أما ما يظن بأبي نصر في كلامه فيما شرحه من كتاب الأخلاق من أنه لا بقاء بعد الموت أو المفارقة، ولا سعادة إلا السعادة المدينية، ولا وجود إلا الوجود المحسوس، وإن ما يقال أن بها وجودًا آخر غير الوجود المحسوس خرافات عجائز، هذا كله باطل ومكذوب فيه على أبي نصر، وذكر ذلك أبو نصر في أول قرائته. وليس يشبه قوله في هذا أقوال التي هي لوازم برهانية. وأقواله في هذا الكتاب أكثرها منسوبة، ويتشوق الرد بها على جهة توبيخ وسح لا يليق بمثله، مثل ما يقوله فيمن يقول أن بها وجودًا آخر غير الوجود المحسوس أن قوله خرافات عجائز، بمثول سمجة ليكون حيوان عن حيوان أو عن النبات.
وليس القول فيما هي السعادة الآخرة خرافات، وسيتبين أن لها وجودًا آخر غير الوجود المحسوس.
وكذلك لا يشبه قوله أقواله فيما نسبه إلى بعض المتقدمين أنه يحصر عند المفارقة إحصارًا شديدًا. وليس هذا قول أحد المتقدمين بل هو قول إخوان الصفاء الضالين.
ويظهر من هذا القول إن السعادة إنما هي أن يكون الشخص جزء مدينة يخدم أو يخدم بحسب مرتبته في أن تحصل له ولأهلها الخيرات الكثيرة المحسوسة المدنية الملذة على ما يليق بمصالح الجميع، ويخدم بحسب مرتبته في أن يحصل له ولأهلها على أفضل الأموال المدنية وأبلغها في بقاء النوع على السلامة بطول البقاء.
[ ٣٤ ]
وهذا كله خطأ، فإن من حصل له الكمال الإنساني، فإن هذا الكمال المديني المحسوس هو كمال للإنسان بما هو جسم متغذ حساس متخيل ناطق النطق الذي يعم الجميع، حتى يدخل تحت هذا الحد جميع من يخدم المدينة ويسوسها، ويعرف قوته الناطقة في استنباط الخيرات المدينية بحسب مرتبته، كان خادمًا أو مخدومًا أو المتولي السياسة. وليس هذا وجودًا آخر بحسب ما يظهر من أقوال المتقدمين بحسب خفاء ما جاءت به الشريعة عليهم. وليس هذا هو الكمال الإنساني عند المتقدم الذي يخصه بحسب شرفه في الوجود من بين سائر الحيوان الذي خص به الإنسان، وهو العقل، بحصول معقولات غير مرئية يقرب بها من الأول، لا يحتاج في وجوده ذلك إلى مادة، وليس يكون موجودًا محسوسًا، وهذا هو نظر ما بعد الطبيعة، وأما الوجود المحسوس فنظر الطبيعي.
ويتبين من قول أرسطو في مقالة و. الجواهر الموجودة ثلاث: جواهر في الكون والفساد.
وجواهر الأجرام السماوية.
وجوهر هو عقل لا يحتاج في وجوده إلى مادة. أعلاها الجوهر الذي هو عقل وعاقل بمعقول هو ذاته، وعالم وعلم بمعلوم هو ذاته لا يحتاج إلى ذات أخرى يعلمها ويعقلها، بل لعلمه بذاته فقط يعلم جميع الموجودات التي استفادت الوجود عن كمال ذاته، فهو يعلمها من علمه بكمال ذاته، فهو عالم بجميع ما يفيض عنه على مراتبها. ولهذا يعلم الجزئيات الموجودة بتوسط من جعل له ذلك بعلمه من ذاته لما جعل له، فلا تخفى عليه خافية. وسائر ما هو عقل إنما استفاد ذلك بمعقول ليس هو ذاته، إما واحدًا وإما أكثر من واحد، وأخسها عقل الإنسان لأنه إنما يستفيد العقل بمعقولات كثيرة ليس هي ذاته فقط.
والتدبير المديني معونة عظيمة في وجود عقل الإنسان، ولا سيما المدينة الفاضلة والتدبير الفاضل الذي غايته الأخيرة وجود العقل بمعلومات كثيرة أولها الله ﷿ وملائكته وكتبه ورسله وجميع مخلوقاته. ولهذه المعلومات درجات بحسب مراتب أسباب العلم، حتى يكون لكل من في المدينة قسط ما من هذا الوجود بحسب قوة إنسان إنسان.
هذا هو الخير الأخير الإنساني وجميع الخيرات المدنية إنما هي خير من أجل أن لها معونة في وجود هذا. فجميعها خير لا بذاته، وهذا خير بذاته. ومتى كان شيء من الخيرات المدنية خيرًا بذاته، ولم تكن غايته هذا، لم يكن خيرًا في الحقيقة، بل هو خير مظنون أنه خير، مثل الصحة والسلامة وغير ذلك من الخيرات المدنية. وهذا بين من عدة مواضع، وانظر في آخر هذا الشرح تجده قد ذكر شيئاَ من هذا.
ولما كان عقل الإنسان من جملة العقول، وإن كان أخسها، فله بقاء. ودع ما يقال من إثبات وإبطال في أن عقل الإنسان يحتاج في وجوده إلى مادة أو لا يحتاج، وإن له حياة أخيرة غير المحسوسة أم لا. فانظر إلى بصيرة نفسك بحسب كمال ذاتك هناك اللذة. ألست تجد في نفسك وجودًا يقينيًا بصيرة تدرك بها في الموجودات التي في القوة المتخيلة معلومات ليست بمحسوسة ولا بمتخيلة، وهذه المعلومات تسمى المعقولات، حتى لا يكون لك في القوة المتخيلة متخيل بوجه وإلا فلك فيه مدركات جاءت من ذلك الشخص المتخيل. والبصيرة المدركة لما في التخيل إذا أدركت. وأنت تتيقن بحقيقة ما تدركه وتبصره بتلك البصيرة، كما تتيقن بإدراك المحسوس بالحس، مثل أن هذا زيد، وإن هذا الوقت نهار، وغير ذلك من المحسوسات، حتى تكون نسبة هذا المدرك الذي هو عقل إلى مدركاته من القوة المتخيلة نسبة الحس المدرك إلى محسوساته، هذا يبصر وهذا يبصر بالضوء ما يحصل في الضوء، وهذا يبصر بتلك البصيرة ما يحصل في التخيل. وهذه البصيرة قوة إلاهية فائضة من العقل الفعال، وهي التي ذكرها أبو نصر في مقالة العقل والمعقول. وفي هذه المقالة المذكورة هداية غير ما يظهر من أول هذا الشرح الذي قد أفسد كثيرًا.
وإذا كانت هذه البصيرة الفائضة من العقل الفعال، وهي غير الفعال، تأخذ المعقولات وهي العقل الإنساني قائمًا تفسد وهيه باقية لا تحتاج إلى مادة، وقد حصلت فيها مدركات لم تكن. انظر هذا.
[ ٣٥ ]
وإذا كنا نسمي حيًا كل من له في الوجود إدراك بحاسة، وهو أخس الإدراكات. أليس الواجب أن نسمي حيًا من يدرك المدركات الي هي أشرف، وهي ماهيات المدركات المتخيلة. وما يدرك بالعلم اليقيني عما حصل عن تلك الماهيات المأخوذة عن القوة المتخيلة، مثل ما تخيلنا لماهيات الحركات المساوية فيحصل لنا عن معرفة ماهيات هذه الحركات السماوية أشرف المعلومات وأعلاها. والمدرك لهذه المعقولات أحق باسم الحي.
وإذا حصل هذا للإنسان عقل ذاته من حيث حصل فيها المدركات بذاته، ولا يحتاج إلى مادة ولا إلى أشياء غير ذاته من جهة ما حصل فيها تعقلها.
وأنا أرى أنك تستشعر بهذه البصيرة المبصرة في المختيلات بحسب كمالك، وأنه يظهر لك أن في النفس ما يشبه الضياء من الشمس أو غيره، تدرك النفس بها ما يدركه البصر بضياء الشمس، وترى النفس تنفش في المتخيل بتلك البصرة مثل ما يفعل البصر بالعينين في أن يبصر المبصر، وذلك يسمى فكرًا وهذا يجب بالبصر. وإذا أكمل الإنسان بحصول معقولات كما لا يجمع ما يمكن أن يحصل في القوة المتخيلة وما يلزم عن معرفة تلك المعقولات، كان فعله في ذاته لا في القوة المتخيلة، فصار تصوره وفعله في ذاته في معقولات، كان فعله في ذاته لا في القوة المتخيلة، فصار تصوره وفعله في ذاته في معقولات، كلية. لا.. في خيالات أشخاص جزئية في معقولات نعم جزئية، ولا يتلفت إلى خيالات الأشخاص التي في القوة المتخيلة، مثل خيال زيد وعمرو وهذا الفرس.. المتخيل هو ذلك الشخص بعينه ليس هو لسواه. والعقل لهذا يرى ببصيرة النفس وقول الله ينظر إلى هذا وقوله الحث أو منم جعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج عنها.
فقد تبين مما ذكرته أن ثم وجود غير الوجود المحسوس، وما أعظم هذا النظر كيف خرافات العجائز.
[ ٣٦ ]