هذا أيضا أحد العوارض الرديئة التي يدعو إليها الهوى. وذلك أن الإنسان لما كان يحب التكبر والترؤس من جميع الجهات وعلى كل الأحوال يحب أن يكون هو أبدا المخبر المعلم، لما في ذلك من الفضل له على المخبر المعلم. وقد قلنا إنه ينبغي للعاقل أن لا يطلق هواه فيما يخاف أن يجلب عليه من بعد هما وألما
[ ٥٦ ]
وندامة، ونجد الكذب يجلب على صاحبه ذلك، لأن المدمن للكذب المكثر منه لا يكاد تخطئه الفضيحة ولا يسلم منها، إما لمناقضة تكون منه لسهو ونسيان يحدثان له. وإما لعلم بعض من يحدثه واطلاعه من حديثه ذلك على خلاف ما ذكر. وليس يصيب الكذاب من الالتذاذ والاستمتاع بكذبه - ولو كذب عمره كله - ما يقرب فضلا عما يوازي ما يدفع إليه - ولو مرة واحدة في عمره كله - من هم الخجل والاستحياء عند افتضاحه واحتقار الناس واستصغارهم وتسفيههم وترذيلهم له وقلة ركونهم إليه وثقتهم به، إن كان ممن لنفسه عند نفسه مقدار ولم يكن في غاية الخسة والدناءة. فإن مثل هذا لا ينبغي أن يعد في الناس فضلا عن أن يكون يقصد بكلام يطمع به في صلاحه. ومن أجل أن أسباب الفضيحة في هذا المعنى ربما تأخرت كثيرا ما يغتر الجاعل بذلك، إلا أن العاقل ليس يورط نفسه فيما يخاف أو لا يأمن معه الفضيحة، بل يستظهر ويأخذ بالحزم في ذلك.
وأقول: إن الإخبار بما لا حقيقة له نوعان، فنوع منه يقصد به المخبر إلى أمر جميل مستحسن يكون له عند تكشف الخبر عذرا واضحا نافعا للمخبر، موجبا لأن يسوق ذلك الخبر إليه على ما ساقه إليه وإن لم يكن حقيقة كذلك. مثال ذلك أنه لو أن رجلا علم من ملك ما أنه مزمع على قتل صاحب له في يوم
[ ٥٧ ]
غدٍ، وأنه متى انقضى يومُ غدٍ ظهر الملك على أمرٍ ما يوجب أن يقتل صاحبه هذا، فجاء إلى صاحبه وأخبره أنه استخفى في منزله كنزًا وأنه يحتاج إلى معاونته عليه في يوم غدٍ، فأخذ به إلى منزله فلم يزل يومه ذلك يعلله بل يُكِدّه بالحفر والبحث عب ذلك الكنز، حتى إذا انقضى ذلك اليوم وظهر الملك على ما ظهر عليه أخبره حينئذٍ بالأمر على حقيقته. أقول إن هذا الرجل وإن كان قد أخبر صاحبه أولًا بما لا حقيقة له فليس في ذلك بمذموم ولا عند تكشُف الخبر على خلاف ما حكاه بمفتضح، إذ كان قد قصد به إلى أمرٍ جميل جليل نافعٍ للمُخبر. فهذا وما أشبهه ونحاه من الإخبار مما لا حقيقة له لا يُعقب صاحبه فضيحةً ولا مذمةً ولا ندامةً بل شُكرًا وثناءً جميلًا. وأما النوع الثاني العديم لهذا الغرض ففي تكشُّفه الفضيحةُ والمذمة. وأما الفضيحة فإذا لم يكن على المُخبر من ذلك ضررٍ، كرجل حكى لصاحبه أنه عاين بمدينة كذا وكذا حيوانًا أو جوهرًا أو نباتًا من حالته وقصته كذا وكذا، مما لا حقيقة له ولا يقصد به الكاذبون إلا إلى التعجب منه فقط. وأما المذمة فإذا جلب على المخبر مع ذلك ضررًا، كرجل حكى لصاحبه عن ملك بلدةٍ ما شاسعة رغبةً في قُربه وتوقانًا إليه، وحقق في نفسه أنه إن احتمل إليه وسار نحوه نال منه مكان كذا ومرتبة كذا، وإنما فعل ذلك لينال شيئًا مما يخلفه، حتى إذا تعنى صاحبه وتحمل واجتهد فورد على ذلك الملك لم يجد لشيءٍ من ذلك حقيقةً، ووجده حَنِقًا مُغضَبًا عليه فأتى على
[ ٥٨ ]
نفسه. على الأولى بأن يسمى كاذبًا ويُجنب ويحترس منه مَن كذب لا لأمر اضطُرَّ إليه ولا مَطلبٍ عظيم ينال به، فإن مَن استحسن الكذب وأقدم عليه لأغراض دنتة خسيسة كان أحرى وأولى به عند الأغراض العظيمة الجليلة