إن هذا العارض ليس يمكن دفعه عن النفس كَمَلًا إلا بأن تُقنَع أنها
[ ٩٢ ]
تصير من بعد الموت إلى ما هو أصلح لها كانت فيه. وهذا بابٌ يطول الكلام فيه جدًا إذا طُلب من طريق البرهان دون الخبر. ولا وجه للكلام فيه البتة لا سيما في هذا الكتاب، لأن مقداره كما ذكرنا قبل يجاوز مقداره في شرفه وفي عرضه وفي طوله، إذ كان يحوج إلى النظر في جميع المذاهب والديانات التي تُرى وتوجب للإنسان أحوالًا من بعد موته، والحكم بعد لمُحقها على مُبطلها. وليس بصعوبة مرام هذا الأمر وما يضطر ويحتاج إليه فيه من طول الكلام خفاء. فنحن لذلك تاركوه ومقبلون على إقناع من يرى ويعتقد أن النفس تفسد بفساد الجسد، فإنه متى أقام على الخوف من الموت كان مائلًا عن عقله إلى هواه
فنقول: إن الإنسان على قول هؤلاء ليس يناله من بعد الموت شيء من الأذى بتةً، إذ الأذى حس والحس ليس إلا للحي وهو في حال حياته مغمور بالأذى منغمس فيه، والحالة التي لا أذى فيها من الحالة التي فيها الأذى، فالموت إذًا أصلح للإنسان من الحياة. فإن قال قائل إن الإنسان وإن كان يصيبه في حال حياته الأذى فإنه ينال من اللذات ما ليس يناله في حال موته، قيل له: فهل يتأذى أو يبالي أو يضره بوجه من الوجوه في هذه الحال أن لا ينال اللذات؟ فإذا قال لا - وكذلك يقول لأنه إن لم يقل ذلك لزمه أن يكون حيًا في حال موته، إذ الأذى إنما يلحق الحيَّ دون الميت - قيل له: فليس يضره أن لا ينال اللذات. وإذا كان ذلك كذلك فقد رجع الأمر إلى أن حالة الموت هي الأصلح، لأن الشيء الذي حسبت
[ ٩٣ ]
أن للحي به الفضل هي اللذة وليس بالميت إليها حاجة ولا له إليها نزوع ولا عليه في أن لا ينالها أذىً كما ذاك للحي، فليس للحي عليه فضل فيها لأن التفاضل إنما يكون بين المحتاجين إلى شيءٍ ما إذا كان لأحدهما فضل مع قيام الحاجة إليه، فأما أن يكون المحتاج على غنى فلا. وإذا كان ذلك كذلك فقد رجع الأمر إلى أن حالة الموت أصلح. فإن قال إن هذه المعاني ليس ينبغي أن تقال على الميت لأنها ليست له بموجودة، قيل له: إنا لم نقل عليه هذه المعاني على أنها قائمة موجودة له بل إنما نضعها متوهمة متصورة لنقيس شيئًا على شيء ونعتبر شيئًا بشيء. وهذا باب متى منعته كنت منقطعًا في قوانين البرهان، وهو باب من الانقطاع معروف عند أهل البرهان يسمونه غلق الكلام. وذلك أن صاحبه يغلق الكلام أبدًا ويهرب منه ولا يساعد عليه خوف من أن يتوجه عليه الحكم. فإذا لجأ إلى التكرار واللجلجة فليس له بعد هذا ألا هذا أعلم إن حكم العقل في أن حالة الموت أصلح من حالة الحياة على حسب اعتقاده في النفس، وقد يوجد أنه مقيم على إتباع الهوى فيه. فإن الفصل بين الرأي الهوائي والعقلي هو أن الرأي الهوائي يُجتبى ويؤثر ويتبع ويتمسك به لا بحجة بينة ولا بعذر واضح وإنما يكون عن ضرب من الميل إلى ذلك الرأي والموافقة والحب له في النفس وأما الرأي العقلي فإنه يجتبى بحجة بينه وعذرٍ واضح وإن كانت النفس كارهة له ومنحرفة عنه. وأيضا فما هذه اللذة المرغوب فيها المتنافس عليها، وهل هي في الحقيقة إلا راحة من المؤلم على ما قد بينا؟
[ ٩٤ ]
وإذا كان ذلك كذلك فإنه ليس يتصورها مقصودة مطلوبة إلا الجاهل بها، لأن المستريح من الأذى غني عن الراحة التي متى أعقبته سميت لذة. وأيضا فإنه وإن كان الاغتنام بما لا بد منه ومن وقوعه فضلا كما بينا قبل وكان الموت مما لا بد منه ومن وقوعه فإن الاغتنام بالخوف منه فضل والتلهي عنه والتناسي له ربح وغنم. ومن أجل ذلك صرنا نغبط البهائم في هذا المعنى إذ لها بالطبع هذه الحالة كملا التي ليس نقدر نحن عليها إلا بالحيلة لاطراح الفكر والتصور العقلي. وكأن ذلك من أنفع الأمور في هذا الموضع إذ كان يجلب من الألم أضعاف أضعاف المنتظر. وذلك أن المتصور للموت الخائف منه يموت في كل تصويره موتة، فتجتمع عليه من تصوره له مدة طويلة موتات كثيرة. فالأجود إذا والأعود على النفس التلطف والاحتيال لإخراج هذا الغم عنها. وذلك يكون كما قيل قبيل إن العاقل لا يغتم بتّة. وذلك أنه إذا كان لما يغتم به سبب يمكنه دفعه جعل مكان الغم فكرا في دفع السبب، وإن كان مما لا يمكن دفعه أخذ على المكان في التلهي والتسلي عنه وعمل في محوه وإخراجه عن نفسه. وأيضا فإني أقول: إني قد بينت أنه ليس للخوف من الموت على رأى من لم يجعل للإنسان حالة وعاقبة يصير إليها بعد موته وجه. وأقول إنه يجب أيضا في الرأي الآخر - وهو الرأي الذي يجعل لمن مات حالة وعاقبة يصير إليها بعد الموت - أن لا يخاف من الموت الإنسان الخير الفاضل المكمل لأداء
[ ٩٥ ]
ما فرضت عليه الشريعة المحقة، لأنها قد وعدته الفوز والراحة والوصول إلى النعيم الدائم. فإن شك شاك في هذه الشريعة ولم يعرفها ولم يتيقن صحتها فليس له إلا البحث والنظر جهده وطاقته. فإن أفرغ وسعه وجهده غير مقصر ولا وان فإنه لا يكاد يعدم الصواب. فإن عدمه - ولا يكاد يكون ذلك - فالله تعالى أولى بالصفح عنه والغفران له إذ كان غير مطالب بما ليس في الوسع بل تكليفه وتحميله ﷿ لعباده دون ذلك كثيرا
وإذ قد أتينا على قصد كتابنا هذا وبلغنا آخر غرضنا فيه فإنا خاتمون كلامنا بالشكر لربنا ﷿. فالحمد لله واهب كل نعمة وكاشف كل غمة حمدا بلا نهاية كما هو أهله ومستحقه.
[ ٩٦ ]