حدود ومقدمات يقينية ونتائج عنها يجب أن نرتاض فيها حتى وجودها.
المبدأ يقال على ما له وجود حصل، أو يحصل عنه وجود شيء آخر مما ليس بموجود بوجه، ولا يمكن أن يحصل عنه موجود.
ومتى كان الفاعل له فاعل، وتسلسل إلى ما لا نهاية له، وجب إلا يوجد موجود بوجه، إذ ما لا نهاية له من الفاعلين غير موجود. فلذلك يجب بالضرورة أن ينتهي الفاعلون إلى فاعل أول واجب الوجود بذاته وهو السبب الأول
[ ٣٢ ]
وبين أن الواجب الوجود بذاته لا يكون وجوده. إلى ما لا نهاية له، والواجب الوجود بغيره لا يوجد.. بذاته فمتى رفع الغير الذي هو به وجوده كان ممتنع الوجود بذاته. فإذن متى أخذ وجوده بغيره وجب وجوده، ومتى أخذ وجوده بذاته كان ممكن الوجود، وإما أن يوجد وإما أن لا يوجد. لأنه بالإضافة إلى غيره يوجد ويرفع هذه الإضافة لا يوجد، وهو بحسب ذاته معرض لأحد الوجهين إلى وجود وإلى أن لا وجود، وهذا هو من طبيعة الممكن.
والممكن الوجود حادث عن محدث. والمحدث منه محدث بحسب ذاته وفي زمان يعم طرفيه، ومنه محدث بحسب ذاته لا في زمان، وهو الواجب الوجود بغيره أبدًا، فيكون محدثًا عن غيره أي مستفيد الوجود عن غيره. فقد كان بحسب ذاته لا موجودًا إذ كان مستفيدًا للوجود وحادث الوجود عن غير وذلك في غير زمان.
فتكون العقول الإلهية مع الدهر لا مع الزمان، والأجرام السماوية مع الزمان لا في زمان. وكذلك تقوم الأجرام لأنها المحدثة للزمان، وما في الكون والفساد هو بحسب الزمان لأنه في الزمان والزمان محيط له به، فيه أول وآخر.
والواجب الوجود بذاته لا يكون وجوده بغيره، فليس له سبب عنه كان وجوده ولا فاعل له ولا صورة في مادة ولا غاية ولا له أجزاء كان عنها وجوده، فهو واجب الوجود بذاته من كل الجهات، فهو واجب الوجود بذاته، وسبب الوجود لكل ما سواه. وكل ما سواه واجب الوجود به، فهو السبب الأول والواحد بذاته، البريء من إنحاء النقص الكامل الوجود، وليس وجود لسواه، وليس يمكن أن يكون وجوده إلا له، فقد انفرد به.
والخير هو وجود ذات، أو وجود ما هو صلاح ذات، والشر مقابله، وهو عدم ذات أو عدم صلاح ذات. ولما كان الأول وجوده وجود محض خالص من كل نقص، كان هو خيرًا محضًا خالصًا من كل نقص. ولما كان هو واهب كل وجود كان واهبًا لكل خير وكل صلاح. ولما كان كل ما في الكون والفساد بطبيعته وجودًا، أو عدم لوجود، كان الوجود في الكون خيرًا وعدم الوجود شرًا. غلا أنه لما. الوجود هنا أبدًا عن عدم صار العدم، وهو شر، سببًا لوجود الخير. ومن هذه الجهة قيل في الشر الذي هو عدم أنه خير بالعرض.