قال الوزير أبو بكر ﵀.
التشوقات النظرية الطبيعية أولها وأقدمها لا بالزمان فقط بل وبالطبع، وكما يتقدم السبب المسبب وهو الذي به نقول ما هو، وهو التشوق إلى ما به قوام ذلك الشيء. وهذا قد يمكن أن يعطي خلوًا من الهيولى، فإذا أعطى خلوًا من الهيولى حدث تشوق آخر، وهو الذي نسأل بعما ذا هو، فإذا علمناه واتفق أن أعطى هذان فقط حدث تشوق آخر، وهو الذي فوق هذه الصورة هذا الموضوع ولأي شيء لقريب وكيف صار له بعد أن لم يكون له في وجوده، سواء كان كائنًا أو لم يكن، وهذا السبب هو المحرك القريب. فإذا أعطيناه حدث لنا تشوق رابع وهو لم كان هذا، وماذا كان القد في تأليف هذا المعنى إلى هذا الموضع الذي من أجله حرك المحرك، وما القصد في هذا الوجود، فإن لنا بالطبع هذا التشوق، ولذلك يعد أرسطو قولنا: أن الطبيعة لا تفعل باطلًا وإنما تفعل من أجل شيء، في المقدمات الأول، فإن هذه المقدمة لو كانت باطلًا حتى يكون فعل الطبيعة نحو شيء إنما هو بالعرض لا بالذات، لكان هذا التشوق غير طبيعي. فلننزله كما هو في نفسه، فإذا أعطيناه فقد كمل العلم بالشيء، وكف التشوق جملة.
[ ٧ ]
وإذا تأملنا كل واحد من هذه الأربعة، التي هي الصورة والمادة والفاعل والغاية، تنزل كل واحد من هذه منزلة الشيء، ونشأ تشوق إلى الوقوف على أسبابه. وهذا لا يمر إلى غير نهاية فسنصل إلى مادة لا مادة لها أصلًا، وإذا وقفنا على مادة لا مادة لها لم ينشأ تشوق وكف هذا التشوق ولم يوجد. فإذا هذا التشوق إنما كان من أجل هذا السبب، فهذا السبب له إلينا نسبة طبيعية. لأنا متى لم نجده كان تشوق، فوجود هذا هو الغاية التي إليها تتحرك بهذا التشوق إنما كان من أجل هذا السبب، فهذا السبب له إلينا نسبة طبيعية. لأنا متى لم نجد كان تشوق، فوجود هذا هو الغاية التي إليها نتحرك بهذا التشوق. وكذلك متى وصلنا إلى فاعل لا فاعل له أصلًا كف هذا التشوق، فإذن ذلك الفاعل كان لمتشوق بالطبع. وكذلك إذا وصلنا إلى صورة ليست أصلًا متصورة بغيرها كف أيضًا ذلك التشوق. وكذلك في الغاية القصوى إذا وصلنا إليها كف ذلك التشوق.
لكن إذا كف تشوق واحد، كتشوق الهيولى، فهل ينزل منزلة الأوساط فتكون فيها التشوقات الثلاثة أم لا يكون فيها تشوق أصلًا. فإن لم يكن كذلك فأي التشوقات يبقى وأيها يذهب، وهل كلها كذلك أو بعضها، وما نسبة التشوقات الطبيعية بعضها من بعض، فنقول: إن التشوق الذي يكمل بذلك السبب، فليس يمكن أن يكون فيه، فإنه لو كان فيه لم يكن ذلك السبب أولًا. فأما أنه يمكن أن ينشأ فيه موضع سؤال، فذلك ممكن في بعضه. أما وجود المادة فينقطع عنه بذاته أولًا التشوق إلى وجود السبب والذي على طريق المادة، وينقطع عنه بالقصد الثاني السؤال بما، لأنها غير ذات صورة كما تبين في الأولى من السماع الطبيعي، فإنها إن كانت ذات صورة فهناك مادة أقدم، ولذلك ينقطع عنه من ذلك السؤال عن الفاعل، لأن كل ما ليس بذي صورة فليس هناك محرك ولا ما يجري مجراه. وأما السبب الذي على طريق الغاية فلم ينقطع عنه، فإنه لو انقطع عنه لكان موجودًا بنفسه، وهو إنما هو موجود بالفعل، فكيف يكون موجودًا على أن وجوده ذاته، فهذا السبب يبقى دائمًا. وكذلك الفاعل والمحرك يح؟ فإن الواجب أن ننتهي إلى فاعل لا مادة له، لأنه إن كان ذلك مادة لزم هناك أن يكون فاعلًا أو ما يجري مجراه، وهو الذي به صارت هذه الصورة في المادة، سواء كان ذلك تكونًا أو وجودًا كصور الأجرام المستديرة في موادها. وكذلك الغاية لأنها إن كانت صورة في مادة لزم أن تكون هناك الأربعة، فصارت غير غاية قصوى. فإما الصورة فليس يلزم فيها ذلك من هذا الوجه أولًا، فإنه إن وضعناها في مادة لم يلزم عنها ضرورة أن لا تكون صورة قصوى، بل يلزم عنها أن تكون لها غاية ومحرك، وهو السبب الذي به تكون الصور من الهيولى. لكن إن نحن نظرنا إلى الغاية، فإن كانت غير الصورة، فهي خارجة عنها، ففي الصورة جزءان أحدهما أكمل من الآخر، والأكمل هو صورة، فلم تكن صورة قصوى. ولننزل الأمر على أن الصورة القصوى ليست في مادة.
فهذه إذن هي مبادئ التشوقات، فإن كانت الصورة والغاية والفاعل واحد بالموضوع كثيرة بالقول، فذلك المطلوب الطبيعي بهذه القوة النظرية التي لنا بالطبع.
لكن قد توجد هنا تشوقات أخر غير هذه، وهو تشوقنا الذي يدل عليه حرف هل. وهذا التشوق قد يتقدم في الزمان السؤال بما، ولكن ذلك بالعرض، لأنا إنما نسأل بهل بعد أن يكون الشيء عندنا متصورًا بوجه ما، وأنه معنى ما معقول، ثم نطلب هل هو موجود أم لا. وهذا السؤال إنما يكون فيما لم يعطيناه الطبع، وفيما هو ليس لنا معلوم بالطبع. فإذا صار في حال التصورات الطبيعية، صارت له التشوقات الأربعة. فالسؤال بهل هو موجود، هو لنا بالحال التي لنا من غير الطبع، وإنما هو طبيعي بوجه آخر. فإن السؤال بهل هو إذا كان القضية المقرون بها حرف هل إنما هو ليصير به ذلك الموضوع في الحال التي من التصورات الطبيعية، وبينا أنا قد عرفنا ما الذي دل عليه بذلك القول.
ويتبين في كل أمر طبيعي أن له إلى أذهاننا نسبتين: إحداهما كالمادة، وهو أن يكون متصورًا مطلقًا.
[ ٨ ]
والثانية شيء يوجد في التصور، ولا يمكن أن يوجد خلوًا منه، وهو التصديق إن ذلك المعنى مستند إلى مشار إليه، وإن ما له ماهية خارج الذهن بها وجوده وليس وجوده بما له في الذهن حتى يكون قوامه وإنما هو بالذهن فقط، وإن ذلك التأليف الذي له إنما استفاده من الذهن، والذهن سبب وجود ذلك التأليف فيكون سبب وجوده لا في ذاته، بل خارج ذاته وقد استقصى ذلك في مواضع آخر.
وكل متحرك فله محرك، والأمر إذا كان مزمعًا أن يكون يقينًا فيجب أن يكون قبل بالقوة يقينًا، فالبضرورة سيكون أمر يصيره شيئًا بالفعل، والاعتقاد بحال الذهن من حيث هو ذلك التصور موضوع، لأن التصور كما قلنا إنما هو يجري مجرى الهيولى، فإن كان إنما صيره في الذهن حال خارج عن التصور، كان ذلك سبب وجوده في الذهن فذلك مفارق لذاته، فقد يمكن أن يوجد من حيث هو ليس متصلًا بذلك السبب. وإذا ورد من تلك الجهة لم توجد له تلك الإضافة، فلم يكن يقينًا، وعاد الذهن إلى حالة الأولى. فلذلك كان من خاصة اليقين إلا يزول بعناد أصلًا.
وإذا صار في الذهن من حيث هو ما هو، وتحرك من القوة إلى الفعل بالقوة المستفادة، خرج من القوة إلى الفعل. وحال هذا من النفس يقال له يقين، فلذلك إما أن لا يعلم بسبب هو تصور، وذلك هو المعلوم بوسط. وإما أن يعلم بوسط هو سبب وجوده، وإذا علم على هذا الوجه كف التشوق لذلك السبب. فلذلك البرهان الذي هو حد بالقوة أكمل البراهين، والحد المؤلف أكمل الحدود، لأنه ليس يبقى بعده تشوق أصلًا. وبين أن أجزاء أمثال هذه البراهين، ينبغي أن تكون أجزاء الحدود. وظاهران في أجزاء الحدود ما يليق أن يكون نتيجة برهان، ومنها ما يليق أن يكون مبدأ برهان. وأيضًا فإن أجزاء الحدود يجب ن تكون أسبابًا وذاتية.
وظاهر أن القسمة لا تعطي ذلك بما هي قسمة، بل هذا شيء يجب أن يكون معلومًا عند القسمة، وهذا العلم هو المشتهر بالعرض لا بالذات. وكذلك يعرض مثله في طريق التركيب، فإن التركيب بما هو تركيب لا يلزمه ذلك. فإن القصد بذينك النظرين الحدود، فكيف يمكننا أن نستعمل الحدود فيهما، ولا طريق إلى الوقوف على أن المحمولات ذاتية إلا بالحدود.
فأما البرهان فإن ذلك من أجل ما به وجوده، ولا يلزم ذلك فيه طريق دور، فإن الموضوع فيه ليس المحدود بل هو جزء الحد، وليس في وضع علم حده مصادرة على المطلوب. فبين أن العلم بالبرهان إذا كان بهذه الصفة لم يفد أسباب الشيء، وظاهر أن نسبتها إليه هي الذاتية، غير أنه يفيدها وهي غير محمولة عليه، لأنه إنما أفادنا الأجزاء وهي بحال لا يمكن ن تحمل عليه. مثل أن يكون جزء البرهان جزءًا غير تام، فلذلك يبقى أن تصير تلك الأجزاء بحال تحمل عليه، ويركبها تركيب تقييد، فيصير ذلك البرهان الذي كان حدًا بالقول حدًا بالفعل.
فأما إذا كان المطلوب حده طرفًا أصغر في القياس، فإن الوسط إن كان غير سبب وللموضوع، لم يلزم ضرورة أن يكون ذلك سببًا للموضوع ولا ذاتيًا له، فكيف يمكن أن يكون منه حد، فيحتاج إلى سباره بأشياء آخر غير البرهان. وأن كان الوسط سببًا، وكان كالطرف الأعظم كليًا له، كان الطرف الأوسط جزء حد، وكان الطرف الأوسط الجزء الأول القريب منه، ومنه يأتلف الحد.
فقد ظهر مما قلناه نسبة البرهان إلى الحد، وما مقدار غنائه فيه. وأجزاء الحدود المؤلفة بالطريق الصناعي وغير المؤلفة، نسب أجزائها بعضها إلى بعض واحد بالنوع، فإن كان هناك جزء وهو بالذات مبدأ برهان، فهناك جزء يجري مجرى مبدأ برهان. وإن كان هنالك جزء هو نتيجة برهان، كان هناك جزء يجري مجراه، فتكون الحدود.
وإن كان هناك حدان، أحدهما متقدم للآخر، والمتقدم هو مبدأ برهان والمتأخر نتيجة برهان، ففي الحدود الأول ما هو كذلك. فتكون الحدود إما حدًا هو مبدأ برهان، أو حدًا يجري مجرى مبدأ برهان. ويكون حد هو نتيجة برهان، أو حد يجري مجرى نتيجة برهان. وكذلك تكون مؤلفة من أجزاء نسبها هذه النسب بعينها، فيكون الحد مؤلفًا من مبدأ أو ما يجر مجراه، أو نتيجة برهان أو ما يجري مجراها.
فهذه النسب هي لأجزاء الحد من حيث المحدود طبيعة قائمة. وأما النسب التي بها تكون أجزاء الحد فصولًا وأجناسًا، فإنما هي لها من حيث الموضوع للحد مضافًا إلى مقابله، ومن حيث هي شيء آخر غيره.
فلنقل في البراهين التي تنتج المتأخرة عن الموضوع.
[ ٩ ]
هذا آخر كلامه في هذا المعنى وكذا وجد.
الحمد لله على نعمه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
وحيث انتهيت إلى مثل هذا الموضوع من الأصل وجدت ما مثاله: قابلت جميع ما في هذا الجزء من الأصل المنقول منه، وهو بخط الشيخ العالم الأوحد الكامل الفاضل الزاهد أبي الحسن على بن عبد العزيز بن الإمام.
وكما بقوص في سلخ شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وخمس مائة.
وكتب الحسن بن النضر في التاريخ المذكور.