إن العقل الذي خصصنا به وفضلنا على سائر الحيوان غير الناطق به أدى بنا إلى حسن المعاش وارتفاق بعضنا ببعض. فإنا قل ما نرى البهائم يرتفق يعضها ببعض ونرى أكثر حسن عيشنا من التعاون والإرتفاق لبعضنا من بعض، فلولا ذلك لم يكن لنا فضل في حسن العيش على البهائم. وذلك أن البهائم لما لم يكن لها كمال التعاون والتعاضد العقلي على ما يصلح عيشنا لم يعد سعى
[ ٨٠ ]
الكثير على الواحد منها كما نرى ذلك في الإنسان. فإن الرجل الواحد منا طاعم كاس مستكن آمن، وإنما يزاول من هذه الأمور واحدا فقط لأنه إن كان حراثا لم يمكنه أن يكون بناء، وإن كان بناء لم يمكنه أن يكون حواكا، وإن كان حواكا لم يمكنه أن يكون محاربا. وبالجملة إنك لو توهمت إنسانا واحدا مفردا في فلاة لعلك لم تكن تتوهمه عائشا، ولو توهمته عائشا لم تكن تتوهم عيشه عيشا حسنا هنيئا، كعيش من قد وفر عليه كل حوائجه وكفى ما يحتاج أن يسعى فيه. بل عيشا وحشيا بهيميا سمجا، لما فقد من التعاون والتعاضد المؤدي إلى حسن العيش وطيبه وراحته. وذلك أنه لما اجتمع ناس كثير متعاونون متعاضدون اقتسموا وجوه المساعي العائدة على جميعهم، فسعى كل واحد منهم في واحد منها حتى حصلها وأكملها، فصار لذلك كل واحد منهم خادما ومخدوما وساعيا لغيره ومسعيا له. فطاب للكل بذلك المعيشة وتم على الكل بذلك النعمة وإن كان في ذلك بينهم بون بعيد وتفاضل كثير، غير أنه ليس من أحد إلا مخدوم مسعى له مكفى كل حوائجه وإذ قد قدمنا ما رأينا تقديمه في هذا الباب واجبا فإنا راجعون إلى غرضنا المقصود هاهنا. فنقول: إنه لما كانت عيشة الناس إنما تتم وتصلح بالتعاون والتعاضد كان واجبا على كل واحد منهم أن يتعلق بباب من أبواب هذه المعاونة ويسعى في الذي أمكنه وقدر عليه منها ويتوقى في ذلك طرفى الإفراط
[ ٨١ ]
والتقصير. فإن مع أحدهما - وهو التقصير - الذلة والخساسة والدناءة والمهانة إذ كان يؤدي بالإنسان إلى أن يصير عيالا وكلا على غيره ومع الآخر الكد الذي لا راحة معه والعبودية التي لا انقضاء لها. وذلك أن الرجل متى رام من صاحبه أن ينيله شيئا مما في يديه من غير بدل ولا تعويض فقد أهان نفسه وأحلها محل من أقعدته الزمانة والنقص عن الاكتساب. وأما من لم يجعل للاكتساب حدا يقف عنده ويقتصر عليه فإن خدمته للناس تفضل على خدمتهم له أضعافا كثيرة، ولا يزال من ذلك في رق وعبودية دائمة. وذلك أن من سعى وتعب عمره كله باكتساب ما يفضل من المال عن نفقته ومقدار حاجته وجمعه وكنزه فقد خسر وخدع واستعبد من حيث لا يعلم. وذلك أن الناس جعلوا المال علامة وطابعا يعلم به بعضهم من بعض ما استحق كل واحد منهم بسعيه وكده العائد على الجميع. فإذا اختص أحدهم بجمع الطوابع بكده وجهده ولم يصرفها في الوجوه التي تعود بالراحة عليه من سعى الناس له وكفايتهم إياه كان قد خسر وخدع واستعبد. وذلك أنه أعطى كدا وجهدا ولم يستعض منه كفاية وراحة، ولا استبدل كدا بكد وخدمة بخدمة بل استبدل ما لم يجد ولم ينفع، فحصل جهده وكده وكفايته للناس فاستمتعوا به وفاته من كفاية الناس له وكدهم عليه واستمتاعه بهم دون قدر استحقاقه بكفايته لهم وكده عليهم، فقد خسر وخدع واستعبد كما ذكرنا. فالقصد في الاكتساب إذا هو المقدار الموازي لمقدار الإنفاق وزيادة فضلة تقتنى وتدخر للنوائب والحوادث المانعة من الاكتساب. فإنه يكون حينئذ
[ ٨٢ ]
المكتسب قد اعتاض كدا بكد وخدمة بخدمة
وأما الاقتناء فإنا قائلون فيه منذ الآن فنقول: إن الاقتناء والادخار هو أيضا أحد الأسباب الاضطرارية في حسن العيش الكائن عن تقدمة المعرفة العقلية، والأمر في ذلك أظهر وأوضح من أن يحتاج إلى بيانه، حتى إن كثيرا من الحيوان غير الناطق يقتني ويدخر. وأخلق أن يكون لهذه الحيوانات فضل في التصور الفكري على غير المقتنية. وذلك أن سبب الاقتناء والباعث عليه تصور الحالة التي يفقد فيها المقتني مع قيام الحاجة إليه. فقد ينبغي أن يعتدل فيه على ما ذكرناه عند كلامنا في كمية الاكتساب. لأن التقصير فيه يؤدي إلى عدمه مع الحاجة إليه كالحالة فيمن ينقطع به الزاد في فلاة من الأرض، والإفراط يؤدي إلى ما ذكرنا أنه يؤدى إليه من دوام الكد والتعب، والاعتدال في الاقتناء هو أن يكون الإنسان مستظهرا من المقتنيات بمقدار ما يقيم به حالته التي لم يزل عليها متى حدثت عليه حادثة مانعة من الاكتساب. فأما من كان غرضه في الاقتناء التنقل به عن الحالة التي هو عليها إلى ما هو أعلى وأجل منها ولم يجعل لذلك حدا يقتصر عليه ويقف عنده فإنه لا يزال في كد ورق دائم، ويعدم أيضا مع ذلك في أية حال - من أية حال تنقل إليها - الاستمتاع والغبطة بها إذ لا يزال مكدودا فيها غير راض بها عاملا في التنقل منها إلى غيرها، متطلعا متشوقا إلى التعلق بما هو أجل وأعلى منها، على ما ذكرناه في باب الحسد ونذكره الآن بتفسير وشرح أوضح وأكثر في الفصل الذي يتلو هذا. وخير
[ ٨٣ ]
المقتنيات وأبقاها وأحمدها وآمنها عاقبة الصناعات لا سيما الطبيعية الاضطرارية التي الحاجة إليها دائمة قائمة في جميع البلدان وعند جميع الأمم. فإن الأملاك والأعلاق والذخائر غير مأمون عليها حوادث الدهر. ولذلك لم تعد الفلاسفة أحدا غنيا إلا بالصناعات دون الأملاك. وقد حكى عن بعضهم أنه كسر به في البحر فهلك جميع ماله، وأنه لما أفضى إلى الشط أبصر في الأرض رسم شكل هندسي، فطابت نفسه وعلم أنه قد وقع إلى جزيرة فيها قوم علماء. ثم إنه رزق فيهم الثروة والرياسة فأقام عندهم. فمرت به مراكب تريد بلده فسألوه هل عنده رسالة يحملونها عنه إلى أهل بلده. فقال لهم إذا صرتم إليهم فقولوا لهم اقتنوا وادخروا ما لا يغرق وأما كمية الإنفاق فإنا قد ذكرنا قبيل أن مقدار الاكتساب ينبغي أن يكون موازيا لمقدار الإنفاق والفضلة المقتناة المدخرة للنوائب والحوادث، فمقدار الإنفاق ينبغي إذا أن يكون أقل من مقدار الاكتساب. غير أنه لا ينبغي للمرء أن يحمله الميل إلى الاقتناء على التقتير والتضيُّق، ولا حب الشهوات وإيثارها على ترك الاقتناء البتة، بل يعتدل فيها كل واحد بمقدار كسبه وعادته التي جرت في الإنفاق ونشأ عليها وحاله ورتبته وما يجب أن يكون لمثله من القنية والذخيرة.
[ ٨٤ ]