بسم الله الرحمن الرحيم والله الميسر والمعين العادة إنما توجد للإنسان بالنفس النزوعية، فإن الذي يقبل العادة هو الجزء النزوعي والجزء العادي.
والعادة أصناف تقال عليها العادة بتشكيك، فيجب أن نحصي الأشياء التي تقال عليها العادة، ونلخص بعضها من بعض حتى تتميز.
الخشوع ومقابله لا اسم له في العربية فليسم الاستهانة. والخشوع للكمال من جهة أنه كمال، والاستهانة بالنقص من جهة أن نقص. لكن لما كان الكمال والنقص ليسا بذاتهما موجودين، بل أنهما حالان لحقتا الأمور، فكأنهما جنسان، فلذلك إنما يوجدان في موضوعاتهما، فكل كمال فيجب أن يخشع له. وهذه قضية أولى معترف بها عند الجميع، فأما أن هذا وذاك كمال فذلك مما يحتاج إلى تبيين. فقد يكون أمر ما عند قوم كمالًا، وعند آخرين نقصًا، وذلك بين لمن يتصفح الشرائع المختلفة والآراء والسير. وقد يكون شيء كمالًا عند شيء ونقصًا عند شيء آخر، وهذا هو الكمال بالإضافة. وهذه قد تكون وقتًا كمالًا ووقتًا غير كمال. لكن هذا ليس يقال له كمال، بل إنما يطلق عليه اسم الخير فإن الخير إما أن يكون مرادفًا للكمال أو أعم منه. والأشياء التي هي كمال قد تكون بالوضع وبالشرع، فتكون في بعضها الآراء المكتوبة والآراء المكتوبة تشتمل على الكمال بالوضع فتكون عند قوم ما، وعلى الكمال المشهور فتكون عند الجميع، وما بالوضع فمختلف. فما كان كمالًا عند قوم لا يكون كمالًا عند آخرين، وكذلك من نشأ في قوم لا تخشع نفوسهم لأمور يستهين بها آخرون. فلذلك إذا كان ما هو كال في الوجود وكان إنسان ما من قوم قد اعتاد إلا تخشع نفسه لذلك الذي هو كمال، ثم تبين له أن الأمر كمال لم تخشع له نفسه، ولا أكرمه، ولا رأي أنه حصل له شيء، فيكون ذلك العلم عند ذلك الإنسان مطرحًا لا يحفل به غلا من لزومه عن القول. وكما أن المرضى يحسون الحلو مرًا ويرون الواحد كثيرًا، كذلك مرضى النفوس يرون الكمال نقصًا ويرون النقص كمالًا، وكما أنه لا سبيل لهؤلاء المرضى إلى أن يحسوا الحلو أصلًا حتى يصلحوا، كذلك مرضى النفوس لا يمكنهم أن يروا الخير خيرًا حتى تصح نفوسهم. وكما أن من المرضى من يحس الحلو مرًا ويقضي عليه أنه مر، ومنهم من يحس أنه مر ويعلم أنه حلو ويقضي أن الآفة عنده فالأول واجب عليه أن يشتهيه وأن يطرحه والثاني ألا يشتهيه فقط وكلاهما لا يفعل عن الحلو ما شأنه أن يفعل عنه، كذلك مرضى النفوس يلحقهم هذا بعينه فلا يفعلون عن الخير، ولا يحركهم الخير، ولا تكون الصورة الروحانية للأشياء التي هي خير تحرك هؤلاء أصلًا، بل أن حركتهم فإلى الهرب منه.
[ ١٥ ]
وأهل السنن المشهورة والموجودة في سني الستمائة للهجرة من تاريخ العرب فكلها توقع في النفوس أمراضًا، فلذلك لا يعرفون الكمال المتبرئ عن القوة، وإنما يعرفون السكون، وهو أذى بالقوة محضًا، وهذا يقترن به الشوق، فهم لذلك لا يشعرون، لأن الشوق ألم، ويعرفون من الكمال ما تقترن به الحركة لأن اللذة عند ذلك تكون. وإذا حصل الكمال وتم، لم يشعروا به. ولذلك لا يشعر الصحيح بصحته ولا يرى أنه أعطى شيئًا له قدر، ويشعر المرضى بها، فيرونها أعظم المدركات، إذ كانوا بالقوة أصحاء.
والشعور بالسكون الكمالي، إن جاز أن يقال له سكون، لأنه سكون لا تقترن به قوة حركة فلذلك هو سكون على العموم، أمر فاضل جدًا. فيجب أن نرتاض بالشعور به حتى يحصل ملكة، وهذا النوع إذا حصل ملكة كان له غناء في وجود إنسان عظيم القدر جدًا. وهذا مما يجب أن يقدم فيوضع قبل القول في السعادة القصوى.
وكما أنا قلنا في الأفعال، فكذلك يجب أن نفحص فنحصي على كم وجه يقال أن الفاعل يفعل، وكيف نحس الجزء النزوعي بالفعل. فإن النفس النزوعية تنفعل، وإنما نفعل لا بالنفس النزوعية، بل بجزء آخر هو بالفعل، لأن النزوعي بالقوة فقط. فقد يظن أن القول فيها لم ينقض في الكون والفساد، كما عرض ذلك في اليمين، فإن أرسطو إنما تكلم فيه في الآثار العلوية فيما لحق الجزء الكائن عن الاسطقسات، ولذلك قال في الخامسة عشرة من الحيوان أن القول في اليمين لم ينقض. وكل منفعل بل كل متحرك فهو بالفعل شيء ما، وهو بالقوة شيء آخر. فإنه لو لم يكن بالفعل شيئًا أصلًا لكانت القوة شيئًا موجودًا بالفعل، ولكان للهيولى الأولى صورة، وكان الإمكان قائمًا بذاته وشيئًا قائمًا بنفسه، وهذا ظاهر لمن زاول الصناعة الطبيعية أيسر مزاولة.
والمتحرك هو جوهر ما، بل هو جسم ما، لأن كل متحرك منقسم. لكن ذلك هو للمتحرك بجهة متوسطة بين ما بالذات وما بالعرض. وأرسطو بعد ذلك فيما بالعرض، فإنه إن كان بالذات بوجه ما، فليس أولًا. والمتحرك بالقوة شيء ما بالذات وأولًا، وهو متحرك من جهة ما هو بالقوة، حتى لو وجد ما بالقوة شيئًا مفارقًا للأجسام لتحرك بنفسه، وصار ذلك الشيء إما جوهرًا أو كيفا أو كما أو أينا أو غير ذلك من المقولات. لكن ما بالقوة يلزمه اضطرار كما قلنا أن يكون شيئًا ما بالفعل أحد المقولات، وهذه بالقوة أحد المقولات. فليكن ما بالقوة ووما بالفعل ح وبالقوة ك. وبين، لمن مارس العلم الطبيعي أيسر ممارسة، أن ما بالقوة من جهة ما هو بالقوة ليس تحت مقولة، وإن كان ما تحت مقولة، أي مقولة كانت، فهو موجود بالفعل. فالمقولات إذن تقابل ما بالقوة كما تقابلها ما بالفعل في ح وك إذا كانا تحت مقولة واحدة ف ح وك نوعان متقابلان. فإن كان جوهرين فلا اسم لهما. لكن قد يسميهما أرسطو وأبو نصر عند الحاجة إلى ذلك متضادين إلا أن المتضادين يحتاجان إلى موضوع واحد بالفعل وليس لهذين موضوع بالفعل. وإن كانا تحت أحد أنواع المقولات التسع، فما بالقوة موجود ضرورة جوهرًا، فله وجود ثالث هو به موضوع ل؟ ح وك. ف؟ ح وك إن كانا تحت الكم فهما أكثر شبهًا للمتضادين من الصنف الأول. ولذلك يقال في النمو أنه حركة وأنه تغير أكثر مما يقال في التكون. وقد شابه أنواع الكم المتضادات في نحوين: أحدهما أنهما أنواع تقترن بها إعدام مجانساتهما كما وجد ذلك في صور الجواهر.
والثاني أن لها موضوعات موجودة بالفعل قابلة لأنواع الكم، وليس لأنواع الجوهر موضوعات بل هي الموضوعات. بل أن قيل للمحرك موضوعات فبطريق التشكك. وإنما فارقت المتضادات في أن ليس لأنواع الكم طرفان محدودان ينطق عنهما، فإن أعظم الكلاب لا يمكن أن يكون له عظم الفيل، وأصغرها لا يمكن أن يكون له عظم نملة. فأنواع عظم الجواهر كثيرة مختلفة، وأطرافها غير محدودة. إلا أن يكون بالإضافة إليها، فيعرض لها تضاد كما يعرض لأطراف المزاج في الكيفية. وقد لخص ذلك في المزاج.
[ ١٦ ]
فأما ح وك إن كانا كيفيتين، وكانا تحت واحد من أجناس الكيفيات الأربعة، فلهما موضوع موجود بالفعل، ويقترن بكل واحد من أنواع الجنسين عدم مجانساته، وفيهما نوعان طرفان لا بالإضافة بل بالإطلاق. ولا يمكن أن يوجد نوع أبعد من ذلك الطرف من مقابلة، وليس كذلك فيما هو كم. فليكن أصغر عظم، وهو الكلب مثلًا، عليه أ، وأعظم عظم عليه ح، وإنما وجد في أب وح؟ ود، فكل نوع من الكم يوجد في الكلب فهو أقرب من ح من عظم أمن د، وليس يوجد عظم أبعد من أمن د، ولو وجد ذلك لكان كلبًا أصغر من د، وهذا لا يمكن. لكن إن فرضنا أحجرًا فقد يوجد فيه أصغر من د، وليكن هـ؟ فعظم د أقرب إلى أمن هـ؟. ف د ليس طرفًا في م إلا إذا كان م هو كليًا فهو نوع من الجواهر. فعظم أود ليس طرفين بالإضافة إلى الموضوع الأول الذي هو بالقوة، وهو الهيولى على التحقيق وبالذات، بل هما طرفان بالإضافة إلى الكلب، والكلب ليس بهيولي بل يجري مجراها، لكن جزاء من أجزائه هو هيولي. وأ وح ليسا طرفين من جهة إضافة لحقتهما فليسا إذن طرفين في الوجود، فإن كان شيء يوجد له أمر ما من جهة ما هو ذلك الشيء، فهو له في الوجود. وما كان يوجد فيه بحال ما، وكان ذلك الشيء يوجد ليس له تلك الحال، فليس يقال أنه كذلك في الوجود، بل أن كان له في الوجود فعلى طريق النسبة. وأيضًا فإن ح وك، إن كانا ليس تحت مقولة واحدة، فيمكن ضرورة أن يكون ح وك، وإلا كان د عدمًا، ولم يكن شيئًا موجودًا. فغن كان لا يمكن ذلك، فليس ك وح أحدهما موضوع للآخر إلا كما يقال أن البر بالقوة بارد، لأن البر لا يلزم الحار في الماء وتلخيص هذه وإحصاؤها سهل لمن أراد ذلك، ونحن نكتفي بهذا التلخيص على طريق الرسم.
فالمتقابلات كلها إذا كانت في موضوعاتها فيلزمها ضرورة فيها إعدام مقابلاتها. والإعدام أصناف، فمنها عدم الجوهر وعدم الكم وعدم الكيف. ولست أقول أن الجوهر يعدم أصلًا ولا الكم. فإن كان شيء ما ليس بكم كالعقل، فإن هذا سلب وليس بعدم. وقد لخص أبو نصر النحو الذي به يقال له عدم. والعدم ينسب إلى المقولة على نحوين: منها سلبها، كقولنا: السماء لا ثقيلة ولا خفيفة. ومنها رفع سلب نوع نوع منها عن موضوع يمكن أن يوجد فيه ذلك النوع، وهذا أحق باسم العدم من الأول، ثم يقال بعد ذلك النوع، وهذا أحق باسم العدم من الأول. ثم كتاب قاطاغورياس. وهذا النحو الثاني الذي ذكرناه هو الذي يذكره أبو نصر ويقول: أرسطو يعد عدم كل مقولة فيها، فعدم الجوهر في مقولة الجوهر، وعدم الكم في مقولة الكم.
وبين بأيسر تأمل لمن زاول الصناعة الطبيعية أن المادة الأولى لا يمكن فيها أن نعرى من بعض المقولات حتى لا يكون فيها نوع واحد منها فأول ذلك الجوهر، وذلك مما تبين في الأولى من السماع الطبيعي، إذ لو عريت عنه لكانت المادة الأولى ذات صورة. ويليه الكم فإنه لوا جوهر واحدًا هو، لأنه ليس بجسم، فما أبعد من ألف العظم مما لا ينقسم، فإنه إن كان كذلك وجد جوهر لا كم له وهذا محال. وقد تبين في أول السادسة من السماع ويتبين بيانًا أكثر عند التأمل. ويجب أن تعلم أن العظم يقال على المستدير والمستقيم بتشكيك، وإن العظم المستدير ما كان له مركز، وقد لخصنا ذلك في تفسير معاني السابعة من السماع الطبيعي، ثم بعد ذلك في الهيولى جنس الكيف الانفعالي كالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ولذلك كل جوهر هيولاني فهو جسم. والجسم يقال بتشكيك على المتحرك باستدارة، وعلى المتحرك باستقامة، وهيولاهما ليست واحدة بالنوع، كما صورهما، بل تتناسب تناسب الصور. والمادة التي تقبل الحركة على الاستقامة هي الهيولى على التقديم، فأما التي تقبل الحركة المستديرة فهي أبدًا موضوع، وليست بهيولى ولا مادة، بل إنما يقال لها هيولى ومادة بالمناسبة، كما يقال هذه موضوع بالشبه والمناسبة. فالهيولى الأولى لا تخلو من جنس الكيفية الإنفعالية، ولا يمكن تعريها منها، ولذلك إذا أراد أرسطو أن يدل على جميعها يقول كل جسم ملموس. وكذلك كيفية الكم الذي هو الشكل والصورة، وكذلك الأين، وكذلك الوضع، وكذلك المتى، وكذلك الإضافة. فهذه المقولات التسع بين من أمرها أن الهيولى الأولى لا تعري منها، لكن بعضها أبين من بعض.
فأما الفعل والانفعال فقد تشكك فيه، لكن إذا تعقب أمره ظهر أنه كذلك.
[ ١٧ ]
فأما مقولة له فإنها توجد لذي النفس، وقد يوجد في الجمادات ما يظن به أنه له، غير أنه إذا تعقب أمره ظهر أنه ليس تحت هذه المقولة. وكذلك اللون فقد يظن ببعض الأجسام أنها غير ذات لون كالهواء والزجاج، وأبين من ذلك الطعوم والروائح والمذاقات، فإن موضوعها قد يخلو من جميع أنواعها. لكن وإن كان ذلك فليست هذه موجودة للجوهر بذاته أولا، بل إنما توجد ثانيًا، وبعد أن تتقدمها في الموضوع موجودات شتى تحت مقولة أخرى، وكأن هذه وإن لم تكن أنواعًا لتلك فهي كالأنواع. مثال ذلك الطعوم، فإنها وإن لم تكن أنواعًا للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فليست خارجة عنها لأنها حرارة لحقها أمر آخر صارت به تلك الحرارة نوعًا لجنس آخر، كما عرض في القول في الأكر المتحركة، فإن النظر فيها ليس هندسيا متأتيًا للنظر الهندسي بل هو واقع تحت النظر الهندسي. وقد لخصنا ذلك في أقاويلنا في النفس.
وقد تلخص ما قلناه على نحو آخر وهو أن كل جسم فهو مؤلف من صورة وموضوع. وموضوع الأجسام السرمدية يخص بالموضوع، وموضوع الكائن الفاسد يقال له هيولى ومادة وما شاكل هذه الأشياء وكل جسم فاسد فهو أسطقس أو مؤلف من اسطقسين فزائدًا. وكل مركب من أشياء ففيه ما لتلك الأشياء، فالأشياء اللازمة للاسطقسات هي لازمة لكل جسم هيولاني، والأشياء اللازمة للاسطقسات من المقولات هي أنها جواهر، وإنها ذوات إعظام، وإنها ذوات كيفيات انفعالية، وإنها ذوات أوضاع وأيون، وإن لها متى، وإنها مضافات، وإنها تفعل وتنفعل. وكل جسم ففيه هذه الأجناس من المقولات ضرورة، وأما سائر ما يوجد للأجسام الهيولانية فهي راجعة إلى هذه. مثال ذل الخشونة والقحل والصلابة واللين والملاسة، فأما سائر ما يوجد للأجسام الهيولانية فهي راجعة إلى هذه مقال ذلك. فإنها ضروب من الرطوبة واليبوسة، فإن اليبوسة إذا لحقها عارض صارت خشونة وقحلا، ومن الرطوبة تكون الملاسة واللين، وقد ذكر ذلك أرسطو في الثانية من الكون والفساد. وكذلك الطعم والرائحة فإن هذين الجنسين منهما في الثانية من الكون والفساد. وكذلك الطعم والرائحة فإن هذين الجنسين منهما الرطوبة واليبوسة كالهيولى، وأما الألوان فالقول فيها قول آخر. وإذا تعقب الأمر فيها ظهر أن هذا الجنس يوجد للإسطقسات، واستقصاء ذلك في غير هذا الموضع.
وقد تبين في السابعة من السماع أن الاستحالة إنما تكون في المحسوسات، فليقف من شاء على ذلك من كلام أرسطو هنالك، ومما قاله المفسرون فيه. فالفعل والانفعال إنما هما في الكيفيات الأولى وهي التي بها يكون الكون والفساد، وهي الأربعة. وقد عددت في مواضع كثيرة.
وقد بينا نحن في مواضع غير هذه أن القوى تقال باشتراك على المنفعلة وعلى الفاعلة، ورسمنا كل واحد من هذين الجنسين، فالقوى الفاعلة هي ضرورة موجودة وإنها تقترن بموجود بالقوة، والقوى المنفعلة تصير ضرورة موجودًا، وتصير شيئًا ما مشارًا إليه بعد أن كانت غير موجودة لكنها تقترن بموجود. والحركة في المكان تناسب الانفعال، ولا فرق بينهما فيما نريد أن نقوله.
[ ١٨ ]
وكل متحرك فله محرك، وكل منفعل فله فاعل. والحركة في المكان إنما تنسب إلى الحيوان خاصة، وإلى الأجسام المستديرة. فلنترك القول فيما يخص المستديرة، فإنه ليس تنسب لنا هذه. والحيوان إنما يقال أنه متحرك بذاته ومن ذاته في المكان خاصة، وذلك أن فيه المحرك وهي النفس، والمتحرك وهو البدن، وقد تلخص ذلك في الثامنة من السماع. فالمنفعل هو البدن، والفاعل القريب هو النفس، وهو النزوع. ولا يكون نزوع إلا بوهم، وقد يكون الوهم ولا يكون نزوع. والوهم حتى يكون له كالآلة، أو هو في المتحرك حتى لا تكون هيولى لذلك الوهم إلا بذلك النزوع، فإنه ليس كل هيولي لكل متحرك، بل لكل محرك بالطبع متحرك بالطبع، وقد ذكر ذلك أرسطو في الثامنة من السماع. فأما أن التوهم ليس موضوعًا للنزوع، فذلك كالبين بنفسه، فالنزوع إذن في شيء آخر، ولأن النزوع في محسوسه، فهو ضرورة حال في جسم، إذ لا يحس إلا جسم. هل هو صورة لذلك الجسم كالزجاج، فإنه إذا كان زجاجًا بالقوة، وذلك عندما يكون حجرًا، فليس يمكن أن يتخذ منه آنية. فأما إذا صار زجاجًا بالفعل أمكن ذلك كالرطوبة في السمع، فهو حال في ذلك الجسم، ولذلك الجسم وجود ما آخر، فلنفحص عن ذلك. والمقدمات الخاصة بهذا النظر الذي تتخذ منه الدلائل عليه قليلة، ولكن ليس يجب علينا لذلك ترك الفحص. وفي أمثال هذه يقول أرسطو: أنا وإن علمنا أنا لا نبلغ من العلم بهذا الأمر كنهه، فلنبلغ منه قدر الكاد، وهذا إنما هو في التصور لا في التصديق. فنقول: إنه قد تبين في غير موضع أن القلب أو ما يقوم مقامه هو مبدأ الحيوان، وأنه ينبوع للحار الغريزي الموجود في البدن، وإن بالحار الغريزي تكون جميع الحركات الموجودة في البدن، وأعني بذلك الاغتذاء وضروب النزوع والتوهم والتفكر، فإن الهضم وإن كان في المعدة فهي كالكتابة، وإن كان القلم هو الذي رسم الأحرف فإن الراسم هو الإنسان.
وبالجملة فالمحرك الأول هو الذي ينسب إليه الفعل كما تبين ذلك في ثامنة السماع، وقلناه نحن في رسالة الوداع. فإن المنصور هو الذي قتل عبد الله بن علي، وإن كان لم يتناول ذلك المنصور بيده وكان بعيدًا عنه، فإن الآلة قد تكون متصلة بالفاعل، وقد تكون منفصلة. مثال ذلك الصائد هو الذي أخذ الذئب في الحبالة، وإن كان الصائد غائبًا عن الحبالة عند وقوع الذئب فيها، وذلك أن الآلة إما أن يودع المحرك الأول فيها حالاتها تفعل فعلها فلا تحتاج ضرورة إلى اتصالها بالمحرك. وإما أن لا تقبل تلك الحال إلا وهي متصلة بالمحرك كالقلم.