الغير المكتوبة عدل مكتوب وتفضل: وهو إِما الزيادة على السنن المكتوبة، وإِما النقصان منها. فإِن كانت الزيادة على الخير المكتوب سمي إِحسانا، وإِن كانت الزيادة على الشر المكتوب سمي حِسبة. وإِن كانت نقصانًا من الشر المكتوب سمي صلحا وحلما واحتمالا، وما أَشبه ذلك من الأَسماءِ. وهذا قد يعرض في السنن المكتوبة للواضعين: إِما باضطرار، وإِما من قبل أَنفسهم. أَما من قبل أَنفسهم: فإِذا هم غلطوا فوضعوا تحديدا كليا، وليس بكلى. وأَما من قبل الأَمر نفسه: فمن قبل أَنه ليس يستطيع أَحد أَن يضع سننا كلية عامة بحسب جميع الناس في جميع الأَزمنة وجميع الأَمكنة، لأَن ذلك غير متناه، أَعني تبدل النافع والضار. وغاية الماهر في وضع السنن أَن يضع من ذلك ما هو أَكثري، أَعني لأَكثر الناس في أَكثر الأَزمنة وأَكثر المواضع. وكلما اجتهد الواضع في أَن تكون السنة التي يضعها منفعتها أَطول زمانا وللأَكثر من الناس، كانت السنة أَفضل. وإِذا كان الأَمر كذلك، فباضطرار أَلا تكون السنن المقدرة صادقة أَبدا ودائما، أَعني في كل شخص وفي كل وقت، ولذلك قد يحتاج إِلى الزيادة والنقصان فيها. وأَنت تتبين هذا من الملل المكتوبة في زماننا هذا.
والزيادة والنقصان فيها إِنما تكون تفضلا إِذا لحق ذلك مدح أَو كرامة. والحلم بالجملة هو التفضل في نقصان الشيء المكتوب أَو رفعه في الموضع الذي يلحق ذلك مدح أَو كرامة. مثال ذلك ما حكاه أَرسطو من أَن السنة كانت عندهم أَلا يشيل أَحد يده بالخاتم وأَن فعل ذلك يستوجب عقوبة وأَنه ظالم. والسنة الغير المكتوبة تقتضي أَن يصفح عن مثل هذا. فالصفح إِذن عن مثل هذا عدل. وكذلك يشبه أَن يكون الأَمر عندنا في قطع اليد في النصاب وبخاصة في المطعومات. وإِذا كان هذا هو الحلم فهو بيّن أَي الأَشياء هي من الحلم وأَيّ الأَشياء ليست هي من الحلم وأَيّ الناس هم الحلماءُ وأَيهم ليس كذلك. فإِن المرءَ إِنما يكون حليما في الأَشياءِ التي يجمل فيها الصفح.
قال: وضروب الإِساءة والظلم وإِن لم تكن صنفا واحدًا بل أَصنافًا كثيرة، فليس يجب أَن يسوى بين ما يقع منها على جهة الخطاءِ وهو الذي يكون من السهو والغلط، وما ليس يقع على جهة الغلط وهو الذي يكون عن المكر والشر.
[ ٤٧ ]
قال: والإِساءة: هي ما لم تكن عن جهل ولا عن شرارة؛ وأَما الظلم فهو ما كان من شرارة، لا من جهل.
والمقدمات التي بها يخاطِب من يَسئل الصفح عن الذنب الذي أَوجبت العقوبةَ فيه الشريعةُ المكتوبة على فاعله، أَعني التي ذكرها أَرسطو في هذا الكتاب: إِحداها أَن يقول الجاني: إِنه، أَيها المعاقب، يجب أَلا تقتدي بهذه السنة نفسها في ما أَوجبته علىّ من العقوبة، لكن بخلق الواضع لها في الصفح والرحمة.
والمقدمة الثانية أَن يقول: إِنه ليس يجب أَن ننظر إِلى ظاهر لفظ الشارع في هذه العقوبة التي وضعها، لكن إِلى مقصوده، وذلك في الموضع الذي يكون المفهوم من اللفظ ضد ما يقتضي ظاهره من العقوبة. والثالثة أَن يقول إِنه ليس يجب أَن نتنزل العقوبة على حسب الفعل الظاهر مني، لكن على حسب النية والاختيار، وذلك حيث يظن أَن ذلك الفعل لم يكن عن اختيار منه. والرابعة أَن يقول: إِنه ليس ينبغي أَن يعاقب على ما كان في الفرط ونادرا، لكن على ما كان متكررا من الجاني، وذلك إِذا لم يتقدم منه ذلك الفعل. والخامسة أَن يقول: إِن الإِنسان ليس ينبغي أَن يعاقب على حسب حاله الحاضرة حتى ينظر إِلى أَحواله المتقدمة وأَحواله المستقبلة، وذلك عندما تكون هذه الأَحوال شافعة له. والسادسة أَن يذكره بالخيرات التي وصلت من الجاني إِلى المجني عليه. والسابعة أَن يذكره بالخيرات التي وصلت إِلى الجاني من المجني عليه، فإِن ذلك يحركه إِلى أَن يعدو العفو عنه من جملة تلك الخيرات. والثامنة أَن يحرضه على التأَني عند الظلم بأَن يقول له: إِنه ليس ينبغي أَن يعجل الإِنسان إِذا ناله جور من إِنسان، فيكافئه بالعجلة، لكن يتوقف، فعسى أَن يكون في عاقبة ذلك خير يناله. والتاسعة أَن يقول: إِنه ينبغي للإِنسان أَن يكون مع الناس مسامحا يقنع بالقول الجميل دون الفعل، وأَلا يكون شديد الاستقصاءِ. والعاشرة أَن يقول: إِنه ينبغي لللإِنسان أَن يكون متنزها عن الخصومات والعقوبات. والحادية عشرة أَن يقول: إِن الاحتمال والصفح من الخلق الفاضل؛ والمتهورون وذوو الخَرَق يقرون بهذا إِذ يتشبهون بالحلماءِ فضلا عن غيرهم.
فقد تبين من هذا القول: ماهو التفضل والحلم والصفح، وما الحالم والصافح، ومن أَي من المتقدمات يستدعى الحلم والصفح. ولأَن المجني عليه يعظم الظلم الواقع به والجاني يصغره، فقد ينبغي هاهنا أَن يقال في أَنواع الظلم العظيم والظلم اليسير.
ومن الظلم العظيم ما يكون من الإِنسان القوي للضعيف، وما يكون من الغني للفقير. ولذلك ما قد يكون الظلم في الأُمور اليسيرة عظيما: إِما من عظم الشر نفسه الموجود في ذلك الشر اليسير، وإِما من عظم الضرر. أَما عظم الضرر في الشيءِ فمثل من يسلب الإِنسان قوته إِذا كان يسيرا وليس ملك غيره. وأَما الشر الذي هو عظم في نفسه، وإِن كان الفعل يسيرا، فمثل ما حكي أرسطو أَن رجلا خان الصناع الذين كانوا يدعون عندهم بالمقربن، وهم المختصون عندهم بصناعة محاريب البيوت المختصة بعبادة الله في ثلاثة أَفلس من مقدسة من المال المختص ببيوت العبادة.
[ ٤٨ ]
قال: فإِن ثلاثة أَفلس هي شيء يسير من طريق الجور في المال، وأَخذها من طريق ما هي من المال المقدس للصناع المقربين شر عظيم، وذلك أَن لك يدل على قوة الشر الذي في أَخها إِذ كان قد هتك حرمة بيت الله وحرمة ماله، ولذلك فاعل هذا ليس يرى أَحدٌ أَنه اتقى من الظلم شيئا، بل بلغ فيه الغاية. وأَما إِذا اعتبر مقدار المضرة في أَخذ الأَفلس الثلاثة، فليس هنالك ظلم يعتد به. وأَمثال هذه المظالم، أَعني التي تقع ببيوت الله وأَوليائه، ليس فيها صفح ولا حلم ولا احتمال، لأَن الصفح فيها والحلم ليس تقتضيه مصلحة، بل يجب أَن يكون الحاكم في أَمثال هذه ينفذ العقوبة ولا بد، إِما لمكان الانتقام من الجاني فقط، وإِما لما في ذلك من المصلحة العامة ولمكان هذا، قال الفقهاءُ عندنا إِن من قال في صاحب الشريعة ﵇ إِن زره وسخ قتل. ومن الظلم العظيم أَن يجمع على الإِنسان أَخذ ماله وتعذيبه. ومن الظلم العظيم أَيا أَن يكون العادلون والصالحون، وبالجملة ذوو الفضائل يعذبون على فضائلهم. ولذلك يكون الظلم الواقع بهؤلاءِ فخرا لهم وكرامة ليست يسيرة. ولذلك ترى كثيرًا من ملوك الجور يقصدون إِهانة العلماءُ بالضرب وغير ذلك من الشر، فيكون ذلك فخرا لهم في الحياة وبعد الممات، كما عرض لمالك وغيره من الفقهاءِ. وكذلك المقتولون من هؤلاءِ يعرض لهم من ذلك بعد الموت كرامة عظيمة، مثل ما نال أَصحاب عيسى ﵇ بعد موتهم من الكرامة من التابعين لهم. وبالجملة كل من أُوذي على شيءِ يكرم عليه الإِنسان فهو يستفيد بتلك الأَذية كرامة عظيمة. ومن الظلم العظيم أَن يكون نوعا من الظلم مبتدعا لم يفعله أَحد غيره لا قبله ولا بعده. ومما يعظم به الظلم أَن يكون هو أَول من فعله، فاقتدى به كل من أَتى بعده ففعل ذلك الفعل، كما قيل في هابيل وقابيل ومن الظلم العظيم إِلحاق الغرامة والخسران على الذين يتولون إِيصال الخيرات إِلى الناس مثل الظلم الذي يقع على واضعي السنن. ومن الظلم العظيم الذي يوجب العقوبات العظيمة في الشرائع المكتوبة مثل الإِلقاء إِلى السباع عند بعض الأُمم. ومن الظلم العظيم الظلمُ الذي يقع من المرءِ بقرابته وخاصته لأَن ذلك يكون لبغضهم والنفور عنهم. وأَذية القرابة وبغضهم إِنما يحمل عليه إِفراط الشرارة. ومن الظلم العظيم الغدر بالأَمانات والفجور في الأَيمان ونقض العهود وما أَشبه ذلك من الأٌمور التي تقتص في الأَخبار المكتوبة ولذلك كانت عقوبة هؤلاءِ ليست كعقوبة سائر الظالمين، بل يفضحون مع العقوبة على رءُوس الأَشهاد مثل عقاب شهداءِ الزور، فإِنه ليس يقتصر على عقابهم دون أَن يفضحوا في مجالس الحكام وتسخم وجوههم. ولذلك زيد في عقاب الفرية عندنا التفسيق ورد الشهادة. وأَقبح ما تكون الخيانة والغدر لمن تقدم منه إِحسان للغادر والخائن. والذي يرائي بأَفعال الخير، وقصده الشر، هو من هذا النوع. والظلم في السنن الغير المكتوبة، أَعني تعديها، أَعظم من الظلم في السنن المكتوبة؛ وذلك أَن السنن الغير المكتوبة كأَنها شيء يضطر إِليها الإِنسان، إِذ كانت كل الأَمر الطبيعي له، مثل بر الوالدين وشكر المنعم. وأَما السنن المكتوبة فليس هي باضطرار للإِنسان. وإِن تعدى السنة المكتوبة فظلم ظلما مستبشعا فهو ظلم عظيم مثل قتل الأَطفال والنساءِ. والغرامة في الأَشياءِ التي ليس فيها غرامة في السنة المكتوبة من الظلم العظيم. ولذلك كان أَقوى الأَسباب في فساد الرياسات.
قال: فقد تبين من هذا القول الظلم العظيم والصغير، إِذ الصغير ضد العظيم، والشيءُ يعرف بمعرفة ضده.
وقد ينبغي أَن نقول في التصديقات التي تسمى غير صناعية، أَعني التي ليس تكون عن قياس خطبي أَصلا، فإِن أَليق المواضع بذكرها هو هذا الموضع، إِذ كانت أَخص بالمشاجرية منها بالإِثنين الباقيين من أَجناس الأَشياءِ الخطبية، أَعني المشاورية والمنافرية.
وهذه التصديقات الغير الصناعية هي خمسة في العدد: أَحدها السنن، والثاني الشهود، والثالث العقود، والرابع العذاب، والخامس الأَيمان.
والكلام فيها هاهنا إِنما هو كيف يستعمل واحد واحد منها في الشكاية والاعتذار.
[ ٤٩ ]
فلنقل أَولا في السنن فنقول إِن السنن لما كانت منها عامة ومنها مكتوبة، فقد يجب إِن كانت السنن المكتوبة مضادة للشيءِ الذي يَقصد تثبيتَه الشاكي أَو المعتذر أَن يحتج بالسنة العامة الموافقة له، أَعني المضادة للسنة المكتوبة، ويقويها، ويزيف السنة المكتوبة. فأَحد المواضع التي ذكر مما تزيف به السنة المكتوبة هو أَن يقول: إِن الواجب هو الأَخذ بالسنن الغير المكتوبة، لأَن الإِنسان إِذا اقتصر على ما توجبه السنة المكتوبة لم يكن محسنا ولا حليما ولا صفوحا، إِذ كان الإِنسان إِنما يوصف بهذه الأَشياءِ إِذا اقتدى بالسنة العامة على ما تبين، وبالجملة فإِنما يتطرق المدح والإِكرام من قبل السنن الغير المكتوبة، فاعل الواجب لا يمدح. ولذلك لا يسمى من يعطي القدر الواجب من المال في السنة المكتوبة سخيا.
وموضع ثان وهو أَن يقول: إِن السنن المكتوبة إِنما يقتصر عليها العامة من الناس الذين لا روية عندهم، وذلك أَنها أُمور مفروغ منها، فأَما الاقتداءُ بالسنن الغير المكتوبة وتقديرها فهو لذوي الروية والخواص من الناس.
وموضع ثالث: وهو أَن السنن المكتوبة شاقة إِذ كانت تقصر الإِنسان على أَشياء محدودة، والسنن العامة ملائمة لطبائع الإِنسان وهو أَهم.
وموضع رابع: وهو أَن السنن المكتوبة كثيرا ما يكون تركها أَنفع وأَفضل وأَزيد في الخير، إِذ كان الشيءُ المحدود لا يلائم كل إِنسان ولا في كل حين. وأَما السنن الغير المكتوبة فقد تقدر تقديرا يلائم كل إِنسان وفي كل زمان.
وموضع خامس وهو: أَن السنة الغير المكتوبة أَبدية غير متغيرة لأَنها في طبيعة الناس، والسنن المكتوبة متبدلة ومتغيرة. وحكى عن امرأَة مشهورة عندهم أَنها اعتذرت عن رجل دفن عندهم على غير السنة المكتوبة بأَن قالت: لم أَكن لأَدفنه على سنة تكون اليوم ولا تكون غدا، بل على السنة التي لا تبيد أَبدًا.
وموضع سادس وهو أَن السنة المكتوبة مظنونة، إِذ كانت مقبولة من الغير، وإِنما هي معروفة بالطبع. ومن القول النافع في ذلك أَن نقول: أَن نقول: إِن السنة العامة هي التي يفعل بها الحاكم أَفعالا مختلفة بحسب النافع لشخص شخص ووقت وقت، والحاكم هو بمنزلة المخلص للفضة من الخبث، ولذلك قد يجب على الحاكم الفاضل أَلا يقتصر على السنة المكتوبة فقط، بل يستعمل السنتين معا حتى يتخلص له الحق في ذلك، ويتقرر لديه القول الخاص بالقضية التي يحكم فيها. ولذلك متى حكم في شيء، وكانت السنة المكتوبة ضد الغير المكتوبة، أَو كانت فيه سنتان متضادتان، فقد يجب على الحاكم أَن يستعمل السنة القديمة أَحيانا، أَعني الغير المكتوبة، في موضع، ويطرحها في موضع آخر؛ وكذلك الحال في السنة المكتوبة. فإِن بهذا الوجه يسقط التعارض الذي بينهما في الظاهر ويصح الجمع. وهذا الذي قاله بيّن من فعل الفقهاءِ - وهذا عندنا - في السنن المكتوبة المتضادة.
قال: ومتى أَشكل عليه وجه الجمع، فقد يجب عليه أَن يتوقف ولا ينفذ إِحدى السنتين، بل يرجئ الحكم حتى يتبين له موضع الشك والشبهة بين السنتين، إِما العامة النافعة وإِما المكتوبة الواجبة.
فهذا جملة ما قيل هاهنا في دفع السنن المكتوبة إِذا كانت مضادة للشيءِ الذي يقصد تثبيته.
وأَما إِذا كانت السنة المكتوبة موافقة للأَمر المقصود تثبيته، والعامة مضادة، فأَحد ما تزيف به السنة الغير المكتوبة المضادة أَن يقال: إِن السنة العامة متبدلة الموضوع ومتبدلة الأَوقات، فهي بالجملة غير غير محدودة، بل تحتاج إِلى استنباط وتحديد، وأَما المكتوبة فهي مفروغ منها. فإِذا كان المضاد في السنة الغير المكتوبة متوهما وغير معلوم بعد، وكان الموافق لنا في السنة المكتوبة مصرحا به، فقد ينبغي أَن يعتقد أَنه ليس يجب أَن كون الحكم يتعدى به السنة المكتوبة.
وموضع آخر تزيف به السنة الغير المكتوبة: وهو أَن السنة الغير المكتوبة تقتضي حكما عاما مثل الإِحسان إِلى من أَحسن إِليك، والمكتوبة تقتضي حكما خاصا وهو مقدار ذلك الإِحسان ووقته. والعام الكلي ليس يفعله أَحد، وإِنما يفعل الجزئي. والذي يفعل، هو الذي يجب أَن يمتثل.
وموضع آخر يقوي السنة المكتوبة: وهو أَن الوضع للسنة المكتوبة إِن كان واجبا، فاستعمالها واجب؛ وإِلا فأَيّ فائدة في وضع شيء لا يستعمل.
[ ٥٠ ]
وموضع آخر قوي في تثبيت السنة المكتوبة: وهو أَن واضعها نسبته إِلى الجمهور في تقدمه بعلم المصالح نسبة الطبيب إِلى الذين يطبهم، وبالجملة نسبة أَهل الصنائع إِلى من لم يكن من أَهل تلك الصناعة. وكما أَن الطبيب ليس ينبغي للإِنسان العليل أَن يتوانى أَو يتردد في قبوله قوله أَو تأوله، كذلك الحال في قبول قول الواضع للسنة المكتوبة، بل المضرة في مخالفة واضع السنن أَشد من المضرة في مخالفة الطبيب. وذلك أَن مخالفة الطبيب إِنما تلحق منها مضرة لواحد من الناس، ومخالفة واضع السنن يلحق منه هلاك أَهل المدينة بأَسرها.
وموضع آخر: وهو أَن الذين ينصبون حكاما في المدن إِنما هم الذين علموا السنن المكتوبة، لا السنن الغير المكتوبة. فإِن كل الجمهور يستوون في إِدراكها. وإِذا كان ذلك كذلك، فواجب أَن تمتثل السنن المكتوبة، وإِلا كان استعمال الحكام عبثا وباطلا.
فهذا جملة ما قاله في السنن.