إن إدمان السُكر ومواترته أحد العوارض الرديئة المؤدية بصاحبها إلى المهالك والبلايا والأسقام الجمّة. وذلك أن المُفرط في السُكر مُشرفٌ في وقته على السكتة والاختناق وعلى امتلاء بطن القلب الجالب للموت فجأةً وعلى انفجار الشرايين التي في الدماغ وعلى التردِّي والسقوط في الأغوار والآبار، ومِن بعدُ فعلى الحُميَّات الحارة والأورام الدموية والصفراوية في الأحشاء والأعضاء الرئيسية وعلى الرعشة والفالج لا سيما إن كان ضعيف العصب. هذا إلى سائر ملا يجلب على صاحبه من فقد العقل وهتك الستر وإظهار السر والقعود به
[ ٧٢ ]
عن إدراك جل المطالب الدينية الدنيائية، حتى إنه لا يكاد يتعلق منها بمأمولٍ ولا يبلغ منها حُظوةَ، بل لا يزال منها منحطًّا متسفِّلًا. وفي مثاله يقول الشاعر:
متى تَدرِكُ الخيراتِ أو تستطيعُها ولو كانت الخيراتُ منك على شِبرِ
إذا بِتَّ سَكرانًا وأصبحتَ مُثقَّلًا خمارًا وعاودتَّ الشرابَ مع الظُهرِ
وبالجملة فإن الشراب من أعظم موادِّ الهوى وأعظم آفات العقل، وذلك أنه يقوِّي النفسين - أعني الشهوانية والغضبية - ويشحذ قواهما حتى يطالباه بالمبادرة إلى ما يُحبانه مطالبةً قويةً حثيثةً، ويوهن النفس الناطقة ويبلد قواها حتى لا تكاد تستقصي الفكر والروية بل تُسرِع العزيمةَ وتُطلق الأفعال قبل إحكام الصريمة، ويسهل ويسلس انقيادها للنفس الشهوانية حتى لا تكاد تُمانعها ولا تتأبى عليها، وهذه مفارقة النطق والدخول في البهيمية. ومن أجل ذلك ينبغي للعاقل أن يتوقاه ويحله هذا المحل وينزله هذه المنزلة ويحذره حذر مَن يروم سَلبَ أفضل عقده وأنفسها. فإن نال منه شيئًا ما ففي حال كَظَّ الفكر والهم له وغموظهما إياه، وعلى أن لا يكون قصدُه وغرضه فيه إيثار اللذة واتباعها في مطلوباتها، بل دفع الفضل منهما والسرف فيهما الذي لا يؤمن معه سوء الحال وفساد المزاج. وينبغي أن يتذكر في هذا الموضع وأمثاله ما بيّنّاه في
[ ٧٣ ]
باب قمع الهوى، ويتصور تلك الجُمَلَ والجوامع والأصول لئلا يحتاج إلى إعادة ذكرها وتكريرها، ولا سيما قولنا إن الإدمان والمثابرة على اللذات يُسقط الالتذاذ بها ويجعلها بمنزلة الشيء الاضطراري في بقاء الحياة، فإن هذا المعنى يكاد أن يكون في لذة السُكر أوكد منه في سائر اللذات. وذلك أن السِكِّير يصير بحالةٍ لا يرى العيش إلا مع السكر، وتكون حالةَ صَحوة عنده كحالة مَن قد لزمته همومٌ اضطرارية. وأيضًا فإن ضراوة السُكر ليست بدون ضراوة الشره بل أكثر منه كثيرًا، وبحسب ذلك ينبغي أن تكون سرعةُ تلاحُقه وشدة الزم والمنع منه. وقد يُحتاج إلى الشراب ضرورةً في دفع الهم وفي المواضع التي يًحتاج فيها إلى فضلٍ من الانبساط ومن الجُرأة والإقدام والتهور، وينبغي أن يُحذر ولا يقرب البتّة في المواضع التي يُحتاج فيها إلى فضل فكر وتبين وتثبت