انظر إلى قول الغزالي في آخر كتاب المشكاة فإنه يعتقد أن الأول فطر جميع الفاعلين أن يفعلوا والمنفعلين أن ينفعلوا.
وانظر إلى قول أب ينصر في عيون المسائل يقول: إن نسبة جميع الأشياء ليه من حيث أنه مبدعها أو هو الذي ليس بينه وبين مبدعها واسطة وإلى.. نسبة واحدة.
والبرهان في ذلك بين في السماع أن الفاعل الأول هو الفاعل على الحقيقة، وأن الفاعل القريب لا فعل له. فالأول هو أن الذي جعل القريب أن يفعل والمنفعل أن ينفعل عن الفاعل. والقريب في المشهور عند الجمهور هو الفاعل في المادة من حيث يأخذون الأمور في المواد. وإنما يحمد أو يذم الفاعل الأول، مثل الملك العادل إليه تنسب العدالة ولو بعد في الرتبة عمن تحته من الفاعلين، منه وكذلك الجائر. ومن ينسب فعل الحركات إلى القريب كان كالكلب يعض على الحجر الذي يرمى به غيظًا على الفاعل لا يدري أنه فعل هو في ذلك مصيب. وفي هذا صعوبة، ولا سيما إذا بعد ولم توجد الأمور في المواد الطبيعية.
والعقل الفعال بمعونة الأجرام السماوية هو الفاعل القريب في جزئيات الكون والفساد، والذي فطرهما على ذلك هو الفاعل أبدًا بالحقيقة، وهو الشيء الذي يستحق الحمد، وليس واحد منهما يجهل.
والخير وجود والشر عدم. ولولا العدم لم يكن وجود العقل الإنساني غلا مرة واحدة. وهو لا نهاية لوجوده لمن يطلب زوال وجود لا يزال ولا فساد له، فمنه الخير والشر منه، من جهة أن الشر خير لكنه بالعرض. وما أعظم منفعة الشر في الوجود، بل لا شر على الحقيقة وعلى الإطلاق في الترتيب الإلهي إذا لم يستمر توالي وجود ما في المادة. إلا أنه بل هو تمام الحكمة وإنما لعدم ما يعود بالنوع في المادة لزيادة عقل لا يفنى بل يبقى ببقاء موجود واحد بالعدد، وكل ما يوجد في المادة من غير نوعه، فمن أجل ذلك العقل وجوده وهو الغاية منه.
وقد خلق الوجود المستمر على نظام واحد في البقاء من أول أمره، وكان هذا الوجود الآخر عن ذلك من كمال الحكمة والقدرة والفضل. تبار الله أحسن الخالقين.
[ ٣٣ ]
ومن جهات البرهان في بقاء العقل أن تلتفت أبدًا في إلى بصيرة قلبك حتى تفنى تلك البصيرة، وهي التي تحوز بها المعقولات، وتراها بها كما ترى بصر العين نور الشمس الذي نرى به الملونات، حتى نرى بتلك البصيرة المعقولات، ونثبتها في العقل، ونتيقن وجودها وصدقها في العقل، حتى يكون الراجع والمرجوع إليه شيئًا واحدًا. ومعنى ذلك أن يكون قائمًا بذاته فقط لا يحتاج إلى شيء يقومه خارج عنه، بل هو الفاعل لذاته بتلك البصيرة، حتى يكون فعله هو ذاته وفي ذاته، فيكون الفاعل والصورة هو كالمادة، فإنه في ذاته ليس بمتكون من شيء آخر غيره.
أما أنه لا يعقل ذاته إلا بالبصيرة الفائضة عليه من الأول، وهي البصيرة التي يعقل بها ذاته، فإذا لم يتكون من شيء ولا يفسد إلى شيء. لأنه إن أخذ فاسدًا فسد إلى ذاته، لأنه ليس بمكون من شيء. فيكون موجودًا حين يفسد، وذلك محال. وهو العلة والمعلول والحافظ لذاته، وكل ما يفسد فإنما يفسد بزوال علته وحافظه، وهو العلة والحافظ لمعلوله الذي يحفظه. ولو زالت العلة لبقي بما فيه هو هو، وكان يفسد حين يوجد، وذلك أيضًا محال.