علمي بفضيلتك الفكرية والخلقية لا أجد معه إلى مخالفة إرادتك سبيلًا، لتكون سوء عشرة أوض بمعلوم، وكلاهما شرارة.
وكنت قد قلت أنه بلغك أن عبد الرحمن بن سيد كان قد استخرج براهين في نوع هندسي لم يشعر به أحد قبله ممن بلغنا ذكره، وأنه لم يثبتها في كتاب، وإنما لقنها عنه اثنان: أحدهما أنا، والآخر تلف في حرب وقعت في الأرض التي كنا فيها، وبلغك مع ذلك أني زدت عليه حين استخرجها والأمر أعزك الله على ما بلغك، ويكون ذلك بالعزم على أن أكتب لك كتابًا يتضمنها، وأن أضيف إليها مسائل قد كنت ذكرت لك أني صنعت براهينها مدة الاعتقال الثاني الذي كنت فيه. وقد كتبت إليك كل ذلك دون تفصيل، قال الذي صنعته إنما هو تتميم لما صنعه الرجل وتصريف له، فالمحرك الأول أحق بشرف الحركة من المحرك الثاني إذ كان متحركًا عنه، وقد كتبت إليك ذلك في هذا الكتاب.
كل فعل إنساني فإنه بالذات يسدد نحو غاية ما إنسانية، وهو الخير الذي ينال بذلك الفعل فمقصد تدبير المنزل الثروة، ومقصد التفكر العلم أو الظن. وقد توجد أفعال إنسانية تلحق عنها لواحق، قد يمكن في بعض تلك اللواحق أن تكون متشوقات، فتنصب غايات، فتفعل تلك الأفعال التي تلحقها تلك اللواحق المتشوقة لأجل تلك لا لأجل ما هي له بالذات. ومن هذا تتقوم صنائع كثيرة وقوى بعضها شرور كالمكر والتمويه والرياء وصنائع المستعبدين وما جانسها، وبعضها خيرات كتعلم الاحتذاء والرياضة بالأفعال التي تفعل لا لينال بها غاياتها الذاتية، بل لتنال أشياء سددت الأفعال بحسبها وهي أصناف: منها ما يطلب فيها أمور مباينة في الجملة لغاياتها كالمصارعة، فإن غايتها الذتية الغلبة، لكن قد تطلب بها الصحة. والصحة قوى أو قوى للجسم المتنفس من حيث هو جسم متنفس، وهذه يقال لها رياضة وأفعال رياضية. والرياضة بالجملة كل فعل إنساني قصد به أن تتمكن عنه قوة ما، أو تصير بحال أحسن. فأما الأفعال التي ليس يقصد بها حصول ملكة لم تكن فليست برياضة، ولذلك لا يعد تعلم الاحتذاء في الرياضة. فإن متعلم اللحن ليس يتغنى ليطرب. بل ليحصل اللحن ملكته، فإذا حصل له اللحن وكمل وردده لتمكن في نفسه ويكون أقدر على أدائه قيل لذلك الرديد ارتياض في اللحن. وقد لخصت تلك الأصناف التي تقال عليها الرياضة في مواضع أخر.
والفكرة صنفان: أحدهما صنف موضوعاته الذاتية الأمور الممكنة من جهة ما هي ممكنة، وغايتها بالذات الظن الصادق، فإن وقع اليقين عنها فالبعرض.
ومنها ما موضوعاتها الأمور الضرورية من جهة ما هي ضرورية، وغايتها اليقين فإن وقع عنها الظن فبالعرض.
والأول يخص الروية، والثاني لا اسم له. وقد يسمى في الوقت بعد الوقت الفكرة البرهانية والفكرة اليقينية. وقد يقال الروية على كليهما بالعموم.
[ ٤ ]
والروية والفكرة البرهانية ففي كل إنسان لم تلحقه آفة، وله قوة على قبولها. فأما وجود هذه القوة البرهانية ملكة فإنما هي للإنسان بالاكتساب. وقد توجد لبعض الناس بالطبع على ما يقوله تامسطيوس في القياس في ذوي الفطر الفائقة. فأما الروية فالاستعداد لها ينشأ بتنشئتنا، وهي تكمل باكتمالنا. وقد لخص أرسطو أمرها في السادسة من كتاب نيقوماخيا وليس الارتياض نحوها صناعة محدودة، ولا للأفعال الرياضية فيها اسم تختص به، والتجريب من أصنافها.
وأما القوة على الفكرة البرهانية، فإن الرياضة التي تصيرها ملكة أصناف كثيرة، وهذه تسمى عند القدماء التعاليم والعلوم الرياضية. فأما صناعة المنطق فليست برياضة، بل هي صناعة تشتمل على أنواع الفكر وكيف تكون، وتلخص كل واحد من أصنافها. ونسبها إلى العلوم الرياضية نسبة النحو إلى قصائد الشعر وأجزائها والخطب وأجزاءها ولذلك يروض نحويوا العرب من يعلمونه بتكليفهم إعراب أشعار العرب كشعر امرئ القيس وغيره.
وهذه التعاليم أربعة أجناس، ويشتمل كل جزء منها على أجزاء وما يجري مجرى الأجزاء، وقد لخص ذلك في كتاب البرهان. فأما هل كل واحد منها يروض قوة جزئية غير القوة الجزئية التي تروضها كلها يروض نوعًا واحدًا من الرياضة وتتعاون له، فذلك مما يليق بغير هذا النحو. فقد يظن أن الكل متعاونة على تخريج الذهن وتسديده نحو العلم البرهاني، إذ كان بالطبع إنما عرف وألف الطرق الخطابية. إلا أنه إن كانت صناعة الارتماطيقي الموضوعة في كتب الارتماطيقًا وغيره تعليمية وأقاويلها فرياضتها غير رياضة الهندسة، رياضة الهندسة واحدة بالنوع. وقد يظن بأبي نصر أنه يرى الأقاويل الموجودة في الارتماطيقا بلاغية على ما يفهمه قوله في شرح الخطابة. فإما كيف الأمر فيه فإن القول لائق بالارتماطيقى إذ كانت أول التعاليم في الرتبة وقوى الفكرة البرهانية أخرى.
والقوة التي يوجد بها البرهان إما أن تكون كالغاية لها أو تكون أشرفها. وقد يظن بقوة تأليف الحدود أنها أشرف، إلا أن ذلك بوجه آخر، وقد تبين ذلك في العلم الطبيعي.
والبرهان بالعموم على ما لخص في مواضع كثيرة ثلاثة أصناف: برهان الوجود، وبرهان السبب، والبرهان المطلق وهو الذي يعطي الوجود والسبب، وهذا أشرف أصناف البراهين كلها.
والارتياض في كل واحد من هذه إنما يكون بأن تفعل أفعالها على ما تلخص قبل. فالارتباض الذي يجعل القوة البرهانية ملكة، إنما يكون باستعمال البراهين المطلقة، وذلك بنحوين أحدهما كالغاية للآخر: أما الأول الذي هو كالتوطئة فهو إن نزاول براهين قد استنبطت على مسائل محدودة مؤلفة من أمور ذاتية ضرورية.
والثاني الذي هو كالغية أن يستنبط المرتاض براهين أكثر من واحد على أمثال هذه المسائل.
وظاهر على ما تلخص في البرهان أن الحد الأوسط يكون سببًا لوجود المحمول في الموضوع، فبالضرورة يكون الحد الأوسط إما حدًا أو جزء حد.
وهذا الارتياض ضرورة إنما يكون فيما تصور بما به قوامه، لأنه إن تصور لا بما به قوامه لم يكون فيما تصور بما به قوامه، لأنه إن تصور لا بما به قوامه لم يكن الأوسط شيئًا، وكان القياس إما دليلًا وإما قياسًا صادقًا، وهو الذي يسميه الإسكندر الأفروديسي برهانًا منطقيًا.
ولما كانت التصورات، كما قلناه في أقاويلنا في صناعة النجوم، منها أول وهي المناسبة للمقدمات الأول، ومنها ما توجد بنحو آخر على ما توجد عليه المقدمات التي ليس من شأنها أن يوقعها قياس، وكانت هذه إما أن تكون متقدمة أو متأخرة، والمتقدمة هي التي بها يكون الارتياض، وكانت الأطوال وما يعرض لها ويوجد لها مما يتصور بهذا النحو، كانت مما يمكن أن يرتاض بها. فإن المثلث قوامه بأنه سطح تحيط به ثلاثة أضلاع، والزاوية القائمة قوامها بمساواتها للزاوية التي صامها وقد يظن ببعض البراهين المكتوبة أنها دلائل، فإن لمتشكك إن يتشكك فيقول: إن المهندس قد يبين المسألة وعكسها، فإن كان برهان أحدهما برهانًا مطلقًا فالآخر ليس كذلك، فبان أن كل مثلث مستقيم الخطوط زواياه مثل قائمتين ليس ببرهان مطلق. وقد لخصنا في أقاويلنا في البرهان ن أمثال هذه ليست مباينة للقضايا المؤلفة من المحمولات على المجرى الطبيعي، بل إنما هي تتميمات للبراهين الكائنات عليها.
[ ٥ ]
وإما هل يكون في الأقاويل الهندسية أمور بالعرض، فذلك إنما يكون عن سهو المهندس. مثال ذلك ما بينه أوقليدس إن ضلع المسدس إذا اتصل بضلع المعشر انقسم الخط على نسبة ذات نسبة وطرفين، فإن ذلك إنما هو لضلع المسدس بالعرض لما عرض إن كان مساويًا لنصف وتر الدائرة، وهو مثل قولنا الطافي على الماء إذا اتصل بالنار صار لهبًا، وليس ذلك للطافي بأنه طاف، وإنما ذلك للطافي بأن عرض له إن كان زيتًا. وهذا قل ما يوجد في كتب المهندسين، وإنما تسامح في ذلك أوقليدس، أو ذهب عليه، لتلازم وجود ضلع المسدس ونصف القطر بالتكافؤ لزوم الوجود.