إنّ هذا العارض ليس يمكننا أن نقول إنه من عوارض الهوى بإطلاق وذلك أنّا نجد قومًا يدعوهم إلى التمسك والتحفظ بما في أيديهم فرط خوفهم من الفقر وبُعد نظرهم في العواقب وشدةُ أخذٍ منهم بالحزم في الاستعداد للنكبات والنوائب، ونجد آخرين يلذون الإمساك لنفسه لا لشيء آخر، ونجد من الصبيان الذين لم يستحكم فيهم الروية والفكر من يسخو بما معه لقرنائه من الصبيان ونجد منهم من يبخل به. فمن أجل ذلك ينبغي أن يُقصد إلى ومقاومة ما
[ ٥٩ ]
كان من هذا العارض عن الهوى فقط، وهو الذي إذا سئل صاحبه عن السبب والعلة في إمساكه لم يجد في ذلك حجةً بينةً مقبولةً تُنبئ عن عُذر واضح. لكن يكون جوابه ملزقًا مرقعًا ملجلجًا مثبجًا. وقد سألت مرةً رجلًا من الممسكين عن السبب الداعي له إلى ذلك، فأجابني بأجوبة من نحو ما ذكرت. وجعلت أبِّين له فسادها وأنه ليس مما اعتل به شيءٌ يوجب مقدار ما كان عليه من الإمساك. وذلك أني لم أسُمه أن يجود من ماله بما يبين عليه فضلًا عما يُجحف به أو يحطه عن مرتبته في غناه، فكان آخرُ جوابه أن قال هكذا أُحِبُّ وكذا اشتهى. فأعلمته حينئذٍ أنه قد حاد عن حكم العقل إلى الهوى، إذ كان ما يعتل به ليس بقادح في الحالة العاجلة التي هو عليها ولا في الحزم والوثيقة والنظر في العاقبة. فهذا المقدار من هذا العارض هو الذي ينبغي أن يُصلح ولا يُقارَّ
[ ٦٠ ]
الهوى عليه، وهو البخل بما يؤثر في الحالة الحاضرة انحطاطًا ولا فيما يرام بلوغه فيمال بعد بالمال ضعفًا ولا عجزًا. فأما من كان له عُذرٌ بيّن واضح من أحد هذين البابين أو من كليهما فليس ما عرض له الإمساك عن الهوى بل عن العقل والروّية، ولا ينبغي أن يزال عنه بل يزيد ويثبت عليه. وليس كل ممسك يسوغ له أن يحتج بالباب الثاني من هذين البابين. وذلك أن مَن كان من الناس آيسًا من أن يبلغ بإمساكه رتبةً أعلى وأجلَّ من التي هو فيها كمن كان في أواخر عُمره أو في أقصى المراتب التي يمكن أن يبلغها مثله فليس لاحتجاجه بالباب الثاني من هذين البابين وجهٌ بتّةً