﵁
بسم الله الرحمن الرحيم والله الموفق في جميع الأمور اعلم أن النغم التأليفية هي نسب اختلاط الأفلاك ودورانها ونغم الطبيعة العاملة بالمجاري الصحيحة. ولما راموا تلك الحكاية، وشبهوا تلك النسب الوهمية وحملوها على الطبائع الإنسانية، وجب لكل إنسان أن يميل إلى الطبائع المركبة فيه. فإذا وقع التشاكل وتوافقت الطباع تاقت النفس وفعلت وامتدت روحانيتها وانبسطت وجرى فيها من المادة الروحانية ما يبعثها على الأنسة. ولهذا كانت الفرس إذا أرادت تدبير لذاتها امدت النعم والغناء بأشعار تشارك الغرض الذي يخوضون فيه، فيطاع لهم الرأي الجميل ويوافق الصواب مذهبهم الجميل. وذلك أن ضارب العود إذا كان حاذقًا فطنًا، وأراد أن يحرك صاحب صفراء ويهيجه، ألح بالضرب على البم، للمناسبة التي بينهما في الخفة واللطافة يهيج له السرور. وكذلك إذا أراد أن يحرك صاحب الدم ويهيج سروره ألح بالضرب على المثنى للمناسبة التي بينهما فلذلك يهيج الدموي المزاج، ويبعث له السرور والجذل ويتحرك له الفرح، ووزنه ضعف وزن الزير. وإذا أراد أن يحرك صاحب البلغم إلى طبعه ألح بالضرب على الزير، فإنه للمناسبة التي بينهما الكون طيبعتهما تهيج له الأحزان وتثير له الغموم والبكاء والنياحة. ووزنه ضعف وزن المثنى. وكذلك إذا أراد أن يحرك صاحب سوداء ويميل به إلى طبعه ألح بالضرب على المثلث للمناسبة التي بينهما لكون طبيعتهما طبع الأرض في حصامها وغلظ جسمها فيحدث له رعب شديد وجزع لأن السوداء أصل للفزع وعنها يتولد. ووزنه ضعف وزن البم، وأربعة أضعاف وزن المثنى، وثمانية أضعاف وزن الزير.
قال: وبالجملة فترى كل صاحب طبع يتحرك حينئذ في مذهبه على قدر طبعه.
قال: وينبغي للضارب، إذا أراد أن يوفي النغم حقها ويبلغ بالأنفاس غاياتها، أن يلتفت إلى المخارج الأربعة، وهي الصدر والحلق والجبهة والرأس، فيجعل بإزاء الصدر البم للمناسبة التي بينهما والصوت، ويجعل بإزاء الحلق المثلث، ويجعل بإزاء الجبهة المثنى، ويجعل بإزاء قحف الرأس الزير.
وكلما ارتفع الصوت إلى الرأس نزلت يد الضارب في الأوتار على النظام والترتيب الذي جعلته الحكماء للأصابع الأربعة، فإنها جعلت السبابة للبم، والوسطى للمثلث، والبنصر للمثنى، والخنصر للزير.
قال: وينبغي أن تحذر الضارب أن يركب بعض الأوتار بعضها في المجرى فيولد ذلك ضررًا في الأوتار وفسادًا في أصولها متى مسها المضراب أو حثها الضارب.
قال:
[ ٢ ]
فهذه هي الأصول التي إذا راعاها الضارب مشت أحواله ونغماته على السنن المستقيم والطريق القويم، وفاق أبناء جنسه، وكان يومه خيرًا من أمسه.