في الحسد
أقول: إن الحسد أحد العوارض الرديّة ويتولد من اجتماع البخل والشره في النفس. والمتكلمون في إصلاح الأخلاق يسمون الشرير مَن يلتذّ طباعًا مَضارَّ تقع بالناس ويكره ما وقع بموافقتهم وإن كانوا لم يَتِرُوه ولم يَسوؤه، كما أنهم يسمون الخير مَن أحبّ وإلتذّ ما وقع بوفاق الناس ونفعهم. والحسد شرّ من البخل لأن البخيل إنما لا يحب ولا يرى أن ينيل أحدًا شيئًا مما يملكه ويحويه، والحسود يحب أن لا ينال أحد خيرً بتّةً ولو مما لا يملكه، وهو داء من أدواء النفس عظيم الأذى لها. ومما يدفع به أن يتأمل العاقل الحسد، فأنه سيجد له من رسم الشرير حظًا وافرًا إذ كان الحسود يُرسم بأنه كاره لِما وقع بوفاق مَن لم يَترْه ولم يُسِئْ به. وهذا شطرٌ من حدّ الشرَّير، الشرَّير مستحق للمقت من البارئ ومن الناس. أما من البارئ فلأنه مضادّ له في إرادته إذ هو عزّ اسمه المفضَّلُ على الكل المريدُ الخيرَ للكل. وأما من الناس فلأنه مُبغض ظالم لهم، فإن مَن أحب وقوع المكروه بإنسان ما أو لم يحب وصول خير إليه مبغض له. فإن كان هذا الإنسان مّمّن لم يَتِرْه ولم يُسِئْ به فإنه مع ذلك ظالم له. وأيضًا فإن المحسود لم يُزِلْ عن الحاسد شيئًا مّمّا هو في يديه ولا منعه من
[ ٤٨ ]
بلوغ شئ كان يقدَر عليه ولا استعان به على شئٍ من أمره. وإذا كان ذلك كذلك فما هو -أعني المحسود - إلاّ بمنزلة سائر من نال خيرًا وبلغ أمنيته من الناس الغائبين عن الحاسد. فكيف لا يحسد من بالهند والصين؟ فإن كان لا يحسدهم من اجل غيبتهم عنه فليتصوّرهم بأحوالهم وما ينقلبون فيه من نعيمهم. فإن كان حُمقًا أو جنونًا أن يحزن لما نال هؤلاء وبلغوا من أمانيهم فإن حُمقًا مثله الحُزنُ والاغتمام لما نال من بحضرته إذ كانوا بمنزلة الغُيَّب عنه في أنهم لم يسلبوه شيئًا مما في يديه ولا منعوه بلوغ شئ كان يقدر عليه ولا استعانوا على أمر من أمورهم به. وليس بينهم وبين الغُيّب عنه فرق إلا في مشاهدة الحاسد أحوالهم التي يمكن تصوُّر مثلها من الغُيّب عنه ويعلم ويستيقن أنهم منها في مثل ما هم فيه.
وقد يغلط بعض الناس في حد الحسد حتى إنهم يَسِمون بالحسد قومًا إنما يكرهون الخير لمَن عليهم منهم في إصابتهم ذلك بعض المضار والمؤن. وليس ينبغي أن يسمَّى ولا واحدٌ من هؤلاء حاسدًا، بل ينبغي أن يسمى الحاسد مطلقًا من اغتم من خير يناله غيره من حيث لا مضرّة عليه منه البتّة، ويسمى بليغ الحسد من اغتم من خيرٍ يناله غيره وإن كان له في ذلك نفع ما. فأما إذا جاءت المؤن والمضار فإنها تحدث في النفس عداوةً بمقدارها لا حسدًا. ومثل هذا من
[ ٤٩ ]
التحاسد لا يكاد يكون إلا بين الأقرباء والمعاشرين والمعارف. فإنا نرى الرجل الغريب يملك أهل بلدٍ ما ولا يكادون يجدون في أنفسهم كراهةً لذلك، ثم يملكهم رجل من بلدهم فلا يكاد أن يتخلص ولا واحد منهم من كراهيته لذلك، هذا على أنه ربما كان هذا الرجل المالك - أعني البلديّ- أرأف بهم وأنظر إليهم من المالك الغريب. وإنما يؤُتَى الناسُ في هذا الباب من فرط محبتهم لأنفسهم، وذلك أن كل واحد منهم من أجل حُبه لنفسه يحب أن يكون سابقًا إلى المراتب المرغوب فيها غير مسبوق إليها فإذا هم رأوا من كان بالأمس معهم اليوم سابقًا لهم مقدَّمًا عليهم اغتموا لذلك وصعب واشتدّ عليهم سَبقُه إيّاهم إليها، ولم يُرضِهم منه تعطُّفُه عليهم ولا إحسانه إليهم، لأن أنفسهم متعلِّقة بالغاية مما صار إليه هذا السابق لا غير لا يرضيهم سواه ولا يستريحون دونه. وأما المالك الغريب فمن أجل أنهم لم يشاهدوا حالته الأولى لا يتصورون كمالَ سَبِقه لهم وفضله عليهم فيكون ذلك أقلَّ لغمِّهم وأسفهم. وقد ينبغي أن يُرجع في مثل هذا إلى العقل ويُتَأمَّل في هذا الأمر ما أقول.
أقول: إنه ليس لَحَنقِ الحاسد وغيظه وبُغضه لهذا الرجل القريب السابق له وجهٌ في العدل بتةً، وذلك أنه لم يمنع المسبوقَ من المبادرة إلى المطلوب وإن حصّله وحَظِيَ به دونه. وليس الحظُّ الذي ناله هذا السابقُ شيئًا كان الحاسدُ أحقَّ به أو أحوجَ إليه، فلا يُبغضْه إذا ولا يحنقْ عليه بل ليحنق على جَدَّه أو على
[ ٥٠ ]
تراخيه، فإن أحدهما هو الذي حرمه وأقعده عن بلوغ أمله. مع أنه إذا كان هذا السابق أخًا أو ابن عمّ أو قريبًا أو معرفةً أو بلديًّا كان أصلحَ للحاسد وكان أرجى لخيره وآمَنَ مِن شرِّه، إذ بينهما وُصلة التختُّن وهي وُصلة طبيعية وكيده وأيضًا فإنه إذا كان لا بد أن يكون في الناس الرؤساءُ والملوك والمُثْرُون والمُكثِرون ولم يكن الحاسدُ ممّن يؤمِّل ويرجو أن يصير ما هو لهم إليه أو إلى مَن صار إليه انتفع هو به فليس لكراهيته أن يبقى عليه وجهٌ في العقل بتّةً، لأنه سواء عليه بقى فيهم أو صار إلى غيرهم ممّن حالهُ في عدم انتفاعه بهم حالهُ وأيضًا فنقول: إنّ العاقل قد يزمُّ ببصيرة نفسه الناطقة وقوة نفسه الغضبيّة نفسَه البهيمية حتى يرعها من إصابة الأشياء اللذيذة الشهيّة عمّا لا شهوة ولا لذّة فيه، وفيه مع ذلك مضرّة النفس والبدن جميعًا. وأقول: إنّ الحسد ممّا لا لذّةَ فيه، وإن كان فيه منها شئ فإنه أقلّ كثيرًا من سائر الأشياء من اللذّات، وهو مُضر بالنفس والجسد. أمّا بالنفس فلأنه يُذهلها ويُعزب فكرها ويَشغلها حتى لا تفرغ للتصرُّف فيما يعود نفعُه على الجسد وعليها لِما يعرض معه للنفس من العوارض الردّيئة، مثل طول الحزن والهّم والفكر. وأمّا بالجسد فلأنه يعرض له عند حدوث هذه الأعراض للنفس طولُ السهر وسوءُ الاغتذاء، ويُعقب ذلك رداءةَ اللون وسوءَ السَحنَة وفسادَ المزاج. وإذا كان العاقل يزُمّ بعقله الهوى - المقرَّبَ إليه الشهوات اللذيذةَ بعد أن تكون ممّا يُعقب مضرةً - فأولى به وأولى أن يجتهد في محوِ هذا العارض عن نفسه ونسيانه
[ ٥١ ]
ولإضراب عنه وترك الفكر فيه متى خطر بباله. وأيضًا فإن الحسد نِعْمَ العون والمنتقِمُ من الحاسد والمحسود، وذلك أنه يُديم همَّه وغمَّه ويذُهِل عقله ويعذِّب جسده ويوُهِن بأشغال نفسه وإضعاف جسده كيدَه للمحسود وسعيه عليه إن دام ذلك. فأيُّ رأي هو أولى بالتسفيه والترذيل من الذي لا يجلب على صاحبه إلا ضررًا، وأيُّ سِلاح أحقُّ وأَولى بالاطّراح من الذي هو جُنّة للعدوّ وجارح للحامل؟ وأيضًا فإنّ ممّا يمحو الحسدَ عن النفس ويُسهِّل ويُطيب لها الإقلاعَ عنه أن يتأمّل العاقلُ أحوالَ الناس - ترقِّيهم في المراتب ووصولهم إلى المطالب - وأحوالهم مما صاروا إليه من هذين البابين، ويُجيدَ التثبُّتَ فيه على ما نحن ذاكروه هاهنا، فإنه سيَهجُم منه على أنّ حالة المحسود عند نفسه خلافُها عند الحاسد، وأنّ يتصورّه الحاسدُ من عِظَمها وجلالتها ونهايةِ غبطة المحسود وتمتُّعه بها ليس كذلك. أقول: إنّ الإنسان لا يزال يستعظم الحالةَ ويستجلّها ويودّ ويتمنى بلوغَها والوصول إليها، ويرى بل لا يشك أنّ الذين قد نالوها وبلغوها هم في غاية الاغتباط والاستمتاع بها، حتى إذا بلغها ونالها لم يفرح ولم يُسَرّ بها إلاّ مُدَيدةً يسيرةً بقدر ما يستقر فيها ويتمكن منها ويُعرف بها، ويكون هذه المُدَيدةَ عند نفسه مسعودًا مغتبطًا بها، حتى إذا حصلت له هذه الحالةُ - المتمنَّاةُ كانت - واستحكم كونُه فيها وملكه لها ومعرفةُ الناس له
[ ٥٢ ]
بها سَمَتْ نفسُه إلى ما هو فوقها وتعلّقت أمنيته بما هو أعلى منها، فاستقل واسترذل حالتَه التي هو فيها التي قد كانت من قبلُ غايَته وأملَه، وصار بين هّم وخوفٍ: أمّا الخوف فمن النزول عن الدرجة التي نالها وحصّلها، وأمّا الهّم فبالتي يقدِّر بلوغها. فلا يزال متقنِّطًا لها متنغِّصا بها زاريًا عليها، مُتعبَ الفكر والجسد في إعمال الحيلة للتنقُّل عنها والترقَّي منها إلى ما سواها، ثم تكون حالته في الثانية كذلك وفي الثالثة إن بلغها وفي كل ما نال ووصل إليه منها. وإذا كان الأمر كذلك فيحق على العاقل أن يحسد أحدًا على فضل من دُنيا ناله ممّا يستغنى عنه في إقامة العيش، وأن لا يظن أنّ أصحاب الفضل فيها والإكثار منها لهم من فضل الراحة واللذّة بحسب ما عندهم من فضل عُروض الدنيا. وذلك أنّ هؤلاء لِمطاولة هذه الحال ودوامها
يصيرون - بعد الراحة واللذة ودوامها - إلى أن لا يلتذّوها، لأنها تصير عندهم بمنزلة الشيء الطبيعي الاضطراري في بقاء العيش، فيقرب من أجل ذلك التذاذُهم بها من التذاذ كل ذي حالة بحالته المعتادة. وكذلك تكون قضيّتهم في قلّة الراحة، وذلك أنه من أجل أنهم لا يزالون مُجدِّين منكمشين في الترقِّي والعلو إلى ما فوقهم تَقِلُّ راحتهم، حتى إنها ربما كانت أقلَّ من راحة مَن هو دونهم، ولا ربما بل هي في أكثر الأمور دائمًا أبدًا كذلك. فإذا لاحظ العاقل هذه المعاني وتأملها آخذًا فيها بعقله طارحًا لهواه عَلِمَ أنّ الغاية التي يمكن بلوغها من لذاذة العيش وراحته هي الكفاف، وأن ما فوقه من أحوال المعاش مقارب في ذلك بعضه لبعض، بل الكفاف دائمًا فضلُ الراحة عليها. فأيُّ وجهٍ للتحاسد إلا الجهل بها وأتباع الهوى دون العقل فيها. وفيما ذكرنا من هذا الباب أيضًا كفاية، فلنقل الآن في الغضبرون - بعد الراحة واللذة ودوامها - إلى أن لا يلتذّوها، لأنها تصير عندهم بمنزلة الشيء الطبيعي الاضطراري في بقاء العيش، فيقرب من أجل ذلك التذاذُهم بها من التذاذ كل ذي حالة بحالته المعتادة. وكذلك تكون قضيّتهم في قلّة الراحة، وذلك أنه من أجل أنهم لا يزالون مُجدِّين منكمشين في الترقِّي والعلو إلى ما فوقهم تَقِلُّ راحتهم، حتى إنها ربما كانت أقلَّ من راحة مَن هو دونهم، ولا ربما بل هي في أكثر الأمور دائمًا أبدًا كذلك. فإذا لاحظ العاقل هذه المعاني وتأملها آخذًا فيها بعقله طارحًا لهواه عَلِمَ أنّ الغاية التي يمكن بلوغها من لذاذة العيش وراحته
[ ٥٣ ]
هي الكفاف، وأن ما فوقه من أحوال المعاش مقارب في ذلك بعضه لبعض، بل الكفاف دائمًا فضلُ الراحة عليها. فأيُّ وجهٍ للتحاسد إلا الجهل بها وأتباع الهوى دون العقل فيها. وفيما ذكرنا من هذا الباب أيضًا كفاية، فلنقل الآن في الغضب
[ ٥٤ ]