يجب أن نفحص عن الواحد وأصنافه، وعلى كم نحو يقال، فإن ذلك يدخل الشك فيما تبين في المقولات أنها واحدة، وأن أرسطو مثلًا والفارابي واحد بعينه ذلك، وبالجملة في الأجناس والأنواع فائدته القول في هذا النحو في محمول القضية.
فقد ظهر إذن في الإثبات الموجود في النفس أن النفس إنما ركبت بذلك هذا النحو من التركيب.
[ ٢٠ ]
وكذلك يجب أن نتجوز في العلم الطبيعي عندما نبرهن فيه على الأنواع التي لها شخص واحد، إما اللذين كالشمس والقمر، وإما الذي كالأرض، فإن الأرض أنما يوجد لها شخص واحد كلي، وهي تفني بأجزائها، وكذلك الهواء والأرض في ذلك أشد تغليطًا. فإن البيان على الكلي لا على الشخص، حتى لو كان للشمس مثلًا أشخاص كثيرة لكانت تتحرك خارج المركز، فعند ذلك تكون المقدمات ذاتية، وإن أخذت على أنها ذلك الشخص، لم تكن المقدمة ذاتية على هذا النحو، وكانت علمية بالعرض، وعند ذلك يمكن ن تكون هذه المقدمات، سواء كانت أول أو نتائج، نافعة في الحدود بالذات.
وجنس العدد هو المجتمع من الواحد ومن الكثير. وأعني بقولي: المجتمع، المتقوم. كما يقال الحيوان يجتمع من المغتذي والحساس، وليس في العدد معنى غير هذين. ونجد الأعداد إذا تكثرت وجدت بذلك أمور كثيرة مختلفة، فأولها الزوج والفرد والجذر والمربع والمكعب، وبالجملة فالمجسم والمسطح والأول والمركب والمباين والمشارك والتام والناقص والزائد والمحاب وسائر ما يلزم هذه.
فقد يجب أن ننظر كيف لحقت هذه اللواحق المختلفة أجناسها لما تركبت من معنيين.
الواحد قد يكون شخصًا مشارًا غليه كزيد وعمرو وهذا البياض وتلك الاستدارة. وقد يكون صورًا روحانية كالإسكندر وتبع. وقد يكون أنواعًا، وبالجملة فأمور معقولة كالخمسة الستة والإنسان والفرس، وبذلك نقول أن القطوع ثلاثة وإن ذوات الأضلاع الأربعة خمسة أنواع.
والواحد الموضوع للعدد الذي يجري منه مجرى الهيولى فليس بواحد من هذه ضرورة، بل هو معنى الوحدة في موضوع، سواء كان هيولانيًا أو روحانيا أو معقولًا، لأن الوحدة مما يقال في موضوع، اللهم غلا فيما وجوده أنه واحد، فإن تبرهن ن شيئًا بهذه الصفة دلت فيه الوحدة على ما يدل الواحد. وظاهر أن ما هذا سبيله فليس موضوعًا لعدد، إذ لا يتكثر، فإن التكثر إنما يلحق الواحد من أجل الهيولى. فالواحد الموضوع للعدد فيه ضرورة أمر يجري مجري الهيولى. وإذا كان الواحد يلحق المعقولات فالمعقولات له تجري مجرى الهيولى.
وظاهر هنا إن الواحد يقال باشتراك على المعقولات وعلى الموجودات الهيولانية. وقد تلخص في غير هذا الموضع أن الواحد يقال على المعقول بتقديم وعلى الهيولاني بتأخير، لكن ليس في الزمان، وتبين هنا مما قلناه، إذا نظر فيه يسر نظر، أن العدد يقال على الهيولانية بنحوي التقدم، وعلى المعقولات بالتأخير وعلى طريق النسبة. فلننظر في اللاحق للمعقولات، فالواحد المعقول هو متقوم من معقولين: أحدهما يجري مجرى الهيولى، والأخر يجري مجرى الصورة. وهذا غير مدفوع مما يوجد العقل، فإن العقل قد يكون موضوعًان فإن الموضوع والمحمول هذه حال أحدهما من الآخر، فإن المحمول صورة الموضوع. وقد يكون ذلك المحمول موضوعًا كالحد الأوسط في الشكل الأول، وما أحسن ما شبهه أرسطو بالخط المستقيم المتساوي بعضه على بعض. وإلى هذا المعنى أشار أفلاطون عند محاكاته إياه بالدوائر اللولبية.
وإن نحن فرضنا أن ذلك يعرض في معقول لزم من ذلك ما لا نهاية معًا في الوجود، وذلك محال لا مرية فيه. فإذن سننتهي ضرورة إلى عقل لا يمكن أن يوضع، فيعمل منه شيء. بل أن عقل فذاته حتى يكون معنى عقل ومعقول فيه واحدًا. فهذا هو الذي يلزمه القول أن هناك شيئًا أو عقلًا وهو بهذه الصفة. وهذا القول رسم، فإنه لا يتقدم ذلك المعنى بأنه لا يعقل منه غيره، بل أن هذه كلها نسب تلحقه، وأعدام نسب تلحقه. والذي يظهر من القول نه أخص به فهو الحد الذي يجري مجرى نتيجة برهان، وهو المقام مقام الجنس، وهو المدلول عليه بقولنا عقل. لكن هذا ليس بجنس بل هو اسم مشترك مشكك، وإنه أخص من قولنا شيء، إذ الشيء ليس يدل على الهيولاني وعلى غير الهيولاني، وعقل يدل على ما ليس بذي هيولى، فإذن يدل من هذا الوجود على جهة يمكن أن يتصور بها بنحو أخص.
[ ٢١ ]
وأما أي عقل هذا العقل، وكيف لنا تصوره التصور الأتم بحسب طباع الإنسان، وهل تصوره الأكمل هو بحسب طباعنا أو بحسب طبيعته، فإن كان بحسب طبيعته فهو تصور تام من حيث هو موجود، وإن كان بحسب طبيعته، فإن كان بحسب طبيعته فهو تصور تام من حيث هو موجود، وإن كان بحسب طباعنا كان التصور في نفسه تم، إذ لا يمكن أن يكون أنقص فإنه ليس بذي هيولى كالزمان والحركة والمكان وسائر الموجودات الناقصة. وما هل تصور الموجودات الناقصة الوجود بحسب طباعنا أو بحسب طبعها ففيه فحص وعويص. وأما الكاملة فقد لخص القول فيها أرسطو فيما بعد الطبيعة، وذكر ذلك مرسلًا في أول المقالة الأولى من كتاب الفلسفة الأولى، وقد ذكره أبو نصر وغيره وأرشد إليه.
وهذا القول جرت العادة أن يقال في التصورات الناقصة أما لأنها ناقصة كذلك بطباعها، أو لأنها كذلك من أجل طباعنا، فنقول: إن المعقولات الأول التي تفيدنا إياها الطبيعة من غير سعي لنا في ذلك نعمده ولا تفكر، فهي المبادئ الأولى للفكرة والروية، وبها يسمى الجسم الموجودة فيه هذه إنسانًا ناطقًا بتواطؤ، فهي المقولات. فإن أي حيوان لم توجد فيه هذه ما أنها فيه بالقوة وهو كذلك بالطبع كالجنين ساعة يولد، أو بالعرض كالحد أصناف المعتوهين، فإن ذينك ليس واحد منهما إنسانًا بالإطلاق، فإن سمي إنسانًا فعلى الجهة التي يسمي الجنين عند كمال الخلقة في الرحم إنسانًا، وإنما هو إنسان متكون، والآخر إنسان خارج عن الطبع.
فالمقولات هي تصورات لأمور موجودة في أجسام محسوسة، فكل واحدة منها صورة مجردة عن الهيولى، لكن لا تفيدها الطبيعة إلا مقترنة بموضوعاتها غير مجردة عنها وغير متصورة مكتفية بأنفسها، كما نجد ذلك عند الصبي أول ما يعبر عنها في نفسه، فيسال ويجيب، فإنه إذا سئل عن محسوس واحد بعينه كم هو وأين هو وكيف هو ومتى كان، أجاب عن كل سؤال بواحد من أنواع المقولات الخاصة بذلك السؤال أو أجناسها المتوسطة وأشخاصهم، ثم بعد هذه الحال تصير له حال أخرى، وهي التي تسمى الروية، فيركب ويفصل ويفتش، وبالجملة فهو في الحالة الأولى الطبيعية إنما يسلك العقل عنده على خط مستقيم غير متقسم، وكذلك ما لم تحصل له الروية النظرية، أو من العملية الجزء الذي تشارك فيه النظرية. فإذا حدث له شيء من النظرية فقد قسم الخط بنصفين، وثنى أحد النصفين على الآخر، وخرج العقل من سلوكه على دائرة إلى سلوكه على خط لولبي، وهو عند ذلك يجعل العقل شيئًا ما موجودًا أو يقيمه مقام الموجودات الهيولانية، ويكون العقل في حال وضعه مؤلفًا من شيئين: من المحمول وبه يصير معقولًا، ومن الحال التي بها صار معقولًا موضوعًا لا. فإن الموضوع إن كان هو والمحمول واحدا من جميع الجهات، لم يكن ذلك محمولا ولا هذا موضوعًا، ولا كان المؤلف منهما قضية، ولذلك لا يصدق ولا يكذب، وإنما يكونان اسمين مترادفين، وقد تلخص ذلك في كتاب الحروف.
والمعقول يوجد موضوعًا بوجوده: أحدها عندما يحمل عليه حده أو أجزاء حده التامة. مثل قولنا: الكرسي جسم من خشب صنع ليجلس عليه، وقولنا: الكرسي جسم.
والثاني عندما تحمل عليه الأعراض كقولنا: الكرسي طويل أو عريض.
والثالث وعندما تحمل عليه الأحوال المنطقية كقولنا: الكرسي جنس متوسط.
والرابع أو عندما نفحص عنه كيف وجوده المعقول، لا كيف وجوده الهيولاني. فإن الفحص عن وجوده الهيولاني، وهو وجوده في أشخاصه، يقف بنا على جسده، وفحصنا عن وجوده المعقول ليس يقف بنا على هذه، بل يقف بنا على ما هو العقل بالفعل، لأنه لا فرق عند ذلك بين وجود الكرسي وبين وجود الإنسان من حيث هما معقولان.
وهناك وجوه أخر تعديدها فيما نحن بسبيله فضل لا يحتاج إليه، فلنقتصر من أصناف الحمل على هذه، ولنفصل القول فيها فعند ذلك يظهر لنا الحال التي حاكاها أفلاطون بالسلوك على الدوائر اللولبية، وأرسطو بانثناء الخط المستقيم.
وجمع أنواع الحمل إذا أحصيت الإحصاء اللائق بهذا الفحص كانا: إما حمل موجود في مشار إليه على موجود مشار إليه كيف كان، أو يستند إلى مشار إليه، وأقسامه: حمل الجنس والفصل على النوع، وحمل الجنس على النوع.
وحمل العرض على النوع.
والحمل من طريق ما هو على الشخص.
والحمل من طريق ما ليس هو على الشخص.
[ ٢٢ ]
أو حمل ما ليس مشارًا إليه على ما ليس بمشار إليه، ولا من جهة أنه في مشار إليه، بل من جهة ما تنزل المعقولات منزلة الموجودات، فيكون المعقول يجري مجرى الشخص، وذلك حمل الأحوال المنطقية على المعقولات الأول، كقولنا: الحيوان جنس والناطق فصل. وهذا يدخل في حمل العرض على الشخص، فليعد في القسم الخامس.
والثاني حمل ما يجري من هذه من طريق أنها موجودات تتنزل منزلة الأشخاص.
والدلالة على المعقولات من هذه الجهة غير معروفة في لسان العرب، وأحرى بأن يكون في سائر الألسنة، وهو في طلبنا هذا المعنى الكلي الذي نحمله على كثيرين.
وأما ما يدل عليه لفظ إنسان أو فرس ما هو وما قوامه، فهو من جهة يعد في القسم الثاني، ومن جهة أخرى يليق أن يعد في الرابع. إلا أنه في القسم الثاني أحرى وأليق. وبالجملة فليعد قسمًا بنفسه من غير تقسيم.
كمل ما وجد من هذا القول.
الحمد لله على نعمه.