إن السيرة التي بها سار وعليها مضى أفاضل الفلاسفة هي بالقول المجمل معاملة الناس بالعدل والأخذ عليهم من بعد ذلك بالفضل واستشعار العفة والرحمة والنصح للكل والاجتهاد في نفع الكل، إلا مَن بدأ منهم بالجور والظلم وسعى في إفساد السياسة وأباح ما منعته وحظرته من الهرج والعبث والفساد ومن أجل أن كثيرًا من الناس تحملهم الشرائع والنواميس الرديئة على السيرة الجائرة كالديصانية والمحمرة وغيرهم ممن يرى غش المخالفين لهم واغتيالهم، والمنانية في امتناعهم من سقى مَن لا يرى رأيهم وإطعامه ومعالجته
[ ٩١ ]
إن كان مريضًا، ومن قتل الأفاعي والعقارب ونحوها من المؤذية التي لا طمع في استصلاحها وصرفها في وجهٍ من وجوه المنافع، وتركهم التطهر بالماء ونحوها من الأمور التي يعود ضرر بعضها على الجماعة وبعضها على نفس الفاعل لها، ولم يمكن نزع هذه السيرة الرديئة عن هؤلاء وأشباههم لألا من وجوه الكلام في الآراء والمذاهب، وكان الكلام في ذلك مما يجاوز مقدار هذا الكتاب ومغزاه، لم يبق لنا من الكلام في هذا الباب إلا التذكير بالسيرة التي إذا سار بها الإنسان سلم من الناس وأُعطي منهم المحبة. فنقول إن الإنسان إذا لزم العدل والعفة وأقل من مماحكة الناس ومجاذبتهم سلم منهم على الأمر الأكثر، وإذا ضم إلى ذلك الإفضال عليهم والنصح والرحمة أُوتي منهم المحبة. وهاتان الخلتان هما ثمرتا السيرة الفاضلة، وذلك كافٍ في غرضنا من هذا الكتاب