لما كان العقل علم ماهيات الموجودات، والموجودات قسمان: موجودات نعقلها ولا نقدر على إيجاد الموجود منها، فينقسم العقل قسمين، أحد القسمين عقل نظري يعقل الإنسان ببحثه ونظره موجودات لا قدرة له على إيجادها البتة، لكنها تحصل معقولة له، على نحو ما لخصناه قبل، والقسم الثاني أن الإنسان يعقل الموجودات الصناعية التي له قدرة على إيجادها، وهذا هو للإنسان العقل العملي، وكماله أن يعقلها ويوجدها وبين أن وجودها يوجد بإرادة الإنسان وإنما توجد بأعضاء بدن الإنسان و، إما بأن تتحرك الأعضاء دون آلت من خارج، وإما بأن تتحرك الأعضاء فتحرك آلات من خارج، فتحركه الأعضاء إذا تم وجود المصنوعات الصناعية التي تكون بإرادة الإنسان، وهذا بين بنفسه. وبين أيضًا أن أعضاء الإنسان ليست تتحرك من ذاتها لعمل ذلك المصنوع، بل تتحرك بإرادة الإنسان، ثم توجد خارج نفسه مصنوعًا مثاله في نفسه.. تأخذ الأعضاء في وجود ذلك المصنوع، وهذا المثال خيال متخيل في القوة المتخيلة من النفس فيه عموم، وهذا المثال المتخيل يزول عن النفس ويحصل. آخر. هكذا أبدًا كلما أراد الإنسان أن يصنع شيئًا يقيم في الخيال مثال ذلك المصنوع.
وإذا أمعن الناظر التثبت رأى ببصيرة نفسه أن قوة أخرى في النفس تبسط هذا المثال في الخيال، وتنقله من حال إلى حال حتى يكمل وجوده في النفس، وإذ ذاك تبدأ بتحرك الأعضاء لوجود ذلك المصنوع. وهذه القوة التي تفعل هذا وتبسطه في التخيل، هي التي تسمى العقل العملي. وهي العاملة أولًا، ثم التخيل يتخذ الأعضاء التي تتحرك لعلمه على نحو ما تحركها الإرادة بالقوة النفسانية.
[ ٢٨ ]
والعقل العملي إذن يبسط في القوة المتخيلة مثال المصنوع على مقدار ما يقصده من مقدار وهيئة، ثم تأخذ القوة المحركة للأعضاء من قوى النفس بما تحرك الأعضاء الحركات التي تدبرها فتدبرها وتوجد ذلك المصنوع الذي مثاله في القوة المتخيلة. فالعقل إذن أولًا هو الصانع لذلك المصنوع، لا الأعضاء التي تتحرك بالنفس، ولا القوة المحركة للآلات، بل العقل الذي يدبر تلك الحركات ويأخذ القوة المحركة للأعضاء بإيجاد الحركات. وقد تبين أن المصنوع لا يوجد نفسه، وإنما يوجد بما يليه ويماسه من الأعضاء والآلات المتصلة بالأعضاء. وبين أن تلك القوة للأعضاء لم توجده أولًا وإنما أوجدته القوة المحركة للأعضاء. وبين أن تلك القوة لم توجده أولًا أيضًا على الحقيقة، وإنما أوجدته قوة العقل التي رتبته أولًا في التخيل، ثم حركته الأعضاء بإرادته.
والقوة المتخيلة في وقت إيجاد الشيء تستعين بالحس لتحضر فيها ما فعلته الأعضاء ليرى العقل هل ما تخيل في القوة المتخيلة في الحس على مثال القوة المتخيلة. وللعقل نحوين من.: أحدهما أن يصور فيها مثال ما يراد إيجاده، والثاني أن يحصل فيها على الحس ما تفعله الأعضاء المتحركة في ذلك الشخص الذي هو خارج النفس.
وإذا نظر هذا النظر في الموجودات الطبيعية وجدت الطبيعة مثل الأعضاء، وأنفس الأجرام السماوية مثل القوة المتخيلة، والفاعل هو الذي يعلم ما يفعل فيفيض على الأنفس السماوية ما يريد إيجاده ويصور فيها على مثال ما يصور العقل الإنساني في الخيال ما يقصد إيجاده في الطبيعة محرك موجود في الأجرام التي في الكون والفساد، ووجودها في هذه الأجرام عن حركة لأجرام السماوية. وأظهر ما توجد حركة الطبيعة في الأجرام التي في الكون والفساد عن حركة الشمس، فإنه توجد عن حركتها حرارة بها تفعل الشمس في النبات ما يظهر لنا من تحريك النبات إلى التغذي والنمو والتوليد، فحرارة الشمس. أعضاء بدن الإنسان والآلات التي بها يفعل الإنسان عن عقله، وكذلك حرارة الشمس هي التي تدبر الشمس وتفعل بما يفيض عليها من الله ﷿ مما يريد أن يفعله، فحرارة الشمس من حيث تفعل بها نفس الشمس وطبيعة ما يكون عن حركة جرم الشمس. وكذلك تصدر عن جميع حركات الأجرام السماوية طبائع تفعل بها في الأجرام الطبيعية وعنها تتغير الأجرام تغيرات مختلفة. وكما توجد المصنوعات عن الإنسان بالعقل والنفس والأعضاء، كذلك توجد الأمور الطبيعية عن عالم يفعلها أولًا في أنفس موجودة في الأجرام السماوية تدير بها الطبيعة لتوجد الأمور الطبيعية.
وينظر العقل النظري ببصيرته في العقل العملي، وذلك أن المعقول من المصنوعات في العقل العملي كلي متوحد، فإذا بسطه وأوجده في النفس بسطه وأوجده متكثرًا، وإذا أوجده خار النفس أوجده في نهاية التكثير لأنه يوجده بنهايات وعلى مقدار في النفس، ويوجد كل واحد من المقادير التي في النفس أشخاصًا كثيرة خارج النفس. مثال ذلك: معقول الياقوت في العقل العملي هو معنى واحد، فإذا أوجده في النفس أوجده على مقدار ما من الصغر والكبر في الطول والعرض والارتفاع، لأنه ليس في قوة النفس أن تقبله كما هو في العقل من التوحد، لأن العقل أعلى وأشرف، فإذا أوجد خارج النفس أشخاص كل مقدار منها، أوجد كل واحد منها أشخاصًا متكثرة جدًا، لأن المواد لا تقبل الصورة كما هي في النفس من التوحد.
وهذا الذي ذكرته من المعنى الغريب الذي يدركه العقل النظري في العملي يلزم أن يقال: كل ما قرب من الواحد الأول كان أكثر توحدًا، وكل ما بعد عنه في مرتبته كان متكثرًا.