إن الشَرَه والنهم من العوارض الرديئة العائدة من بَعدُ بالألم والمضرّة وذلك أنه ليس إنما يجلب على الإنسان استنقاص الناس له واسترذالهم إياه فقط، ولكن يطرحه مع ذلك في سوء الهضم، ومن سوء الهضم إلى ضروب من الأمراض الرديئة جدًا. ويتولد عن قوة النفس الشهوانية، وإذا انضمّ إليها وساعدها عمى النفس الناطقة الذي هو قلة الحياء كان مع ذلك ظاهرًا مكشوفًا. وهو أيضًا ضربٌ من أتباع الهوى يدعو إليه ويحمل عليه تصورُّ استلذاذ طعم المتطِّم. ولقد بلغني أن رجلًا من أهل الشره أقبل يومًا على ضروب من الطعام بنهم وشره شديد، حتى إذا تضلع وتملأ منها لم يمكنه معه تناول شيء بتّةً، فأخذ يبكي فسؤلَ عن سبب بكائه، فقال إن ذلك لأنه زعم لا يقدر على أكل شيء مما هو بين يديه. وقد كان رجل بمدينة السلام يأكل معي من رَطبٍ كثير كان بين أيدينا، فأمسكت بعد تناولي منه مقدارًا معتدلًا، وأمعن هو حتى قارب أن يأتي على جميعه. فسألته بعد امتلائه منه وإمساكه عنه وذلك أنَّي رأيته محدقًا نحو ما رُفع من بين أيدينا منه هل انتهت نفسه وسكنت شهوتهُ؟ فقال ما كنت أُحب إلا أن أكون بحالتي الأولى ويكون هذا الطبق إنما قُدِمَ إلينا الآن. فقلت له فإذا كان ألمُ حِسِّ الاشتهاء ومضضه لم يسقط عنك
[ ٧٠ ]
ولا في هذه الحال فما كان الصواب إلا الإمساك قبل التملي لتُريح النفس مما أنت فيه الآن من الثِقَل والتمدُّد بالتملي، وما لا تأمن أن تصير إليه من سوء الهضم الذي يجلب عليك من الأمراض ما يكون تألُمك به أكثر من التذاذك بما تناولته أضعافًا كثيرةً. فرأيته قد فهم معنى هذا الكلام وبَجَّع فيه وبلغ إليه. ولعمري إن هذا الكلام ونحوه يُقنِع مَن لم يكن مرتاضًا برياضات الفلسفة أكثر مما تُقنع الحجج المبينةُ على الأصول الفلسفية. وذلك أن المعتقد أن النفس الشهوانية إنما قُرنت إلى الناطقة لتنال هذا الجسد الذي هو للنفس الناطقة بمنزلة أداة أو آلة ما يبقى به مدّة اكتساب النفس الناطقة المعرفة بهذا العالم، يقمع النفس الشهوانية ويمنعها من الإصابة من الغذاء فوق الكفاف، إذ كان يرى أن الغرض والقصد بالأغتذاء في الخلقة ليس للأتذاذ بل للبقاء الذي لا يمكن أن يكون إلا به. وذلك كما حُكي عن بعض الفلاسفة أنه كان يأكل مع بعض الأحداث ممن لا رياضة له، فاستقلّ ذلك الحدث أكلَ الفيلسوف ويتعجب منه وقال له في بعض كلامه لو كان زَرَدي من الغذاء مثل زَرَدك لم أُبالِ أن لا أعيش. فقال له الفيلسوف أجل يا بني، أنا آكل لأبقى وأنت تُريد أن تبقى لتأكل. وأما من لا يرى أن عليه من التملي والاستكثار من الغذاء بأسًا في مذهبه ورأيه فإنما ينبغي أن يُدفَع عن ذلك بالكلام في الموازنة للذّة المُصابة من ذلك بالألم المُعقِبِ لها كما ذكرنا قُبيل. ونقول أيضًا: إنه إذا كان انقطاع الطعم المستلذ عن المتطعم مما لا بد
[ ٧١ ]
منه فقد ينبغي للعاقل أن يقدِّم ذلك قبل الحال التي لا يأمن معها عاقبةً رديئةً. وذلك أنه إن لم يفعل ذلك خَسِرَ ولم يربح. أما خُسرانه فتعريض النفس للألم والسقم، وأما أنه لم يربح فلأن مَضَض انقطاع لذة المتطعم عنه قائمٌ على حال، فمتى انحرف عن هذا أو مال إلى ضدّه فليعلم أنه قد ترك عقله لهواه. وأيضًا فإن للشَرَه والنهم ضراوةً واستكلابًا شديدًا، ومتى أُهمل وأُمرج قَوِيَ ذلك منه وعَسُرَ نزوع النفس عنه. ومتى رُدع وقُمع وَهَن ودَبُل وضعف على الأيام حتى يُفقد البتّة. قافل الشاعر
وعادة الجُوع فأعلم عِصمَةٌ وغنىً وقد تَزيدُك جوعًا عادةُ الشِبَع